فهرس الكتاب

الصفحة 6084 من 11127

4150 - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ) هو ابنُ يونس بن أبي إسحاق عَمرو بن عبد الله السَّبيعي (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) جدِّه (عَنِ الْبَرَاءِ) أي ابن عازب رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ تَعُدُّونَ أَنْتُمُ الْفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ) أي ما في قوله تعالى {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح 1] (وَقَدْ كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحًا، وَنَحْنُ نَعُدُّ الْفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ) يعني أنَّ بيعة الرِّضوان كانت هي الفتح العظيم؛ لأنَّها كانت مقدمة لفتح مكة،

ج 18 ص 58

وسببًا لرضوان الله تعالى.

وذكر ابنُ إسحاق عن الزُّهري قال لم يكن في الإسلام فتحٌ قبل فتح الحُديبية أعظم منه.

وقال الحافظُ العسقلاني وهذا موضعٌ وقع فيه اختلافٌ قديم، والتَّحقيق أنَّه يختلفُ ذلك باختلاف المراد من الآيات، فقوله تعالى {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} المراد بالفتح هنا الحُديبية؛ لأنَّها كانت مبدأ الفتح المبين على المسلمين لما ترتَّب على الصلح الذي وقع به الأمن ورَفْع الحرب، وتمكّن مَن كان يخشى الدخول في الإسلام والوصول إلى المدينة، كما وقع لخالد بن الوليد وعَمرو بن العاص وغيرهما، ثمَّ تَبِعَت الأسباب بعضها بعضًا إلى أن كملَ الفتح، فلمَّا أَمِن النَّاس كَلَّم بعضُهم بعضًا، وتفاوضوا في الحديث، ولم يكلّم أحد في الإسلام يعقل شيئًا إلا بادر إلى الدُّخول فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل مَن كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر.

قال ابنُ هشام ويدلُّ عليه أنَّه صلى الله عليه وسلم خرج في الحُديبية في ألف وأربعمائة، ثمَّ خرج بعد سنتين إلى فتح مكة في عشرة آلاف، انتهى.

وهذه الآية نزلت منصرفه صلى الله عليه وسلم من الحديبية، كما في هذا الباب من حديث عمر رضي الله عنه [خ¦4177] . وأمَّا قوله تعالى في هذه السورة {وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح 18] فالمرادُ به فتح خيبر على الصَّحيح؛ لأنَّها هي التي وقعت فيها المغانم الكثيرة للمسلمين.

وقد روى أحمدُ وأبو داود والحاكم من حديث مُجَمِّع بن حارثة [1] ، قال شهدنَا الحُديبية، فلمَّا انصرفنَا وجدنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم واقفًا عند كُرَاع الغَميم وقد جمع النَّاس وقرأ عليهم {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح 1] الآية فقال رجل يا رسول الله! أو فتح هو؟ قال (( إي والذي نفسي بيده، إنَّه لفتح ) )، ثمَّ قُسِمت خيبر على أهل الحديبية.

وروى سعيدُ بن منصور بإسناد صحيحٍ عن الشَّعبي في قوله تعالى {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} قال صلح الحديبية، وغفر له ما تقدَّم وما تأخَّر، وتبايعوا بيعة الرِّضوان، وأطعموا نخيل خيبر، وظهرت الروم على فارس، وفرح المسلمون بنصر الله.

وأمَّا قوله

ج 18 ص 59

تعالى {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر 1] وقوله صلى الله عليه وسلم (( لا هجرة بعد الفتح ) )فالمراد به بعد فتح مكَّة باتِّفاق، فبهذا يرتفعُ الإشكال، وتجتمع الأقوال بعون الله تعالى.

(كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً) كان القياس أن يُقال ألفًا وأربعمائة لكن الغرض منه الإشعار بأنَّ الجيش كان منقسمًا إلى المئات، وكانت كلُّ مائة ممتازة عن الأخرى.

ثمَّ إنَّ في رواية زهير عن البراء أنَّهم كانوا ألفًا وأربعمائة أو أكثر [خ¦4151] . ووقع في حديث جابر رضي الله عنه من طريق سالم بن أبي الجَعْد، عنه أنهم كانوا خمس عشرة مائة.

ومن طريق عَمرو بن دينار عن جابر رضي الله عنه كانوا ألفًا وأربعمائة، ومن طريق عبد الله بن أبي أوفى كانوا ألفًا وثلاثمائة، ووقع عند ابن أبي شَيبة من حديث مُجَمِّع بن جارية «كانوا ألفًا وخمسمائة» . والجمع بين هذه الرِّوايات أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمَن قال ألفًا وخمسمائة جبر الكسر، ومَن قال ألفًا وأربعمائة، ألغاه. ويؤيِّده قوله في الرِّواية الثانية من حديث البراء «ألفًا وأربعمائة أو أكثر» ، واعتمدَ على هذا الجمع النَّووي.

وأمَّا البيهقي فمالَ إلى التَّرجيح وقال إنَّ رواية مَن قال «ألف وأربعمائة» أصح، ثمَّ ساقه من طريق أبي الزبير، ومن طريق أبي سفيان كلاهما عن جابر رضي الله عنه كذلك. ومن رواية معقل بن يسار وسلمة بن الأكوع والبراء بن عازب. ومن طريق قتادة عن سعيد بن المسيَّب عن أبيه، ومعظمُ هذه الطُّرق عند مسلم.

وقال الحاكمُ والقلبُ أميلُ إلى رواية مَن روى ألفًا وخمسمائة لاشتهاره ولمتابعة المسيَّب بن حَزْن له فيه. ووقع عند ابنِ سعد في حديث مَعقل بن يسار «زهاء ألف وأربعمائة» ، وهو ظاهرٌ في عدم التَّحديد.

وأمَّا قول عبد الله بن أبي أوفى «ألفًا وثلاثمائة» ، فيمكن حمله على ما اطَّلع هو عليه، واطَّلع غيره على الزِّيادة التي لم يطَّلع هو عليها، والزِّيادة من الثِّقة مقبولة، أو العدد الذي ذكره جملة من ابتداء الخروج من المدينة،

ج 18 ص 60

والزَّائد تلاحقوا بهم بعد ذلك، أو العدد الذي ذكره هو عدد المقاتلة، والزِّيادة من الاتباع من الخدمِ والنِّساء والصِّبيان الذين لم يبلغوا الحلم.

وقال الحاكمُ وروى موسى بن عقبة (( كانوا ألفًا وستمائة ) )ولم يُتابع عليها.

وقال العيني وكذا قاله أبو مَعْشَر وأبو سعد النَّيسابوري، وفي حديث سلمة بن الأكوع عند ابن أبي شيبة «ألفًا وسبعمائة» ، وحكى ابن سعد أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة وخمسة وعشرين، ورُوي هذا عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند ابن مَرْدويه.

وزعم ابنُ دِحية أنَّ سبب الاختلاف في عددهم أنَّ الذي ذكر عددَهُم لم يقصد التَّحديد، وإنَّما ذكره بالحَدْس والتَّخمين، ويخدشه رواية ابن سعد أنَّهم كانوا ألفًا وخمسمائة وخمسة وعشرين، فليتأمل.

وأمَّا قول ابن إسحاق إنهم كانوا سبعمائة فلم يوافق عليه؛ لأنَّه قاله استنباطًا من قول جابر رضي الله عنه «نحرنا البدنة عن عشرة» ، وكانوا نحروا سبعين بدنة.

وهذا لا يدلُّ على أنهم لم ينحروا غير البُدْن مع أنَّ بعضهم لم يكن أحرم أصلًا، وأمَّا ما في حديث المِسْور ومروان أنهم خرجوا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم بضع عشرة مائة، فيُجمع أيضًا بأن الذين بايعوا كانوا كما تقدَّم، وما زاد على ذلك كانوا غائبين عنها كمن توجَّه مع عثمان رضي الله عنه إلى مكة على أنَّ لفظ «البِضْع» يصدقُ على الخمس والأربع فلا تخالفَ، والله تعالى أعلم.

(وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ) أي اسم بئرٍ إشارة إلى أنَّ المكان المعروف بالحديبية سُمِّي ببئرٍ كانت هنالك هذا اسمها، ثمَّ عُرِف المكان كله بذلك (فَنَزَحْنَاهَا) كذا في رواية الأكثر، وفي شرح ابن التِّين بلفظ بالفاء بدل الحاء المهملة، والنَّزف والنَّزح بمعنى واحد، وهو أخذُ الماء شيئًا فشيئًا إلى أن لا يبقى منه شيء (فَلَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً) وفي رواية (فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهَا، فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِهَا، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ) وفي رواية

ج 18 ص 61

زهير (( ثمَّ قال ائتوني بدلو من مائها ) )، ويُروى (( ثمَّ أُتي بإناء من ماء ) ).

(فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَدَعَا ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا، فَتَرَكْنَاهَا غَيْرَ بَعِيدٍ) أراد أنهم تركوها قدر ساعة، كما يدلُّ عليه رواية زهير (( فبصق فدعا، ثمَّ قال دعوها ساعة ) ) (ثُمَّ إِنَّهَا أَصْدَرَتْنَا) أي رَجَعَتنا يُقال أصدرته فصدر؛ أي رجعته فرجع (مَا شِئْنَا نَحْنُ) أي القدر الذي أردنا شربه (وَرِكَابَنَا) يعني أنهم رجعوا عنها وقد رووا، وفي رواية زهير (( فأرووا أنفسَهم وركابَهم ) )والرِّكاب _ بكسر الراء _ الإبل التي يُسار عليها.

ومطابقة الحديث للترجمة في قوله «يوم الحديبية» .

[1] كذا في الفتح، والصواب جارية كما في مسند أحمد وسسن أبي داود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت