4140 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابنُ أبي إياس، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمدُ بن عبد الرحمن بن أبي ذِئب بلفظ الحيوان المشهور، العامريّ، قال (أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سُرَاقَةَ) بضم السين المهملة وتخفيف الراء وبالقاف، العَدويّ، كان والي مكَّة، مات سنة ثمان عشرة ومائة (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ أَنْمَارٍ، يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ، مُتَوَجِّهًا قِبَلَ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي جانب (الْمَشْرِقِ، مُتَطَوِّعًا) نصب على الحال من النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث جوازُ صلاة التَّطوع على الرَّاحلة، وكون صوب السَّفر فيها بدلًا عن القبلة.
تنبيه حكى أربابُ السِّير أنَّ غزوة بني المُصْطَلق هي الغزوةُ العشرون من غزواتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويُقال لها غزوةُ المُريسيع أيضًا، وقد تقدَّم تصحيحُ هذين اللَّفظين [خ¦] .
وسببها أنَّ رئيسهم الحارث بن أبي ضِرار سارَ في قومه ومن أمكنه من العرب، فدعاهُم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابوا وتهيئوا للمسيرِ معه، فبعثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بُرَيدة بن الحُصيب رضي الله عنه يعلم علم ذلك، فلقي الحارث بن أبي ضِرار وكلَّمه، ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فأسرع الخروج إليهم، وخرج معهم بشرٌ كثيرٌ من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قبلها.
واستخلفَ على المدينة زيد بن حارثة رضي الله عنه، وكان معه فرسان لِزَاز والظَّرِب، وبلغ الحارث ومَن معه مسيره، فخافوا وتفرِّق مَن معهم، وانتهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى المُرَيسيع ماء لبني خُزَاعة فضربَ عليه قُبَّته ومعه عائشة وأمُّ سلمة رضي الله عنهما فتأهَّبوا للقتال، وصفَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، ودفعَ راية المهاجرين إلى أبي بكر رضي الله عنه، وراية الأنصار إلى سعد بن عُبادة،
ج 18 ص 31
فتراموا بالنَّبل ساعة، ثمَّ أمرَ أصحابه، فحملوا حملةَ رجلٍ واحدٍ فما انفلتَ منهم إنسان، وقُتِل عشرة، وأُسِرَ بقيَّتهم، وسبى النِّساء والذُّرِّية والنَّعم والشَّاء، ولم يُقتل من المسلمين سوى رجلٌ واحدٌ على ما ذكره ابنُ إسحاق.
والذي في البخاريِّ عن ابنِ عمر رضي الله عنهما يدلُّ على أنَّه أغارَ عليهم على غفلةٍ منهم فأوقعَ بهم، ولفظه أغارَ على بني المُصْطلق وهم غارّون، وأنعامهم تُسقى على الماء، فقاتلَهم وسبى ذراريهم على الماء [خ¦2541] . قيل وفي هذه نزلت آية التَّيمم حين احتبسُوا عن طلبِ الماء، وفيها كانت قصَّة الإفك لعائشة رضي الله عنها، وقيل بل في غيرها، وغابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية وعشرين يومًا، وأصاب يومئذٍ رجل من الأنصار مسلمًا من بني كُلَيب، فقتلَه ظانًا أنَّه من العدو، وازدحَم في الواردة جَهْجاه بن سعيد الغفاري أجير لعمر يقودُ فرسه، وسنان الجُهني حليف الخزرج فاقتتلا فصرخَ جهجاه يا للمهاجرين، وسِنان يا للأنصار، فأعان جهجاهًا جُعَال من فقراء المهاجرين ولَطَم سِنانًا، فغضب عبدُ الله بن أُبي رئيس المنافقين لجُعال، وقال وأنت هناك؛ أي أنت بمثابة تَلْطم سنانًا.
وقال ما صحبنا محمدًا إلَّا لنلطم، والله ما مثلنا ومثلهم إلَّا كما قال الأوَّل سمِّن كلبك يأكلك، أما والله لئن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، عنى بالأعزِّ نفسَه، وبالأذلِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ أقبلَ على مَن حضرَ من قومه، وفيهم زيدُ بن أرقم، وهو غلامٌ حَدَث؛ أي شاب فقال ماذا فعلتُم بأنفسكُم، أحللتُموهم بلادكم، وقاسمتُموهم أموالكم، أَمَا والله لو أمسكتُم عن جُعَال وذويه فضل الطَّعام وما بأيديكُم لم يركبوا رقابكُم، ولأوشكوا أن يتحوَّلوا عنكم.
فلا تُنفقوا عليهم حتى
ج 18 ص 32
ينفضُّوا من حول محمد، فسمعَ بذلك زيدُ بن أرقم، فقال أنتَ والله الذَّليل القليل المُبغض في قومك، ومحمد في عزٍّ من الرَّحمن، وقوَّة من المسلمين.
فقال عبدُ الله اسكتْ فإنَّما كنت ألعب، فأخبر زيدٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر رضي الله عنه دعني أضربَ عنقَ المنافق يا رسول الله، فقال (( إذن ترعد أنف كثيرة [1] بيثرب ) )، قال فإن كرهت أن يقتله مهاجري فأمر به أنصاريًا. وفي رواية قال مُرْ به عبّاد بن بشر فليقتلْه، فقال (( كيف إذا تحدّث النَّاس أنَّ محمدًا يقتل أصحابه، لكن آذن في الرحيل ) )وذلك في ساعةٍ لم يكن ليرحل فيها، وجاء ابنُ أبي، فقال صلى الله عليه وسلم له (( أنت صاحبُ الكلام الذي بلغني؟ ) )قال والله الذي أنزلَ عليك الكتاب ما قلتُ شيئًا من ذلك، وإن زيدًا لكاذب، فاتَّخذ يمينه جُنَّة، كما قال تعالى {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [المجادلة 16] وكان في قومهِ شريفًا عظيمًا.
فقال مَن حضر من الأنصار يا رسول الله! شيخنا وكبيرنا لا تصدِّق عليه كلام غلامٍ عسى أن يكون قد وهمَ في حديثه، فرويَ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لزيد بن أرقم (( لعلَّك غضبتَ عليه ) )قال لا، قال (( فلعلَّه أخطأَ سمعك ) )، قال لا قال (( فلعلَّه شبِّه عليك ) )قال لا.
وجاء أُسيد بن حُضير فحيى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بتحيَّة النُّبوة، وقال يا نبيَّ الله! رحت في ساعة مُنكرة لم تكن تروح في مثلها، قال أما سمعتَ ما قال صاحبُكم؟ زعم أنَّه إذا رجع إلى المدينة أخرجَ الأعزُّ منها الأذلَّ، قال أنت تخرجه والله، هو الذَّليل وأنت العزيز. ثمَّ قال رفقْ به يا رسول الله، فوالله لقد جاءَ الله بك وإنَّ قومَه ليُنظّمون له الخرزَ ليتوِّجوه، فإنَّه ليرى أنك قد استلبتَه مُلكًا، ثمَّ مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 18 ص 33
بالنَّاس وسار بهم يومهم وليلتَهم، فأصبحوا سائرين حتى آذتهم الشَّمس، فهبَّت ريح شديدة وخافوها، فأخبرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّها لموت عظيم من الكفَّار، فوجدُوه رِفاعة بن زيد من عظماء يهود قَيْنُقاع، وكان كَهْفًا لأهل النِّفاق، ونزلت سورة المنافقين التي [ذُكِر] فيها عبد الله بن أُبي ومن على رأيهِ، فلحقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بزيدِ بن أرقم من خلفهِ ففرك أذنه، وقال (( وَفَتْ أذنُك يا غلام، إنَّ الله قد صدَّقك وكذَّب المنافقين ) ).
وفي رواية ثمَّ أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد بن أرقم، فقال (( هذا الذي أوفى الله بأذنه ) )، وبلغ ذلك عبد الله بن عبد الله بن أُبي، وكان اسمه حُبَاب، فغيَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال (( إنَّ حُبَابًا اسم شيطان ) )وكان مخلصًا، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله! بلغني أنك تريدُ قتل أبي فيما بلغك عنه؟ فإن كنتَ فاعلًا فمُرني أحمل رأسه إليك، فلقد عَلِمت الخزرج ما بها أبر بوالدهِ مني، إني أخشى أن تأمرَ غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتلهِ يمشي في النَّاس فأقتلُه، فأقتل مؤمنًا بكافرٍ فأدخل النار، فقال (( بل أترفَّق به، وأتحسَّن صحبته ما بقي معنا ) ).
فلمَّا أرادَ عبدُ الله أن يدخلَ المدينة وقفَ عبد الله لأبيه، وقال وراءك؛ أي ارجع القهقرى، والله لا تدخلها حتى تقول رسول الله الأعزّ وأنا الأذلُّ، فلم يزل حبيسًا في يدهِ حتى أمرهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخليتهِ.
ورُوي أنَّه قال له لئن لم تقرّ لله ولرسولهِ بالعزِّ لأضربنَّ عنقَك، فقال ويحكَ أفاعلٌ أنت؟ قال نعم، فلمَّا رأى منه الجدَّ، قال أشهدُ أنَّ العزَّة لله ولرسوله وللمؤمنين، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لابنه (( جزاكَ الله عن رسولهِ وعن المؤمنين خيرًا ) ). فلمَّا بان كذب عبد الله، قيل له قد نزلت فيك آي شدادٌ، فاذهبْ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفرْ لك، فلوّى رأسه، ثمَّ قال أمرتموني
ج 18 ص 34
أن أؤمن فآمنت، وأمرتموني أن أُزكِّي مالي فزكيت، فما بقي إلَّا أن أسجدَ لمحمد فنزلت {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا} [النساء 61] الآية، ولم يلبث إلَّا أيامًا قلائل حتى اشتكى ومات.
ورُوي أنَّه لما أُذِن له بالدُّخول في المدينة فدخلَ، فجعلَ بعد ذلك إذا أحدث أمرًا كان قومه [هم] الذين يُعاتبونه ويُعنِّفونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك من شأنهم قال لعمر رضي الله عنه (( أما والله لو قتلتُه يوم قُلتَ لي اقتله، لأُرعدت له أُنف ) )، فقال عمر رضي الله عنه لقد علمتُ أنَّه لَأَمر رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة.
وفي هذه الغزوة سُئل عن العزل فقال (( ما عليكم أن لا تفعلوا، ما من نَسَمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامة إلَّا وهي كائنة ) )، ثمَّ أمر بالأُسارى فَكُتِّفوا واستعمل عليهم بُرَيدة، وجُمعتِ الغنائم واستعملَ عليها شُقْوان مولاه، وجمع الذُّرِّية ناحية، وكان الإبل ألفين، والشَّاء خمسة آلاف، والسبي مائتين، وفي هذه الغزوة كان حديث الإفك.
وسيأتي تفصيله في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦4141] .
[1] في هامش الأصل قوله (( ترعد أنف كثيرة ) )عبارة عن الغضب؛ أي تموج فتنة منه.