فهرس الكتاب

الصفحة 6074 من 11127

4141 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن يحيى الأُويسي المدني، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) أي ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا، وَكُلُّهُمْ) أي قال الزُّهري وكلّهم؛ أي كلّ من هؤلاء (حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا، وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ، وَأَثْبَتَ لَهُ اقْتِصَاصًا) أي أحفظ وأحسن إيرادًا وسردًا للحديث، وهذا الذي فعله الزُّهري من جمع الحديث عنهم جائزٌ لا كراهة فيه؛ لأنَّ هؤلاء الأربعة أئمَّة حفَّاظ ثقاتٌ من عظماء التَّابعين، فالحجَّة قائمة بقول أيِّهم كان.

(وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمُ الْحَدِيثَ الَّذِي

ج 18 ص 36

حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ. قَالُوا قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، وَأَيَّتُهُنَّ [1] خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا) أرادت الغزوة المُصْطَلِقية (فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي) السَّهم في الأصل واحدُ السِّهام التي يُضربُ بها في المَيْسر وهي القِداح، ثمَّ سُمّي به ما يفوز به الفَالج سَهْمُه، ثمَّ كَثُر حتى سُمِّي كل نصيب سهمًا، والمراد من السَّهم هنا القِدح الذي يُقترعُ به.

(فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَكُنْتُ أُحْمَلُ) على البناء للمفعول (فِي هَوْدَجِي) الهَوْدَج مركبٌ من مراكب النِّساء؛ مقبَّب وغير مقبَّب (وَأُنْزَلُ فِيهِ) على البناء للمفعول أيضًا (فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ، ودَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي، فَلَمَسْتُ صَدْرِي، فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ) الجَزْع _ بفتح الجيم وسكون الزاي وبالعين المهملة _ خرز، وهو مضاف إلى ظَفَار _ بفتح الظاء المعجمة وتخفيف الفاء وبالراء مبنية على الكسر _ وهو اسمُ قريةٍ باليمن (قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ) أي طلبه (قَالَتْ وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ بِي) ويُروى (فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ عَلَيْهِ، وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَهْبُلْنَ) بضم الموحدة، من الهبل، وهو كثرة اللَّحم والشَّحم، ويُروى على البناء للمفعول، من الإهبال، ويُروى ؛ أي لم يَكُثر عليهنَّ، يقال هَبَّله اللَّحم إذا كَثُر عليه وركبَ بعضُه بعضًا.

(وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا يَأْكُلْنَ

ج 18 ص 37

الْعُلْقَةَ) بضم العين المهملة، وهي القليلُ من الأكل (مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدَجِ) وقد تقدَّم في كتاب الشهادة [خ¦2661] (( ولم يَسْتنكر القومُ ثِقَل الهودج ) )، والتَّوفيق بينهما أن الخفة والثقل من الأمور الإضافية فيتفاوتان بالنسبة (حِينَ رَفَعُوهُ وَحَمَلُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ فَسَارُوا، وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ) أي قصدت (مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي) ويُروى على الأصل (فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي) ويُروى (وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ) بفتح العين والطاء المهملتين، ابن رُبيعة بن خزاعيّ بن مُحَارب بن مُرَّة بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بُهْثَة بن سُلَيم (السُّلَمِيُّ) بالضم (ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ) يُكنى أبا عمرو، ويُقال إنَّه أسلم قبل المُرَيسيع، وشهد المُريسيع وما بعدها، قال أبو عمر كان يكون على ساقة النَّبي صلى الله عليه وسلم، وعن ابن إسحاق أنَّه قُتِل في غزوة أرمينية شهيدًا، وأميرهم يومئذٍ عثمان بن العاص سنة تسع عشرة في خلافة عمر رضي الله عنه، وقيل مات بالجزيرة في ناحية سُمَيْساط، ودُفِن هناك، وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم.

(مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَكَانَ رَآنِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ) أي بقوله إنَّا لله وإنا إليه راجعون (حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ) أي غطَّيت، من التَخمير _ بالخاء المعجمة _، وهو التَّغطية (وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَوَاللَّهِ مَا تَكَلَّمْنَا بِكَلِمَةٍ، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، وَهَوَى) أي أسرع، يُقال هَوَى يَهْوِي من باب ضَرَب يَضْرِب هَوِيًّا إذا أسرع في السَّير، وهَوِي يَهْوَى من باب عَلِم يَعْلَم إذا أحب، وهوى يهوي هُويًّا بالضم إذا صعد، وبالفتح إذا هبط، وفي رواية بالهمزة في أوله من أهوى إليه إذا مال

ج 18 ص 38

وأخذه.

(حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ) أي بركها (فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا) أي وطئ صفوان على يد الرَّاحلة ليسهل ركوبها، ولا يحتاج إلى مساعدتهِ (فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ مُوغِرِينَ) يجوز أن تكون صيغة تثنية وصيغة جمع نصب على الحال؛ أي داخلين في الوَغْرَة _ بالغين المعجمة _، يُقال أَوْغر الرجل؛ أي دخل في شدَّة الحرِّ، كما يُقال أظهرَ إذا دخلَ في وقت الظُّهر، ووَغِرَت الهاجرة وَغْرًا إذا اشتدّ في وقت توسُّط الشمس السَّماء، ووَغَر الصَّدر _ بتحريك الغين _ الغلّ والحرارة، ويُروى بالعين المهملة، من الوعر.

(فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ) أي في صدر الظُّهر (وَهُمْ نُزُولٌ) جملة حالية (قَالَتْ) ويُروى أي عائشة رضي الله عنها (فَهَلَكَ فِيَّ) بكسر الفاء وتشديد الياء (مَنْ هَلَكَ) أرادت ما قالوا فيها من الكذب والبهتان والافتراء التي هي سبب لهلاك القائلين؛ أي لخزيهم وسواد وجوههم عند الله وعند النَّاس.

(وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَ الإِفْكِ) بكسر الكاف وسكون الموحدة، ويجوز ضم الكاف، وقد قُرِئ بهما في التنزيل؛ أي معظمه؛ أي كان الذي باشر مُعظمه وأكبره عند الله (عَبْدُ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد الياء (ابْنُ سَلُولَ) بفتح السين المهملة وضم اللام الأولى، وهي امرأة من خُزاعة، وهي أمُّ أُبيّ بن مالك بن الحارث بن عبيد بن مالك بن سالم بن غنم بن الخزرج، وكان عبد الله هذا رأس المنافقين، وابنه عبد الله من فضلاء الصحابة وخيارهم.

(قَالَ عُرْوَةُ) هو ابنُ الزبير بن العوام رضي الله عنه، أحد الرواة المذكورين في أول الحديث، وهو متصل بالسند السابق [خ¦4141] (أُخْبِرْتُ) على البناء للمفعول، وهو مقول عروة (أَنَّهُ كَانَ يُشَاعُ وَيُتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ) أي أنَّ الإفك كان يُشاع عند عبد الله بن أُبيّ وكلُّ مَن يشاع، ويُتحدّث على البناء للمفعول، من باب تنازع العاملين في قوله «عنده» (فَيُقِرُّهُ) بضم الياء؛ أي فيُقرُّ عبد الله حديثَ الإفك

ج 18 ص 39

ولا يُنْكره ولا يَنْهى مَن يقول به (وَيَسْتَمِعُهُ وَيَسْتَوْشِيهِ) أي يستخرجه بالبحث والمسألة، ثمَّ يُفْشيه ولا يَدعه يَنْخمد. قال الجوهريُّ يستوشيهِ؛ أي يطلبُ ما عنده ليزيده.

(وَقَالَ عُرْوَةُ) ويُروى بزيادة لفظ «أيضًا» (لَمْ يُسَمَّ) على البناء للمفعول (مِنْ أَهْلِ الإِفْكِ أَيْضًا إِلَّا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَمِسْطَحُ) بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وبالحاء المهملة (ابْنُ أُثَاثَةَ) بضم الهمزة وتخفيف المثلثتين، ابن عبَّاد بن المطَّلب بن عبد مناف بن قصي القرشي المطَّلبي، يُكنى أبا عبّاد، وأمُّه سلمى بنتُ صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرَّة، وهي ابنةُ خالة أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، شهد بدرًا ثمَّ خاضَ في الإفك، فجلدَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن جلدَهُ، ويُقال مسطح لقب، واسمُه عوف، مات سنة أربع وثلاثين، وقيل شهد مِسْطح صفين، وتوفي سنة سبع وثلاثين.

(وَحَمْنَةُ) بفتح المهملة وسكون الميم وبالنون (بِنْتُ جَحْشٍ) بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة وبالمعجمة، ابن رباب الأسدية، من بني أسد بن خُزيمة أخت زينب بنت جَحْش، كانت عند مصعب بن عُمير فقُتِل عنها يوم أُحُد، فتزوَّجها طلحةُ بن عُبيد الله، وكانت جُلِدت مع مَن جُلد في الإفك (فِي أناسٍ) ويُروى (آخَرِينَ) أي حال كون المذكورين في جماعة آخرين في الإفك (لاَ عِلْمَ لِي بِهِمْ) أي قال عروة لا علمَ لي بهؤلاء بأساميهم (غَيْرَ أَنَّهُمْ عُصْبَةٌ) قال ابنُ فارس العُصبة العشرة، وقال الدَّاودي ما فوق العشرة إلى الأربعين، وقيل العُصبة الجماعة (كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) ويُروى حيث قال {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور 11] ؛ أي جماعة متعصبون منكم؛ أي من المسلمين.

(وَإِنَّ كُبْرَ ذَلِكَ) بضم الكاف وسكون الموحدة؛ أي وأن متولِّي معظم الإفك(يُقَالُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بنُ سَلُولَ. قَالَ عُرْوَةُ كَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا

ج 18 ص 40

تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ)على البناء للمفعول (عِنْدَهَا حَسَّانُ، وَتَقُولُ إِنَّهُ) أي تقول عائشة رضي الله عنها إنَّ حسانًا رضي الله عنه (الَّذِي قَالَ فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ) أراد بأبيه ثابتًا، وأراد بوالدِهِ منذر بن حَرام؛ لأنَّ حسّان هو ابنُ ثابت بن منذر بن حَرام بن عَمرو بن زيد مَنَاة بن عديّ بن [عمرو بن] مالك بن النَّجَّار الأنصاريّ، وحَرام ضدُّ الحلال، وعاش كلُّ واحدٍ من حسان وأبيه وجدِّه وجد أبيه مائة وعشرين سنة، وهذا من الغرائب، والعِرض _ بالكسر _ هو موضعُ المدح والذَّمِّ من الإنسان سواء كان في نفسه، أو في سَلَفه، أو مَن يلزمه أمره. وقيل هو جانبُه الذي يصونُه من نفسه وحسبه ويحامي عنه أن يُنتقصَ ويُثْلب، والوِقاء بكسر الواو، قال الجوهريُّ الوِقاء ما وَقَيْتُ به شيئًا.

(قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ) أي مرضت (حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ) بضم الياء؛ أي يخوضون (فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ، لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهْوَ يَرِيبُنِي) بفتح الياء وضمها، يقال رابه وأرابه إذا أوهمه وشكَّكه (فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللُّطْفَ) بضم اللام وسكون الطاء وبفتحهما جميعًا البِرّ والرفق (الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ) بتشديد الياء (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَلِّمُ) ويُروى (ثُمَّ يَقُولُ كَيْفَ تِيكُمْ) أي أن تا، وته، وتي، اسم يُشارُ به إلى المؤنَّث، فإن خاطبت جئتَ بالكاف، فقلتَ تيك، وتيكما، وتيكم، وقيل الكاف لمن تُشيرُ إليه في التَّذكير والتَّأنيث والتثنية والجمع.

(ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَلِكَ يَرِيبُنِي وَلاَ أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ حِينَ نَقَهْتُ) بفتح القاف وكسرها؛ أي حين أفقت من المرض، يُقال نَقِه نَقْهًا ونَقُوهًا إذا صحَّ عقيب علَّته، وأنقَهَه الله فهو ناقِه (فَخَرَجْتُ مَعَ أُمِّ مِسْطَحٍ) ويُروى (قِبَلَ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي جانب

ج 18 ص 41

(الْمَنَاصِعِ) بالنون والمهملتين، على وزن المساجد، مواضع خارج المدينة كانوا يتبرزون فيها، قاله الأزهري. وقال ابن الأثير هي المواضعُ التي يُتخلَّى فيها لقضاء الحاجة، واحدها مَنْصَع؛ لأنَّه يُبْرَز إليها ويُظهرُ، من نَصَعَ الشَّيء يَنْصَعُ إذا وَضَح وبان.

(وَكَانَ مُتَبَرَّزَنَا) بتشديد الراء المفتوحة بعدها زاي مفتوحة، وهو موضعُ البِراز (وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلاَّ لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ) بضمتين جمع كنيف، وهو كلُّ ما سُتِر من بناء أو حظيرةٍ (قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، قَالَتْ وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الأُوَلِ) بضم الهمزة وفتح الواو المخففة، ويُروى بفتح الهمزة وتشديد الواو (فِي الْبَرِّيَّةِ قِبَلَ الْغَائِطِ، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، قَالَتْ فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ، وَهْيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ) بضم الراء وسكون الهاء، واسمه أُنَيس _ بضم الهمزة وفتح النون _ بن المطلب بن عبد مناة، ذكره الزُّبير، وضبطَه ابنُ ماكولا هكذا، ويقال اسمه صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرَّة، وقد ضبطه المصنف هكذا (ابْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ) بضم الهمزة وتخفيف المثلثتين (ابْنِ عَبَّاد) بفتح المهملة وتشديد الموحدة (ابْنِ الْمُطَّلِبِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي جانب (بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا) المِرْط _ بالكسر _ كساءٌ من صوفٍ أو خزٍّ كان يؤتزرُ به، قال الشاعر

~تَسَاهَمَ ثَوْبَاهَا فَفِي الدِّرْعِ رَأْدَةٌ وَفِي المِرْطِ لَفَّاوَانِ رِدْفُهُمَا عَبْلُ

(فَقَالَتْ تَعِسَ) بكسر العين، قاله الجوهري، وبفتحها، قاله القاضي، كذا قال العيني، وقيل بالعكس وهو الصَّواب؛ لأنَّه قال الجوهري وقد تعَس _ بالفتح _ يَتْعَس تَعْسًا وأَتْعَسه الله.

(مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟ فَقَالَتْ أَيْ هَنْتَاهْ) يعني يا هَنْتَاه _ بفتح الهاء وسكون النون وفتحها، وأمَّا الهاء الأخيرة فتضم وتسكن _، وهذه اللَّفظة تختصُّ بالنِّداء، ومعناه يا هذه، وقيل يا بَلْهاء، كأنَّها نُسبتْ إلى قلَّة المعرفة

ج 18 ص 42

بمكائدِ النَّاس وشرورهم.

(وَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قَالَتْ وَقُلْتُ مَا قَالَ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ، قَالَتْ فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ كَيْفَ تِيكُمْ؟ فَقُلْتُ لَهُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قَالَتْ وَأُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، قَالَتْ فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ لأُمِّي يَا أُمَّتَاهُ! مَاذَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قَالَت) ويُروى (يَا بُنَيَّةُ، هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةً) أي حسنة جميلةً، من الوَضاءة، وهي الحُسْن (عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، لَهَا ضَرَائِرُ، إِلَّا كَثَّرْنَ) بتشديد المثلثة، ويُروى من الإكثار؛ أي كثَّرْنَ القولَ الرَّديء (عَلَيْهَا. قَالَتْ فَقُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ، أَوَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ) بالقاف والهمزة؛ أي لا ينقطعُ (لِي دَمْعٌ) يُقال رَقأَ الدَّمع والدَّم، والعِرْق يَرْقأ رُقُوءًا _ بالضم _ إذا سكنَ وانقطع (وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي، قَالَتْ وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ) ويُروى (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْأَلُهُمَا وَيَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ أُسَامَةُ أَهْلَكَ) قال الكرماني بالرفع والنصب انتهى، أمَّا الرفع فعلى أنَّه مبتدأ خبره محذوف، والتَّقدير نحو أهلُك ما بها شيء، وأمَّا النصب فعلى تقدير الزم أهلَك.

(وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا. وَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ) قول عليّ رضي الله عنه هذا لم يكن عداوةً ولا بغضًا، ولكن لما رأى انزعاجَ النَّبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر وتعلُّقه به أرادَ إراحة خاطرهِ وتسهيلَ الأمر عليه.

ج 18 ص 43

(وَسَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. قَالَتْ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ) بفتح الموحدة وكسر الراء الأولى، وهي مولاةُ عائشة رضي الله عنها (فَقَالَ أَيْ بَرِيرَةُ) أي يا بريرة (هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟ قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ) جملة وقعت صفة لقوله «أمرًا» ، ومعناه أعيبها به وأستقذرُه وأطعنُ به عليها، ومادته غين معجمة وصاد مهملة.

(أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ) بكسر الجيم، وهي الشَّاة التي تُقتنى في البيت وتُعلَف، وقد يُطلق على غير الشَّاة أيضًا من كلِّ ما يَألف البيوت من الطَّير وغيرها (فَتَأْكُلُهُ، قَالَتْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَوْمِهِ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابن سَلُولٍ) أي قال مَن يعذرني فيمن آذاني في أهلي، ومعنى مَن يعذرني مَن يقوم بعذري إن كافأتُه على قُبح فعاله، وقيل معناه مَن ينصرني، والعذير النّاصر.

(وَهْوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ أَذَاهُ فِي أَهْلِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي. فَقَامَ سَعْدٌ) أي ابن معاذ الأشهلي الأوسي. قال القاضي عياض هذا مشكل؛ لأنَّ هذه القصَّة كانت في غزوة المُريسيع للمُصْطلقيَّة سنة ستٍّ، وسعد رضي الله عنه مات في أثر غزوةِ الخندق من الرَّمية التي أصابتْه، وذلك سنة أربعٍ، فقال بعضُهم ذِكْرُ سعد فيه وهمٌ، بل المتكلم أولًا وآخرًا أُسيد بن حُضير _ بالتصغير فيهما _ كما في «مغازي» ابن إسحاق.

وأُجيب أنَّ المُريسيع كانت سنة خمس، وكانت الخندق وقُريظة بعدها، ذكرهُ الواقديُّ وغيره.

وذكر ابنُ مَنده أنَّ سعدًا مات بالمدينة سنة خمسٍ، وغزوة المُريسيع كانت في شعبان سنة خمس، فكأن سعدًا مات بعد شعبان من هذه السنة.

وقال البيهقيُّ يشبه أنَّ سعدًا لم ينفجر جرحه إلَّا بعد المُريسيع.

ج 18 ص 44

وقال الكرماني إنَّه على ما روى البخاري عن موسى بن عُقبة في غزوة الخندق أنها سنةَ أربع. وفي المُصطلقيَّة أنها سنة أربع الإشكال مندفعٌ.

(أَخُو بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَعْذِرُكَ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ، أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ. قَالَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بِنْتَ عَمِّهِ مِنْ فَخِذِهِ) أم حسّان اسمُها فُريعة _ بالفاء والراء والمهملة _، فإن قيل عُلِم من لفظ «بنت عمِّه» أنَّها من عشيرته، فما الفائدة في ذكر «مِن فَخِذه» ؟

فالجواب أنها بيان أنَّها ليست بنت عمِّه الحقيقي، بل هي من جملةِ أقاربه، وذلك أن فُرَيعة هي بنت خالد بن خُنَيس _ مصغر الخنس بالمعجمة والنون والمهملة _ ابن لَوْذان _ بفتح اللام وبالمعجمة _ ابن عبد ود بن زيد بن ثعلبة الخزرجي السَّاعدي.

(وَهْوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) بضم المهملة وتخفيف الموحدة، ابن دُلَيم _ مصغر الدَّلم بالمهملة _، ابن حارثة _ بالمهملة والمثلثة _ ابن أبي حَليمة بن ثعلبة السَّاعدي (وَهْوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، قَالَتْ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا) أي كاملًا، قالوا وفيه إشارة إلى أنَّ المعصية، تنقلُ الرجل من اسم الصلاح (وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ) أي العصبية، وحملته على مقتضى الجهل (فَقَالَ لِسَعْدٍ كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ رَهْطِكَ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ يُقْتَلَ. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَهْوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدٍ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ) أي تفعل فعل المنافقين، ولم يرد النفاق الحقيقي (تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ. قَالَتْ فَثَارَ الْحَيَّانِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَتْ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ، حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، قَالَتْ فَبَكَيْتُ) ويُروى(يَوْمِي ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، قَالَتْ وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، وَقَدْ بَكَيْتُ

ج 18 ص 45

لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا، لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، حَتَّى إِنِّي لَأظُنُّ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، فَبَيْنَا أَبَوَايَ جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، قَالَتْ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ، قَالَتْ فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ، يَا عَائِشَةُ، إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ [2] )أي فعلت ذنبًا (فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قَالَتْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي) أي ارتفع فانقطع لاستعظامِ ما بعثني من الكلام (حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لأَبِي أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِّي فِيمَا قَالَ، فَقَالَ أَبِي وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ لأُمِّي أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَالَ، قَالَتْ أُمِّي وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ، وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ كَثِيرًا إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي) ويُروى (فَوَاللَّهِ لَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ حِينَ قَالَ {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف 18] ثُمَّ تَحَوَّلْتُ وَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي حِينَئِذٍ بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي) بلفظ الفاعل من التبرئة (بِبَرَاءَتِي) الباء للسببية؛

ج 18 ص 46

أي تحولت مقدرًا أنَّ الله مبرِّئي عند النَّاس بسبب أني بريئة في نفس الأمر، فهو جملة حاليَّة مقدرة، وفي بعضِ الأصول بلفظ الفاعل من الإبراء (وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، لَشَأْنِي فِي نَفْسِي) اللام في لَشأني مفتوحة ابتداء (كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا، فَوَاللَّهِ مَا رَامَ) أي ما فارق (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسَهُ، وَلاَ خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ) بضم الموحدة وفتح الراء وبالمهملة وبالمد، الشِّدة، وبُرحاء الحمى وغيرها شدَّة الأذى.

(حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ) التَّحدر الانصباب (مِنْهُ مِنَ الْعَرَقِ مِثْلُ الْجُمَانِ) بضم الجيم وتخفيف الميم، هو اللُّؤلؤ الصِّغار، وقيل حبٌّ يُتَّخذ من الفضَّة أمثال اللُّؤلؤ. شبَّهت قطرات عرقهِ بحبَّات اللُّؤلؤ (وَهْوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، قَالَتْ فَسُرِّيَ) أي كُشف وأُزيل (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْوَ يَضْحَكُ، فَكَانَتْ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ يَا عَائِشَةُ، أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ، قَالَتْ فَقَالَتْ لِي أُمِّي قُومِي إِلَيْهِ، فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ) قالت ذلك إدلالًا عليهم ومعاتبة لكونها شكوا في حالها مع علمهم بحسن طريقتها، وجميل سيرتها.

(فَإِنِّي لَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ، قَالَتْ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُم} [النور 11] الْعَشْرَ الآيَاتِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا، بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ والسَّعَة} إِلَى قَوْلِهِ {غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور 22] ) وقد سبقَ تفسير هذه الآيات

ج 18 ص 47

في كتاب الشهادات، في باب تعديل النساء بعضهنّ بعضًا [خ¦2661] .

(قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ لِزَيْنَبَ مَاذَا عَلِمْتِ، أَوْ رَأَيْتِ؟ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي) أي أحفظُ سمعِي وبصري من المأتم، فلا أقول سمعتُ فيما لم أسمع، ولا أبصرتُ فيما لم أبصر.

(وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَهِي الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي) أي تُفَاخرني وتُضَاهيني بجمالها ومكانها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي مفاعلةٌ من السُّمو (مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ. قَالَتْ وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ) أي تتعصب (لَهَا) فتحكي ما يقوله أهلُ الإفك، وفي بعض النسخ بالزاي (فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) أي الزُّهري (فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنِي مِنْ حَدِيثِ هَؤُلاَءِ الرَّهْطِ. ثُمَّ قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ ما قِيلَ لَيَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَشَفْتُ مِنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ) ويُروى بفتح الكاف والنون، الثَّوب الذي يسترها، وهو كنايةٌ عن عدم الجماع. ورُوي أنَّ صفوان كان حصورًا، وأنَّ معه مثل هدبة الثَّوب (قَالَتْ ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) واعلم أنَّ براءة عائشة رضي الله عنها براءة قطعيَّة بنصِّ القرآن، ولو تشككَّ فيها أحدٌ صار كافرًا.

وقد مضى الحديث في كتاب الشهادات، وقد مرَّ الكلام فيه مستوفى هناك [خ¦2661] .

[1] في هامش الأصل في نسخة فأيتهن.

[2] في هامش الأصل ألممت بذنب أي باشرت به مباشرة قليلة فإن القلة مأخوذة من مفهوم لَمَّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت