فهرس الكتاب

الصفحة 6121 من 11127

4194 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) قال (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) بالحاء المهملة، هو ابنُ إسماعيل (عَنْ يَزِيدَ) من الزيادة (ابْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) هو مولى سلمة بن الأكوع، أنَّه قال (سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ يَقُولُ خَرَجْتُ قَبْلَ أَنْ يُؤَذَّنَ بِالأُولَى) يعني صلاة الصبح، ويدلُّ عليه قوله في رواية مسلم (( أنه تبعهم من الغَلَسِ إلى غروب الشمس ) )، وفي رواية مكِّي (( خرجتُ من المدينة ذاهبًا نحو الغابة ) ) (وَكَانَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْعَى بِذِي قَرَدٍ) وقد تقدَّم أنَّه كان فيهم ابن أبي ذرٍّ وامرأته، فأغارَ المشركون عليهم فقتلوا الرجل وأسروا المرأة [خ¦4194 قبل] .

(قَالَ فَلَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على اسمه، ويُحتمل أن يكون هو رباحٌ مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في رواية مسلم، وكأنَّه كان ملك أحدهما، وكان يخدمُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فنسبَ تارةً إليه وتارةً إلى عبد الرحمن بن عوف (فَقَالَ أُخِذَتْ) على البناء للمفعول (لِقَاحُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ غَطَفَانُ) بفتح المعجمة والطاء المهملة وبالفاء، تقدَّم بيان

ج 18 ص 103

نسبتهم في غزوة ذات الرِّقاع [خ¦4125 قبل] . وفي رواية مكِّي بن إبراهيم (( غَطَفَان وفَزَارة ) )وهو من عطفِ الخاص على العام؛ لأنَّ فَزَارة من غَطَفان. وعند مسلم (( قدمنَا الحُديبية ثمَّ قدمنا المدينة، فبعثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهرهِ مع رباح غلامه وأنا معه، وخرجت بفرسٍ لطلحةَ أُنَدِّيه، فلمَّا أصبحنا إذا عبدُ الرَّحمن الفَزَاري ) ).

ولأحمد وابنِ سعد من هذا الوجه عبد الرَّحمن بن عُيينة بن حصن الفَزَاري، قد أغارَ على ظهر رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فاستاقَه أجمع وقتلَ راعيه، قال فقلت يا رباح، خُذ هذا الفرس فأبلغه طلحةَ، وأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر.

وللطَّبراني من وجه آخر عن سلمة (( خرجتُ بقوسِي ونَبْلي، وكنتُ أرمي الصَّيد، فإذا عيينة بن حصن قد أغارَ على لِقاح رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فاستاقها ) )، ولا منافاة فإن كلاًّ من عيينة وعبد الرحمن كان في القومِ، وذكر موسى بن عقبة وابن إسحاق أنَّ مَسْعدة الفَزَاري كان أيضًا رئيسًا في فَزَارة في هذه الغزاة.

(قَالَ فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ) في رواية المستملي بزيادة الباء الموحدة وهي للاستغاثة (يَا صَبَاحَاهْ) هي كلمةٌ تُقال عند الغارة (قَالَ فَأَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ) اللَّابتان الحرَّتان، تثنية لابة، والحَرَّة _ بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء _ أرضٌ بظاهر المدينة، فيها حجارة سود كثيرة، وفيه إشعار بأنَّه كان واسع الصوت جدًا.

ويُحتمل أن يكون ذلك وقع من خوارق العادات، ولمسلم (( فعلوت أَكَمةً فاستقبلتُ المدينة فناديتُ ثلاثًا ) )، وللطَّبراني (( فصعدتُ في سَلَع ثمَّ صحتُ يا صباحاه، فانتهى صياحِي إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فنودي في النَّاس الفَزَع الفَزَع ) )، وهو عندَ ابن إسحاق بمعناه.

(ثُمَّ انْدَفَعْتُ عَلَى وَجْهِي) يعني لم ألتفت يمينًا ولا شمالًا، بل أسرعتُ الجري، وكان شديدَ الجري والعدو، كما سيأتي [في آخر الحديث] (حَتَّى أَدْرَكْتُهُمْ) وفي رواية مكي (( حتى ألقاهم ) )وذكر هذه

ج 18 ص 104

الصِّيغة للمبالغة في استحضارِ الحال الماضية.

(وَقَدْ أَخَذُوا يَسْتَقُونَ مِنَ الْمَاءِ، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ) ويُروى ؛ أي فأقبلتُ عليهم أرميهم (بِنَبْلِي) النَّبل السِّهام العربية (وَكُنْتُ رَامِيًا، وَأَقُولُ أَنَا ابْنُ الأَكْوَعْ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ) بضم الراء وتشديد الضاد المعجمة، جمع الرَّاضع، وهو اللّئيم، فمعناه؛ أي اليوم يوم هلاك اللِّئام، والأصل فيه أنَّ شخصًا كان شديد البخل، فكان إذا أراد حلبَ ناقته ارتضعَ من ثديها ولا يحلبها لئلا يسمعَ صوت الحلبة جيرانُه، أو من يمرُّ به فيطلبوا منه اللَّبن، وقيل بل صنع ذلك لئلا يتبدَّد من اللبن شيءٌ إذا حلب في الإناء، أو يبقى في الإناء شيءٌ إذا شرب منه، فقالوا في المثل ألأمُ من راضع. وقيل بل معنى المثل ارتضع اللُّؤم من بطن أمِّه. وقيل كلُّ من يوصف باللُّؤم يوصف بالمصِّ والرَّضاع. وقيل بل المراد من يمصُّ طرف الخلال إذا خلل أسنانه، وهو دالٌّ على شدَّة الحرص، وقيل هو الرَّاعي الذي لا يستصحبُ مِحْلبًا، فإذا جاء الضَّيف اعتذرَ بأنَّه لا مِحْلبَ عنده، وإذا أرادَ أن يشربَ ارتضعَ ثديها. وقال أبو عمر الشَّيباني هو الذي يرتضعُ الشَّاة أو النَّاقة عند إرادةِ الحلب من شدَّة الشره، وقيل أصله الشَّاة ترضعُ لبن شاتين من شدَّة الجوع. وقيل معناه اليوم يُعرف من ارتضعَ كريمةً فأنجبتْه، أو لئيمةً فهجنته، وقيل معناه اليوم يُعرف من أرضعتْه الحرب من صغره وتدرَّب بها من غيره.

وقال الداودي معناه هذا يومٌ شديد عليكم تُفارق فيه المرضعةُ من أرضعته، فلا تجد من تُرضعه.

قال السُّهيلي قوله «اليوم يومُ الرُّضع» ، يجوز الرفع فيهما، ونصب الأول ورفع الثاني على جعلِ الأوَّل ظرفًا، قال وهو جائزٌ إذا كان الظَّرف واسعًا ولا يُضَيِّق على الثاني. قال وقال أهل اللُّغة يُقال في اللُّؤم رَضَع _ بالفتح _ رَضَاعة، لا غير، ورَضِع الصَّبي _ بالكسر _ ثدي أمِّه يَرْضَع _ بالفتح _

ج 18 ص 105

رَضَاعًا مثل سَمعَ يَسْمَع سماعًا، وعند مسلم في هذا الموضع «فأقبلتُ أرميهم بالنَّبل وأرتجزُ» ، وفيه «فألحقُ رجلًا منهم فأصكُّه بسهمٍ في رجلهِ فخلصَ السَّهم إلى كعبه، فما زلتُ أرميهم وأعقرُ بهم، فإذا رجعَ إليّ فارسٌ منهم أتيتُ شجرة، فجلستُ في أصلها، ثمَّ رميتُه فعقرتُ به، فإذا تضايقَ الجبلُ فدخلوا في تضايقِهِ علوتُ الجبلَ فرميتُهُم بالحجارة» .

وعند ابنِ إسحاق وكان سلمةُ مثلَ الأسد، فإذا حملت عليه الخيل فرَّ ثمَّ عارضهم فنضحَها عنه بالنَّبل.

(وَأَرْتَجِزُ، حَتَّى اسْتَنْقَذْتُ اللِّقَاحَ مِنْهُمْ، وَاسْتَلَبْتُ مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً) وفي رواية مسلم فما زلتُ كذلك حتى ما خلقَ الله من ظهرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم من بعيرٍ إلا خَلّفته وراءَ ظهرِي، ثمَّ اتبعتُهم أرميهِم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بُردةً، وثلاثين رمحًا يتخفَّفون بها، قال فأتاهُم رجل فجلسوا يتغدَّون وجلستُ على رأس قَرْنٍ، فقال من هذا؟ قالوا لقينا من هذا البَرْح، قال فليقمْ إليه منكم أربعة، فتوجَّهوا إليّ فتهدَّدتهم فرجعوا، قال فما برحتُ مكاني حتى رأيتُ فوارسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أوَّلهم الأخرمُ الأسدي، فقلت له احذرهُم، فالتقى هو وعبد الرَّحمن، بن عُيينة فقتله عبد الرَّحمن، وتحوَّل على فرسه، فلحقَه أبو قتادة فقتل عبد الرَّحمن، قال واتبعتُهم على رجلي حتى ما أرى أحدًا، فعدلوا قبل غروب الشَّمس إلى شعبٍ فيه ماء، يُقال له ذو قَرَد، فشربوا منه وهم عطاش، قال فَجَلاهم عنه يعني طردهم، وتركوا فرسين على ثنيَّة، فجئتُ بهما أسوقُهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وذكر ابنُ إسحاق نحو هذه القصَّة، وقال إنَّ الأخرم لقب، واسمه مُحْرز بن نَضْلة، لكن وقع عنده حبيب بن عُيينة بن حصن بدل عبد الرَّحمن، فيحتمل أن يكون كان له اسمان.

(قَالَ وَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ) وفي نسخة وفي رواية مسلم «وأتاني عمِّي عامر بن الأكوع بسَطيحةٍ فيها ماء، وسَطيحةٍ فيها

ج 18 ص 106

لبنٌ فتوضَّأت وشربتُ، ثمَّ أتيتُ النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الذي أجليتُهم عنه، فإذا هو قد أخذ كلَّ شيءٍ استنقذتُه منهم، ونحر له بلال ناقةً».

(فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ حَمَيْتُ الْقَوْمَ الْمَاءَ) أي منعتهم من الشُّرب (وَهُمْ عِطَاشٌ، فَابْعَثْ إِلَيْهِمُ السَّاعَةَ) وفي رواية مسلم (( فقلتُ يا رسول الله، خلِّني أنتخبُ من القوم مائة رجلٍ فأتبعهم فلا يبقى منهم مُخْبرٌ قال فضحِكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )، وعند ابنِ إسحاق (( فقلتُ يا رسول الله، لو سرَّحتني في مائة رجلٍ لأخذتُ بأعناق القوم ) ).

(فَقَالَ يَا ابْنَ الأَكْوَعِ، مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ) بهمزة قطع وسين مهملة ساكنة وجيم مكسورة بعدها حاء مهملة، أمر من الإسجاح، وهو تسهيلُ الأمر، والسَّجَاحة السُّهولة، والمعنى قَدَرت فسهل واعف. وزاد مكِّي في روايته (( إنَّ القومَ لَيُقْرَوْن في قومِهم ) )، وعند الكُشميهني ، ولمسلم (( إنَّهم الآن لَيُقْرَون في أرض غَطَفان ) )، ويُقْرَوْن بضم أوله وسكون القاف وفتح الراء وسكون الواو، من القِري وهي الضِّيافة.

ولابن إسحاق (( فقال إنَّهم الآن ليَغْبَقون في غَطَفان ) )، وهو بالغين المعجمة الساكنة والموحدة المفتوحة والقاف، وهو شربُ أوَّل اللَّيل، والمراد أنهم وصلوا إلى بلاد قومِهم ونزلوا عليهم، فهم الآن يذبحون لهم ويُطعمونهم. ووقع عند مسلم (( قال فجاء رجلٌ فقال نحرَ لهم فلانٌ جزورًا، فلمَّا كَشَطوا جلدَهَا إذا هم بغبرةٍ، فقالوا أتاكُم القومُ فخرجُوا هاربين ) ).

(ثُمَّ رَجَعْنَا) أي إلى المدينة (وَيُرْدِفُنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَاقَتِهِ حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ) وفي رواية مسلم (( ثمَّ أردفنِي رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه على العَضْباء ) )وذكر قصَّة الأنصاري الذي سابقَه فسبقَه [قال فسبقتُه] إلى المدينة، فوالله ما لبثنَا إلَّا ثلاث ليالٍ حتى خرجنَا إلى خيبر، وفيه فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (( خيرُ فرساننَا اليوم أبو قتادةَ، وخيرُ رجالتنا اليوم سلمة ) )قال سلمة ثمَّ أعطاني سهمَ الرَّاجل

ج 18 ص 107

والفارس جميعًا.

وروى الحاكم في «الإكليل» والبيهقيُّ من طريق عكرمة بن قتادة بن عبد الله بن عكرمة بن عبد الله بن أبي قتادة حدَّثني أبي، عن أبيه، عن عبد الله بن أبي قتادة أنَّ أبا قتادة اشترى فرسَه فلقيَهُ مَسْعدة الفَزَاري، فتقاولا، فقال أبو قتادة أسألُ الله أن يلقينيك وأنا عليها قال آمين قال فبينا هو يعلفها إذ قيل أُخِذت اللِّقاح، فركبَها حتى هَجَم على العسكر، قال فطلعَ عليَّ فارسٌ، فقال لقد ألقانِيْكَ الله يا أبا قتادة، فذكرَ مُصَارعته له وظَفَره به وقتله، وهَزم المشركين، ثمَّ لم ينشبِ المسلمون أن طلعَ عليهم أبو قتادة يحوشُ اللِّقاح، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( أبو قتادة سيِّد الفُرسان ) ).

وفي الحديث جوازُ العدو الشَّديد في الغزو، والإنذار بالصِّياح العالي، وتعريف الإنسان بنفسهِ إذا كان شجاعًا ليُرعب خصمَهُ، واستحبابُ الثَّناء على الشُّجاع ومن فيه فضيلة لا سيَّما عند الصُّنع الجميلِ ليستزيدَ من ذلك، ومحلُّه حيث يُؤمن الافتتان، وفيه المسابقةُ على الإقدام، ولا خلافَ في جوازِهِ بغير عِوض، وأمَّا بالعوض فالصَّحيح أنَّه لا يصحُّ، والله تعالى أعلم.

وقد مضى الحديث في الجهاد، في باب من رأى العدو فنادى بأعلى صوته يا صباحاهُ [خ¦3041] ، وهو من ثلاثيات البخاري.

ومطابقته للترجمة ظاهرةٌ.

تذييل ولنذكر هنا قصَّة عمرة الحُديبية إنجازًا لما وعدنا في أوَّل الباب، وإنَّما أخَّرناها إلى هنا لكونها طويلة الذَّيل بالنسبة إلى قصَّة عُكْل وعُرَينة وغزوة ذي قَرَد، فنقول قد عدَّها بعضُهم من الغزوات، وعليه هي الغزوةُ الحادية والعشرون، والحُديبيَة _ بتخفيف الياء وتشديدها _ بئر بينها وبين مكة مرحلة، سُمِّي المكان باسمها، وقيل شجرة، وقيل قريةٌ بقربِ مكة.

وسببها أنَّه صلى الله عليه وسلم رأى أنَّه دخل مكَّة هو وصحبُه آمنين محلِّقين رُؤوسهم ومقصِّرين، وأنَّه دخل البيت، وأخذَ مفتاحَه، وعرَّف مع المعَرِّفين، فخرجَ

ج 18 ص 108

يوم الاثنين لهلال ذي القعدة سنة ستٍّ بلا خلاف معتمرًا لا يريدُ حربًا، ومعه زوجتُه أمُّ سلمة رضي الله عنها، واستنفرَ العرب ومن حوله من أهل البَوادي من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشَى من قريش أن يعرضُوا له بحربٍ أو يصدُّوه عن البيت، فأبطأَ عليه كثير من الأعراب.

وخرجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحقَ به من العرب، وكانوا زهاء ألف وأربعمائة، وقيل ألف وخمسمائة، وقيل ثلاثمائة، وجُمع بأنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال خمسمائة جبر الكسر، ومن قال أربعمائة ألغاه، ومن قال ثلاثمائة لم يطَّلع على الزيادة، وزيادةُ الثِّقة مقبولة فلمَّا كان بذي الحُليفة قلَّد الهديَ وأشعرَه وأحرمَ بالعمرةِ ليأمن النَّاس من حربهِ، وليعلموا أنَّه ما خرج إلَّا زائرًا للبيت ومعظِّمًا له، وكان الهدي سبعين بدنة.

وعن ابنِ إسحاق أنَّ النَّاس كانوا سبعمائة رجلٍ. [فكانت كل بدنة عن عشرة أنفس] وعن ابنِ عُقبة عن جابر رضي الله عنه عن كلِّ سبعةٍ بدنة حتى إذا كان بعُسْفان [1] لقيهُ بشرُ بن سفيان الكَعْبي، فقال يا رسولَ الله، هذه قريش قد سمعتْ بخروجِكَ ومسيركَ، فخرجُوا ومعهم العُوْذ المَطَافِيل _ العُوذ بالذال المعجمة _ جمع عائذ، وهي النَّاقة ذات اللَّبن، والمطافيل الأمَّهات اللاتي أطفالها معها؛ يعني خرجوا بذوات الألبان يشربونَ ألبانها ولا يرجعوا حتى يمنعوهُ، أو كنّى به عن النِّساء معهنَّ الأطفال، والمراد خرجوا بنسائهم وأولادهم لإرادةِ طول المقام؛ ليكون ادعى إلى عدم الفِرار.

قال وقد لبسوا جلود النُّمور، ونزلوا بذي طُوى [2] وتعاهدوا أن لا تَدخلها عليهم أبدًا، وقالوا لا كان هذا [أبدًا] ومنَّا عينٌ تطرفُ. وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قدمُوا إلى كُراع الغَمِيم _ بغين معجمة مفتوحة وكسر الميم _ واد بين رابِغٍ والجُحْفة، واستنفروا من أطاعهم من الأحابيش [3] ، ووضعوا العيون على الجبال وهم مقاتلوكَ وصادُّوك عن البيت ومانعوكَ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (( أشيروا أيُّها النَّاس عليَّ أترون أن أميلَ إلى عيالهم وذَرَاري هؤلاء الذين يريدون أن يصدُّونا

ج 18 ص 109

عن البيت، فإن يأتونَا كان الله عزَّ وجلَّ قد قطعَ عنقًا من المشركين، وإلَّا تركناهُم محروبين مَوْتورين )) ، قال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله، خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريدُ قتل أحدٍ ولا ضربَ أحدٍ فتوجَّه له فمن صدَّنا عنه قاتلناهُ، قال (( امضوا على اسمِ الله ) ).

ويُروى أنَّه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يا ويحَ قريشٍ، قد أكلتْهُم الحربُ، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين [سائر] العرب، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله دخلوا في الإسلام وافرين، [وإن لم يفعلوا] قاتلوا وبهم قوَّة، فما تظنُّ قريشٌ، فوالله لا أزالُ أجاهدُ على ما بُعثت به حتى يُظهرني الله أو تنفردَ هذه السَّالفة ) )أي صفحة عُنقه، كنى به عن القتل، فسارَ سائرًا غير طريق خالد بن الوليد كراهةَ أن يلقاهُ، وكان خالد في مائتي فارس فيهم عكرمة بن أبي جهل وكان بهم رحيمًا، كذا ذكر بعض أصحاب السِّير.

وفي رواية البخاري [خ¦2731] قال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إنَّ خالد بن الوليد بالغَميم في خيل لقُريش طليعة، فخذوا ذات اليمين ) )أي غير الطَّريق التي فيها خالد وأصحابه.

وقال ابنُ هشام فسلَك الجيشُ ذلك الطَّريق، فلمَّا رأت خيلَ قريش قَتَرة الجيش قد خالفوا عن طريقهِم، ركضوا راجعين إلى قريش نذيرًا لقريش بمجيءِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وسارَ النَّبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان صلى الله عليه وسلم بالثَّنية؛ أي ثنيَّة المِرَارِ _ بكسر الميم _ وهي طريقٌ في الجبل يُشرفُ على الحديبية بركتْ به راحلته، وأبتْ أن تنبعثَ، فقال النَّاس خلأتِ القصواء، خلأت القصواء؛ أي حَرَنت ولم تبرحْ عن مكانها، فقال صلى الله عليه وسلم (( ما خلأت القصواءُ، وما ذلك لها بخُلقٍ، ولكن حبسَهَا حابسُ الفيل ) )؛ أي حبسها الله عن دخولِ مكة كما حبسَ الفيل عن دخولها، ثمَّ قال (( والذي نفسِي بيدِهِ لا يسألوني خُطَّة ) )؛ أي خصلة «يعظِّمون فيها حرماتِ الله» ، والمراد الكف عن القتال تعظيمًا للحرمِ، وفيه إشارةٌ إلى الجنوح إلى المصالحة وتركِ القتال في الحرمِ «إلَّا أعطيتهم إيَّاها» ، ثمَّ زجرهَا فقامت، فولَّى راجعًا عوده على بُدْنه حتى نزلَ بأقصى الحُديبية؛ أي من مكَّة على ثَمَدٍ من أثمادِهَا؛ أي حُفَيرة قليل الماء فلم يلبثه النَّاس إلَّا نزحوه، فشكَى النَّاس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطشَ، فانتزَعَ سهمًا من كنانته، ثمَّ أمرهم أن يجعلُوه فيه؛ أي في الثَّمد المذكور، فوالله مازال يجيش _ أي يفور _ لهم بالرِّي _ أي بما يرويهم _ حتى صدروا عنه.

وفي رواية ابن سعد (( حتى اغترفُوا بأيديهِم جلوسًا على شفة البئرِ ) )، فبينما هم كذلك إذ جاء بُديل بن وَرْقاء الخُزاعي في نفرٍ من قومه من خُزاعة، وكانوا

ج 18 ص 110

عَيْبةَ نُصحِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي ما يوضُع في الثِّياب، والمراد أنَّهم موضع النُّصح له صلى الله عليه وسلم من أهل تِهامةَ؛ لأنَّ خُزاعة كانوا من جملة أهل تِهامة، فسألوه ما جاء بهِ، فأخبرهم أنَّه لم يأت بحربٍ بل زائرًا.

وفي رواية البخاري (( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّا لم نجيء لقتالِ أحدٍ، ولكنَّا جئنَا مُعتمرين، وإنَّ قريشًا قد نهكتْهم الحرب ) )؛ أي بلغت فيهم «وأضرَّت بهم» ؛ أي أضعفتْهم قوَّتهم وأموالهم، «فإن شاؤوا ماددتهم» ؛ أي ضربتُ بيني وبينهم مدَّة للصُّلح نترك بيننا وبينهم الحرب، ويخلو بيني وبين النَّاس من كفَّار العرب وغيرهم، «فإن أَظهرُ» _ أي إن غلبت على غيرهم من النَّاس _ «فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه النَّاس فعلوا وإلا» ؛ أي وإن لم أظهر عليهم «فقد جَمُّوا» _ أي استراحوا من جهد الحرب _ «وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنَّهم على أمري حتى تنفردَ سالفتي، وليُنفذنَّ الله أمره» ؛ أي في نصرِ دينه وإن كرهوا، فقال بُديل سأبلِّغهم ما تقول.

فانطلق حتى أتى قريشًا قال إنَّا قد جئناكُم من هذا الرجل، وسمعناهُ يقول قولًا، فإن شئتُم أن نعرضه عليكم فعلنَا، فقال سُفهاؤهم لا حاجة لنا أن تُخبرنا عنه بشيءٍ، وقال ذووا الرأي منهم هات ما سمعتَه يقول؟ قال سمعته يقول كذا وكذا، فحدَّثهم بما قال النَّبي صلى الله عليه وسلم. فقام عروةُ بن مسعود الثَّقفي، فقال يا قوم، ألستُ بالوالد _ أي بمثل الوالد في الشَّفقة والمحبة _ قالوا بلى، قال أولست بالولد _ أي بمثل الولد في النصح لوالده _ قالوا بلى، قال فهل تتهموني؟ قالوا لا، لأنَّه كان سيدًا مطاعًا في قومهِ غير متَّهم [4] قال ألستُم تعلمون أني استنفرتُ أهل عُكاظ _ أي دعوتهم إلى نصركم _ فلمَّا بلَّحوا _ أي عجزوا وامتنعوا_عليّ جئتُكم بأهلي وولدي ومن أطاعَني؟ قالوا بلى، قال فإنّ هذا _ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم _ قد عرضَ عليكم خُطَّة رُشد _ أي خصلة خيرٍ وصلاحٍ وإنصاف _ اقبلوها ودعوني آته، قالوا ائته، فأتاه فجعلَ يُكلِّم النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال النَّبي

ج 18 ص 111

صلى الله عليه وسلم نحوًا من قوله لبُديل، وأخبرهم أنَّه لم يأت يُريد حربًا، فقال عروة عند ذلك _ أي عند قوله لأقاتلنَّهم _ أي محمَّد أرأيت إن استأصلتَ أمر قومك _ أي استهلكتَه بالكلية _ هل سمعتَ بأحد من العرب اجتاح _ أي استأصل _ أهله قبلك، وإن تكن الأُخرى _ أي وإن تكن الدَّولة والغلبة لقريش _ فلا يخفى ما يفعلون فإني والله لأرى وجوهًا _ أي أعيان النَّاس، يريد قريشًا _، وإني لأرى أشوابًا _ ويُروى أوباشًا؛ أي أخلاطًا _ من النَّاس سَفلة _ يريد من عند النَّبي صلى الله عليه وسلم _ خليقًا [5] أن يفروا ويَدَعوك.

وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّ العادة جرت أنَّ الجيوش المجتمعة من أخلاط النَّاس لا يؤمن عليهم الفِرار؛ بخلاف من كان [من] قبيلةً واحدةً، فإنهم يأنفونَ الفرار في العادة، وما درى عُروة أنَّ مودة الإسلام أعظمُ من مودة القرابةِ، وقد ظهرَ له ذلك من مبالغة المسلمين في تعظيمِ النَّبي صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي.

فقال له أبو بكر رضي الله عنه _ وقد كان خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدًا _ امصصْ بظرَ اللَّات _ وهي طاغية عروة التي تُعبد. والبَظْر _ بفتح الموحدة وسكون المعجمة _ قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة _ أنحنُ نفرُّ عنه وندعه؟ فقال عروة من هذا؟ قالوا أبو بكر، فقال أما والذي نفسي بيده لولا يد _ أي نعمة _ كانت لك عندي لم أَجْزِك بها لأجبتُك، وجعلَ يُكلِّم النَّبي صلى الله عليه وسلم، فكلَّما تكلَّم أخذ بلحيتهِ صلى الله عليه وسلم والمغيرة بن شعبة قائمٌ على رأس النَّبي صلى الله عليه وسلم، وعليه المِغفر وهو زردٌ يُنسج من الدُّروع على قدرِ الرَّأس يلبس تحت القَلنسوة.

فكلَّما أهوى عروة بيدِه إلى لحيةِ النَّبي صلى الله عليه وسلم _ أي مال إليها بيده _ ضرب يده بنعل السَّيف، وهو ما يكون أسفل القِراب من فضةٍ أو نحوها، وقال أَخِّر يدك عن لحيةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنَّه لا ينبغِي لمشرك أن يمسَّه.

وفي رواية ابنِ إسحاق فيقول عروة ويحكَ ما أفظَّك وأغلظَك، وكانت عادة العرب

ج 18 ص 112

أن يتناول الرجل لحية من يكلِّمه ولا سيَّما عند الملاطفة، وفي الغالب إنَّما يصنعُ ذلك النَّظير بالنَّظير دون الرُّؤساء، لكن كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يُغضي لعروة عن ذلك استمالةً له وتأليفًا، والمغيرةُ رضي الله عنه يمنعْه من ذلك إعظامًا لسيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجلالًا لقدرهِ، فلمَّا قال عروةُ ذلك تبسَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفعَ عروةُ رأسه، فقال من هذا؟ قالوا المغيرة بن شعبة، ويروى هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. ويروى فلما أكثرَ المغيرةُ ممَّا يقرعُ يدَه غضبَ، وقال ليتَ شعري من هذا الَّذي قد آذاني من بين أصحابِكَ، والله لا أحسبُ فيكم ألأمَ منه، ولا أشرَّ منزلةً، فقال عروة مخاطبًا للمغيرة أيْ غُدَر _ أي يا غدر، وهو معدولٌ عن غادر _ ألستُ أسعى في غَدْرتك؛ أي ألست أسعى في إطفاءِ نارِ غَدْرك ودفعِ شرِّ جنايتِك ببذل المال ونحوه، وكان بينهما قرابة، وقيل إنَّه كان ابن أخي عروة. ويروى وهل غسلتَ سوأتَك إلَّا بالأمس، ويُروى والله ما غسلتُ [يديَّ] من غَدْرتك، ولقد أورثتنا العداوة في ثقيف، وأشار عروة بذلك إلى ما وقع للمُغيرة قبل إسلامه، وذلك أنَّه خرج مع ثلاثة عشر نفرًا من ثقيف من بني مالك فغدرَ بهم وقتلهم، وأخذَ أسلابهم وأموالهم، فتهايجَ الفريقان بنو مالك والأحلاف رهطَ المغيرة، فسعى عروةُ بن مسعود عم المغيرة حتى أخذوا منه دية ثلاثة عشر نفسًا واصطلحوا.

وحاصل هذه القصَّة أنهم كانوا خرجوا زائرين المقوقس بمصر، فأحسنَ إليهم وأعطاهُم، وقَصَّر بالمغيرة، فحصلت له الغَيْرة منهم، فلمَّا كانوا بالطَّريق شربوا الخمر، فلمَّا سكِروا وناموا وثبَ المغيرة فقتلَهم ولحقَ بالمدينة فأسلمَ، ولما قدمَ المغيرةُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر رضي الله عنه ما فعل المالكيون الذين كانوا معك؟ قال قتلتُهم وجئتُ بأسلابهم إلى رسولِ صلى الله عليه وسلم

ج 18 ص 113

ليُخمَّس، أو ليرى فيها رأيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أمَّا الإسلام فأقبل، وأمَّا المال فلستُ منه في شيءٍ ) )يريد في حلٍّ؛ لأنَّه علم أنَّ أصله غصب، وأموال المشركين وإن كانت يحلُّ أخذها عند القهر إلَّا أنَّه لا يحلُّ أخذها عند الأمن، فإذا كان الإنسان مُصاحبًا لهم فقد أمن كلُّ واحدٍ منهم صاحبه، فسفك الدِّماء وأخذ الأموال عند ذلك غَدر، والغدرُ بالكفَّار وغيرهم محظورٌ، ولعلَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم ترك المال في يدهِ لإمكان أن يُسْلم قومه فيرد إليهم أموالهم.

ثمَّ إنَّ عروة جعل يرمقُ _ أي يلحظ _ أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم بعينيه، قال فوالله ما تنخَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامةً إلا وقعتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدلك بها وجهَه وجلده، ولا يسقطُ من شعره شيء إلَّا أخذوه، وإذا أمرهُم ابتدروا أمرهُم، وإذا توضَّأ كادوا يقتتلون على وضوئه. ويُروى ولا يبصقُ بصاقًا إلَّا ابتدروهُ فدلكُوا ببصاقهِ وجوهَهُم، وإذا تكلَّم خفضُوا أصواتهُم عنده، ولا يتكلَّم رجل منهم حتى يستأذنَه، فإن أذنَ له تكلَّم وإلَّا فلا، وما يُحِدُّون إليه النَّظر تعظيمًا له.

فرجعَ عروة إلى أصحابهِ، فقال أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدتُ على قيصر وكسرى والنَّجاشي، والله ما رأيتُ ملكًا قطُّ يُعظمه أصحابُه ما يُعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن يتنخَّم _ أي ما يتنخَّم _ نخامةً إلَّا وقعتْ في كفِّ رجلٍ منهم فدلك بها وجههُ وجلدَه، وإذا أمرهم ابتدروا أمرهُ، وإذا توضأ كادوا يقتتلونَ على وضوئه، وإذا تكلَّموا خفضوا أصواتهُم عنده، وما يُحدُّون إليه النَّظر تعظيمًا له.

ويُروى أنَّه قال رأيتُ قومًا لا يسلمونه أبدًا، وإن أردتُم منهم السَّيف بذلوه لكم، ورأيتُ قومًا لا يبالون ما يُصنعُ بهم إذا منعوا صاحبهم، وإني أخافُ أن لا تُنصروا على رجل أتى البيت زائرًا مُعظمًا له معه هدي ينحرُه وينصرف، وإنَّه قد عرضَ عليكم خُطَّة رُشْد فاقبلوها، فقالوا لا تتكلَّم بهذا لو غيرك تكلَّم بهذا، ولكن نردُّه عامنا [هذا] ويرجعُ إلى قابلٍ، فقال ما أراكُم إلَّا سيصيبكُم

ج 18 ص 114

قارعة. فانصرف ومن معه إلى الطَّائف. فقال رجلٌ من بني كنانةَ، ويُروى فقام الحُلَيْس _ بضم المهملة وفتح اللام _ ابن علقمة، وهو من بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وكان من رؤوس الأحابيش، فقال دَعوني آيته، فقالوا ائته، فلما أشرف على النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( هذا فلانٌ، وهو من قوم يُعظِّمون البُدن ) )؛ أي ليسوا ممَّن يستحلها بل يعلمون شأنها، ولا يصدُّون من أمَّ البيت الحرام «فابعثوها» ؛ أي البُدن له ليراه، فبُعثت له، واستقبله النَّاس يُلبُّون قد أقاموا نصفَ شهرٍ حتى تفلُوا وشعثُوا، فلمَّا رأى ذلك صاح، وقال سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت، أبى الله أن تحجَّ لخم وجذام وكِندة وحمير، ويمنع ابن عبد المطلب، هلكتْ قريش وربِّ الكعبة، إن القوم إنَّما أتوا عمارًا، فقال صلى الله عليه وسلم (( أجل يا أخا بني كِنانة فأعلمهم بذلك ) ).

وفي رواية ابن إسحاق (( فلمَّا رأى الهدي يسيلُ عليه من عرض الوادي بقلائدهِ قد حُبس عن محلِّه رجعَ، ولم يصل إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ) )فيحتمل أن يكون خاطبَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على بُعْدٍ، فلمَّا رجعَ إلى أصحابه قال رأيتُ البُدن قد قُلِّدت وأُشعرت، فما أرى أن يُصدُّوا عن البيت فقالوا له اجلسْ فإنَّما أنت أعرابيٌّ لا علم لك، فغضبَ وقال يا معشر قريش، ما على هذا عاقدناكم، ولا عليه حالفناكُم، أيصدُّ عن بيت الله من جاء معظِّمًا له؟! والذي نفسي بيده لتُخلنَّ بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيشِ نفرة رجل واحدٍ، فقالوا كف عنَّا يا حُلَيس حتى نأخذَ لأنفسنَا ما نرضى.

فقام رجل منهم يقال له مِكرزُ بن حفص أخو بني عامر، فقال دَعوني آته، فقالوا ائته، فلمَّا أشرف عليهم، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (( هذا مِكرز، وهو رجلٌ فاجرٌ ) )ويُروى (( غادر ) )وهذا أرجحُ؛ لأنَّه كان مشهورًا بالغدرِ، ولم يصدر عنه في قصَّة الحُديبية فجورٌ ظاهرٌ على ما قيل، فجعل يُكلم النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال له نحوًا ممَّا قاله لبُديل.

فرجعَ إلى قريش

ج 18 ص 115

فأخبرهُم، ثمَّ دعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خِراش بن أميَّة الخزاعي فبعثه إلى قريش يُبلغ أشرافهم ما جاءَ له، فعقروا بعيرَه، وأرادوا قتلَه فمنعَه الأحابيش، وبعثت قريش خمسين رجلًا أطافوا بالعسكرِ ليُصيبوا منهم أحدًا، فأُخذوا فخلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهم، ثمَّ دعا عمر رضي الله عنه ليبعثْه إلى مكَّة، فقال أخافُ قريشًا على نفسي، وليس من بني عدي أحد يمنعني، وقد عرفتْ قريش عداوتي وغِلْظتي عليهم، وأدلك على رجل أعزَّ عليهم مني عثمان، فبعثَه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيَهُ أبان بن سعيد بن العاص حين دخلَ مكَّة، فحمله بين يديه، ثمَّ أجاره وقال أقبل وأدبرْ ولا تخفْ بنو سعيد أعزة الحرم.

فأتى عظماءَ قريش فبلغهم الرِّسالة، فقالوا إن شئتَ أن تطوفَ فطُفْ، قال ما أفعلُ حتى يطوفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتبسَته قريش عندهُا، فبلغَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قُتِل، فقال (( لا نبرحُ حتى نناجزَ القوم ) ).

ودعا النَّاس إلى البيعة، فكانت بيعة الرِّضوان تحت الشَّجرة، فبايعهم على الموت، ثمَّ لبسوا السِّلاح، وتأهبوا للقتالِ، ثمَّ ظهرَ أنَّ عثمان رضي الله عنه لم يُقتل، ثمَّ بعثت قريش سهيل بن عَمرو، فقالوا اذهبْ إلى هذا الرجل فصالحهُ، فلمَّا رآه مقبلًا، قال صلى الله عليه وسلم (( أراد القوم الصُّلح حين بعثوا هذا ) ). ويُروى أنَّه قال صلى الله عليه وسلم (( قد سَهُل لكم من أمركُم ) )؛ أي بعض أمركُم، أو كلمة «من» زائدة تفاءل النَّبي صلى الله عليه وسلم باسم سُهيل على أنَّ أمرهم قد سهُل لهم، فتكلَّم سهيل فأطال، وتراجعا وارتفعتِ الأصوات وانخفضت.

ثمَّ جرى الصُّلح على أن تُوضع الحربُ بينهم عشر سنين، وأن يأمنَ النَّاس بعضهم بعضًا، وأن يرجع عنهم عامهم هذا، وعلى أنَّ من جاء من قريش يردُّه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، ومن جاء ممَّن مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه إليه،

ج 18 ص 116

فلمَّا تم الصَّلح ولم يبق إلَّا الكتاب وثبَ عمر رضي الله عنه، فقال يا رسول الله، ألست نبي الله حقًا؟ قال (( بلى ) )، قال ألسنَا على الحقِّ وهم على الباطل؟ قال (( بلى ) )قال أليس قتلانا في الجنَّة وقتلاهُم في النَّار؟ قال (( بلى ) )قال فلم نُعطي الدَّنيَّة _ أي النَّقيصةَ والخصلة الخسيسة والحلَّة الناقصة الذَّميمة، وفي المثل المنية ولا الدَّنية _ في ديننا ونرجع، قال صلى الله عليه وسلم (( إنِّي رسول الله، ولستُ أعصيهِ، وهو ناصرِي ) )، ظاهره أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يفعلْ من ذلك شيئًا إلَّا بالوحي، ففيه تنبيه لعمر رضي الله عنه على أنه إنَّما أفعل هذا من أجل ما أطلعني اللهُ عليه من حبس النَّاقة، وإني لستُ أفعلُ ذلك برأيي وإنَّما هو بوحي.

ثمَّ قال عمر رضي الله عنه أوليس كنت تحدِّثنا أنا نأتي البيت فنطوف به؟ قال (( بلى ) )أفأخبرتُك أنَّا نأتيه العام، قال (( لا ) )، قال فإنَّك آتيه ومُطوِّف به، فذهبَ عمر رضي الله عنه حتى أتى أبا بكرٍ رضي الله عنه فقال يا أبا بكر، أليس هذا نبيُّ الله حقًا؟ قال بلى، قال ألسنا على الحقِّ وعدونا على الباطلِ؟ قال بلى، قال فعلامَ نُعطي الدَّنية في ديننا إذًا؟ قال أيُّها الرَّجل إنَّه رسول الله، وليس يعصِي ربَّه، وهو ناصره، فاستمسك بغَرْزِهِ؛ أي تمسَّك بأمرهِ واترك المخالفة كالذي يمسكُ بركاب الفارس؛ أي صاحبه ولا تفارقه ولا تخالفه حتى تموت.

والغَرْزُ في الأصل للإبل بمنزلة الرِّكاب للفرس، فوالله إنَّه على الحقِّ فقال عمر رضي الله عنه أليس كان يحدِّثنا أنا سنأتي البيت فنطوف؟ قال بلى، أفأخبرك أنَّك تأتيه العام؟ قال لا، قال فإنَّك آتيه ومُطَوِّف.

وفي جواب أبي بكر رضي الله عنه بمثل ما أجابَ به النَّبي صلى الله عليه وسلم دلالة على أنَّه أكمل الصَّحابة، وأعرفهم بأحوال رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وأعلمهم بأمورِ الدين، وأشدُّهم مُوافقة بأمرِ الله تعالى، بل كان قلبه على قلبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء.

قال الزُّهري قال عمر رضي الله عنه فعملتُ لذلك أعمالًا؛

ج 18 ص 117

أي فعملت لذلك من المجيء والذَّهاب والسُّؤال والجواب وصورة المخالفةِ أعمالًا لتكفره؛ من الصَّوم والصَّلاة والتَّصدق والإعتاق. وفي رواية ابنِ إسحاق (( فكان عمر رضي الله عنه، يقول ما زلت أتصدَّق وأصومُ وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذٍ مخافة كلامي الذي تكلَّمت به ) ).

وروى الواقديُّ من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال عمر رضي الله عنه لقد أعتقت بسبب ذلك رقابًا، وصمتُ دهرًا.

ثمَّ إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الكاتب، وفي رواية ابن إسحاق ثمَّ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه فقال (( اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ) )فقال سهيل أمَّا الرَّحمن فوالله لا أدري ما هو. وفي رواية ابن إسحاق قال سهيل لا أعرف هذا. ويُروى أنَّه قال (( لا أعرفُ الرَّحمن إلَّا صاحب اليمامة، ولكن اكتبْ باسمك اللَّهمَّ كما كنت تكتبُ ) ).

وإنَّما أنكرَ سهيل البسملة؛ لأنَّهم كانوا يكتبون في الجاهليَّة باسمك اللَّهمَّ، فقال المسلمون والله لا نكتبها إلَّا بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( اكتب باسمك اللَّهمَّ ) )فكتب. ثمَّ قال (( اكتبْ هذا ما قاضى عليه ) )أي صالح عليه «محمد رسول الله» ، فقال سهيل لو كنَّا نعلم أنَّك رسول الله. ويُروى لو شهدنا أنَّك رسول الله ما صددناكَ عن البيت ولا قاتلناكَ، ولكن محمد بن عبد الله. فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( والله إني لرسول الله وإن كذَّبتموني، اكتب محمدُ بن عبد الله ) ). قال الزُّهري وذلك لقولهِ صلى الله عليه وسلم (( لا يسألوني خُطَّة يعظِّمون فيها حُرُمات الله إلَّا أعطيتُهم إيَّاها ) ).

وروي أنَّه قال النَّبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه (( امحه ) )فقال ما أنا بالذي أمحاه، وهو لغة في امحوه، وأخذ أسيد بن حُضير وسعد بن عبادة [بيد علي] ومنعاه أن يكتبَ إلَّا محمد رسول الله، وإلَّا السَّيف بيننا وبينهم، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( أرني مكانهَا فأراهُ مكانها، وكتب

ج 18 ص 118

ابن عبد الله )) . وفي رواية للبخاري [خ¦2731] (( فأخذ الكتاب وليس يُحسن أن يكتبَ فكتبَ هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ) )، وكذا رواه أحمد والنَّسائي.

قال ابن حجر وقد تمسَّك بظاهره أبو الوليد الباجي فشنَّع عليه علماء الأندلس ورموه بالزَّندقة وقالوا خالف القرآن، فقال البَاجي لا يُنافيه بل يُؤخذ من مفهومه، فإنَّه قيد النَّفي بما قبل ورودِ القرآن {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ} [العنكبوت 48] وبعد تحقُّق أُمِّيَّته وتقرُّر معجزتهِ وأمن الرَّيب لا مانع من أن يعرفَ الكتابة بغير تعليمٍ، فتكون معجزة أخرى. ووافق البَاجي الشَّيخ أبو ذرٍّ الهروي وأبو الفتح النَّيسابوري وآخرون من علماء إفريقية، وأجابَ الجمهور عن الخبر بأن قوله فيه «فكتبَ» ، فيه حذف تقديره فمحاهَا فأعادها لعليٍّ فكتب، أو معنى كتب أمرَ بالكتابة، أو جرت يدُه بالكتابة، وهو لا يُحسنها، ولا يخرج بذلك عن كونه أمِّيًا.

ثمَّ اصطلحَ صلى الله عليه وسلم على وضعِ الحرب عشرَ سنين عن النَّاس، وعلى أنَّه من أتى محمدًا من قريش بغيرِ إذن وليِّه ردَّه عليهم، ومن جاء قريشًا ممَّن مع محمد صلى الله عليه وسلم لم يردَّوه عليه، وأنَّ من أحبَّ أن يدخلَ في عهد محمد دخلَ، ومن أحبَّ أن يدخلَ في عهد قريش دخلَ، فتواثبتْ خُزاعة فقالوا نحن في عقد محمد، وتواثبت بنو بكر، فقالوا نحن في عهدِ قريش، وإنَّك ترجعُ عنَّا عامك هذا فلا تدخل مكة علينا، فإذا كان عام قابل خرجنَا [عنك] فدخلت بأصحابك فأقمتَ بها ثلاثًا بسلاح الرَّاكب، السيوف في القِرَب، لا تدخلها بغيرها، فبينما هُم كذلك إذ جاء أبو جَنْدل بن سهيل. وفي رواية ابن إسحاق فإنَّ الصَّحيفة لتُكتب إذ طلعَ أبو جندل بن سهيل، وكان أبوه حبسَه حين أسلم فخرج من السِّجن وتنكَّب الطَّريق، وركب الجبال حتى هبطَ على المسلمين يَرْسُفُ في قيوده؛

ج 18 ص 119

أي يمشي مشيًا بطيئًا بسبب القيد حتى رمى بنفسِهِ بين أظهر المسلمين، فقال سهيلُ هذا محمَّد أوَّل ما أُقاضيك عليه أن تردَّه إليّ. وفي رواية ابنِ إسحاق فقام سهيل بن عَمرو إلى أبي جندل فضربَ وجهه وأخذَ يُلببه [6] فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إنا لم نقضِ الكتاب ) )؛ أي لم نفرغ من كتابته بعدُ، قال سهيل فوالله إذًا لا أُصالحك على شيءٍ أبدًا. قال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( فأجزه لي ) )؛ أي أَمْضِ لي فعلِي فيه فلا أردُّه إليك. قال سهيل ما أنا بمُجيزه، قال (( بلى ) )؛ أي أنت مجيز (( فافعل ) )قال ما أنا بفاعل.

وفي رواية البخاري (( قال مِكرز بل قد أجزناهُ لك ) )ولم يذكر ما أجاب به سُهيل مِكرزًا في ذلك، وقيل إنَّه إنَّما لم يجبه؛ لأنَّ مِكرزًا لم يكن ممن جُعل له أمر عقد الصُّلح؛ بخلاف سهيل، وفيه نظرٌ فإنَّ الواقدي روى أنَّ مِكرزًا كان ممَّن جاء في الصُّلح مع سهيل، وكان معهما حُويطب بن عبد العزَّى.

وذكر في روايته ما يدلُّ على أنَّ إجازة مِكرز لم تكن في أن لا يردَّه إلى سهيل بل في تأمينه من العذاب ونحو ذلك، وأنَّ مِكرزًا وحويطبًا أخذا أبا جندلٍ فأدخلاهُ فسطاطًا وكفا أباه عنه، فقال أبو جندل أي معشرَ المسلمين، أُرَدُّ إلى المشركين، ألا ترون ما لقيت؟ وكان قد عُذِّب في الله عذابًا شديدًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يا أبا جندلٍ، اصبرْ واحتسبْ فإنَّا عقدنا على ذلك، وإنَّا لا نغدرُ، وإنَّ الله جاعلٌ لك وللمستضعفين فرجًا ومخرجًا ) ).

فوثبَ عمر رضي الله عنه إلى جنبِ أبي جندلٍ فقال اصبرْ فإنَّما هم المشركون، وإنَّما دمُ أحدهم كدمِ كلبٍ، وكان يُدني قائم السَّيف منه، وقال رجوت أن يأخذَه مني فيضربَ به أباه، فضنَّ بأبيه ونفذت القضيَّة.

فلمَّا فرغَ رسول الله عليه وسلم من قضيَّة الكتاب، وأشهد على ذلك رجالًا من المسلمين ورجالًا من المشركين، قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه (( قومُوا فانحروا ثمَّ احلقوا ) ). قال الرَّاوي فوالله ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاث مرَّات، وذلك لم يكن منهم مخالفةً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كانوا

ج 18 ص 120

ينتظرون إحداث الله تعالى لرسولهِ صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك، فيتمُّ لهم قضاءَ نسكهم، فإنهم كانوا خرجوا وهم لا يشكُّون في الفتح للرُّؤيا التي رآها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا رأوه جازمًا قد فعل النَّحر والحلقَ علموا أن ليس وراء ذلك غاية تُنتظرُ، فبادروا إلى الائتمار بقوله والائتساء بفعله هذا، فلمَّا لم يقم منهم أحدٌ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمِّ سلمة رضي الله عنها فذكرَ لها ما لقيَ من النَّاس، قال لها (( ألا ترين إلى النَّاس إني آمرهم بالأمر فلا يفعلونه؟ ) )فقالت أمُّ سلمة رضي الله عنها يا نبيَّ الله، أتحبُّ ذلك اخرج ثمَّ لا تُكلِّم أحدًا منهم كلمة حتى تنحرَ بُدنك، وتدعو حالقَكَ فيحلقك.

وفي رواية ابن إسحاق قالت أمُّ سلمة رضي الله عنها يا رسول الله، لا تلمهم فإنهم قد دخلهم أمرٌ عظيمٌ ممَّا أدخلت على نفسك من المشقَّة في أمر الصُّلح، ورجوعِهم بغير فتحٍ، فخرجَ صلى الله عليه وسلم فلم يُكلِّم أحدًا منهم حتى فعلَ ذلك، نحر بُدْنه وكانت سبعين بَدَنة، كان فيها جمل لأبي جهل في رأسهِ بُرّة من فضَّة ليغيظ المشركين به، وكان غَنِمَه في غزوة بدر.

ودعا حالقَهُ فحلقه، وهو خِرَاش بن أميَّة بن الفضل الخزاعي، فلمَّا رأوا ذلك قامُوا فنحروا، وجعل بعضهم [يحلق] بعضًا، حتى كادَ بعضهم يقتلُ بعضًا غمًّا، ثمَّ انصرفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلًا حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح.

قال الزُّهري فما فُتِح في الإسلام فتح قبله كان أعظم من فتح الحُديبية، إنَّما كان القتال حيث التقى النَّاس، فلمَّا كانت الهدنةُ ووضعت الحرب وأمن النَّاس كلُّهم بعضهم بعضًا، والتقوا وتفاوضوا في الحديث، ولم يُكلَّم أحد يعقلُ بالإسلام في تلك المدَّة إلَّا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السَّنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك بل أكثر.

وممَّا ظهر من مصلحة الصُّلح المذكور غير ما ذكره الزُّهري أنَّه كان مقدمة بين يدي الفتح العظيم الذي دخل النَّاس عقبه في دينِ الله أفواجًا، وكانت الهدنة مفتاحًا لذلك، فإنَّه خرج صلى الله عليه وسلم إلى الحُديبية في ألف وأربعمائة، ثمَّ خرج عام

ج 18 ص 121

فتح مكة بعد ذلك بعامين في عشرة آلاف.

وما ذكر آنفًا من أنَّ الكتاب بخطِّ علي رضي الله عنه هو الصَّحيح، ولا يُنافيه ما رُوي من أنه محمد بن مسلمة لأنَّ أصل الكتاب بخطِّ علي رضي الله عنه، ونسخ مثله محمد بنُ مسلمة لسهيل بن عمرو.

وامتناع علي رضي الله عنه من محو لفظ الرِّسالة من قبيل الأدب، ولو فهم تحتُّم المحو لم يتوقَّف، ومراجعةُ عمر رضي الله عنه في ذلك ليس شكًا بل طلبًا لكشفِ ما خفي، وتوقف الصَّحابة رضي الله عنهم في التَّحلل بعد الأمر به لاحتمال كون الأمر للنَّدب، أو رجاء نزول الوحي بإبطال الصُّلح كما مرَّ آنفًا.

وأمَّا جواز ردِّ من جاءنا من الكفَّار مسلمًا، فقد مرَّ تفصيله في كتاب الشُّروط، في باب الشُّروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب [خ¦2731] .

ثمَّ رجع النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة شرَّفنا الله بزيارتها فجاءَهُ أبو بَصير رجلٌ من قريش اسمه عُتبة بن أسيد بن جارية الثَّقفي، حليف بني زُهرة وهو مسلمٌ، فأرسلوا في طلبهِ رجلين خُنَيسًا وكوثرًا، فقالوا أوف العهد الذي جعلت لنا، فدفعَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الرَّجلين [7] .

وفي رواية ابن إسحاق فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (( يا أبا بصير، إنَّ هؤلاء القوم قد صالحونا على ما علمت وإنَّا لا نغدرُ فالحقْ بقومك ) )فقال أتردني إلى المشركين يفتنونني عن ديني ويعذِّبوني؟ قال (( اصبرْ واحتسبْ، فإنَّ الله جاعلٌ لك فرجًا ومخرجًا ) )فخرجا به حتى بلغا ذا الحُليفة فنزلوا يأكلونَ من تمرٍ لهم، فقال أبو بصير لأحد الرَّجلين [8] والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا، فاستلَّه الآخر، فقال أجل، والله إنَّه لجيد، لقد جرَّبت به ثمَّ جرَّبت. فقال أبو بَصير أرني أنظرْ إليه فأمكنَه منه _ أي أعطاه بيده _ فضربه به حتى بردَ _ أي مات _ وفرَّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخلَ المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه (( لقد رأى هذا ذعرًا؛ أي فزعًا وخوفًا، فلما انتهى إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم قال قتلَ والله صاحبي ) ).

ج 18 ص 122

وفي رواية ابن إسحاق (( قتلَ صاحبكم صاحِبي وإني لمقتولٌ ) )؛ أي إن لم تردُّوه عني، فجاء أبو بَصير، فقال يا نبيَّ الله، قد والله أوفى الله ذمَّتك، فقد رددتني إليهم، ثمَّ أنجاني الله منهم، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( ويْلُمِّه ) )كلمة تعجب وأصلها ويل أمِّه؛ أي هو ويل أُمِّه، أو وي لأمه؛ أي حزن لها، «مِسعرُ حربٍ» ، وهو العودُ الذي يحرِّك به النَّار لو كان له أحد؛ أي «لو كان له أحد» ينصرُه لأثار الفتنةَ فأفسد الصُّلح، فلمَّا سمع ذلك عرف أنَّه سيردُّه إليهم.

فخرج حتَّى أتى سيف البحرِ؛ أي ساحلَه ونزلَ العِيْص، وكان طريق أهل مكَّة إذا قصدوا الشام، وهو يُحاذِي المدينة إلى جهة السَّاحل وانفلتَ منهم أبو جندل في سبعين راكبًا مسلمين، فلحقوا بأبي بَصير، فجعلَ لا يخرج من قريش رجلٌ قد أسلمَ إلَّا لحقَ بأبي بَصير حتى اجتمعتْ منهم عصابة؛ أي جماعة كثيرة، وزعم السُّهيلي أنهم بلغوا ثلاثمائة رجلٍ، فوالله لا يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشَّام إلَّا اعترضوا لها.

فأرسلت قريش إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم تناشدُه الله والرَّحم؛ أي يسألونه بالله وبالرَّحم لَمَا أرسل بمعنى إلا أرسلَ كما في قوله تعالى {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق 4] والمعنى هنا لم تسأل قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا إرساله إلى أبي بَصيرٍ وأصحابه بالامتناعِ عن إيذاء قريشٍ، فمن أتاهُ فهو آمن من الرَّد إلى قريش، فأرسلَ النَّبي صلى الله صلى الله عليه وسلم إليهم.

وعن الزُّهري فكتبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بَصير أن يقدم عليه، فقدمَ كتابه وأبو بَصير في النَّزع فمات، وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يدهِ يقرأه رضي الله عنه، فدفنَه أبو جندلٍ مكانه وجعلَ عند قبره مسجدًا، وقدم أبو جندلٍ ومن معه إلى المدينة فلم يزلْ بها حتى خرجَ إلى الشام، فاستشهدَ في خلافة عمر رضي الله عنه.

وفي قصَّة أبي بَصير من الفوائد جوازُ قتل المشرك [المعتدي] غِيلةً، ولا يُعدُّ ما وقعَ من أبي بَصير غدرًا؛ لأنَّه لم يكن في جملة من دخل في المعاقدةِ التي بين النَّبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش؛ لأنَّه إذ ذاك [كان] محبوسًا بمكة

ج 18 ص 123

لكنَّه لما خشيَ أنَّ المشرك يُعيدَه إلى المشركين درأ عن نفسهِ بقتلِهِ، ودافعَ عن دينهِ بذلك، فلم يُنكر النَّبي صلى الله عليه وسلم ذلك.

وفيه أنَّ من فعل مثل فعلِ أبي بَصيرٍ لم يكن عليه قُوَدٌ ولا ديةٌ، وقد وقع عند ابنِ إسحاق أنَّ سهيل بن عَمرو لما بلغه قتل أحد الرَّجلين طالب بديتهِ؛ لأنَّه كان من رهطهِ، فقال له أبو سفيان ليس على محمد مُطالبة بذلك؛ لأنَّه وفىَّ بما عليه، وأسلمه لرسولكُم، ولم يقتلْه بأمرهِ، ولا على آل أبي بصير؛ لأنَّه ليس على دينهم.

وفي قصَّته فوائد أُخر ذكرتْ في كتاب الشُّروط، في باب الشُّروط في الجهاد، والمصالحةُ مع أهل الحرب [خ¦2731] ، والله تعالى أعلم.

[1] في هامش الأصل عسفان كعثمان موضع على مرحلتين من مكة. منه.

[2] في هامش الأصل ذي طوى موضع قرب ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت