فهرس الكتاب
4210 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) أي ابن سعيد، قال (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار، أنَّه(قَالَ أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَالَ
ج 18 ص 149
فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ)بدال مهملة مضمومة، من الدوك، وهو الاختلاطُ والاختلاف؛ أي باتوا في اختلاط واختلاف ودوران، وفي نسخة الكرماني (( يذكرون ) )من الذكر (لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا) والمعنى يبيتون في اختلاط ودوران في ذلك، وقيل كانوا يخوضون ويتحدَّثون في ذلك، وهما بمعنى في المآل.
وعند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ عمر رضي الله عنه قال ما أحببتُ الإمارة إلَّا يومئذٍ، وفي حديث بُريدة رضي الله عنه فما منَّا رجل له منزلة عند رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلَّا وهو يرجوها.
(فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَرْجُو) ويُروى (أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ فَقَالُوا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، قَالَ فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ. فَأُتِيَ بِهِ) على البناء للمفعول. وفي رواية مسلم من طريق إياس بن سلمة عن أبيه قال (( فأرسلني إلى عليٍّ رضي الله عنه فجئتُ به أقوده وهو أرمد ) )وقد ظهر من حديث سلمة بن الأكوع أنَّه هو الَّذي أحضره.
ولعلَّ عليًا رضي الله عنه حضر إليهم بخيبر ولم يقدر على مباشرة القتال لرمدهِ، فأرسلَ إليه النَّبي صلى الله عليه وسلم فحضرَ المكان الَّذي نزل به، أو بعث إليه إلى المدينة فصادفَ حضوره.
(فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ) بفتح الراء والهمزة، بوزن ضَرَب، ويجوز بكسر الراء بوزن عَلِم (حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ) وعند الحاكم من حديث علي رضي الله عنه نفسه قال فوضعَ رأسي في حِجْره، ثمَّ بزق في أَلية راحتهِ فدلك بها عينيَّ. وعن بُريدة في «الدلائل» للبيهقي فما وجعها عليٌّ حتَّى مضى لسبيله؛ أي مات، وعند الطَّبراني من حديث علي رضي الله عنه (( فما رمدتُ ولا صُدعتُ مذ دفع إليّ النَّبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم خيبر ) ). وله من وجه آخر (( فما اشتكيتهما حتَّى الساعة، قال ودعا لي فقال اللَّهم أذهبْ عنه الحرَّ والقرَّ قال فما اشتكيتُهما حتَّى يومي هذا ) ).
(فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ) وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه عند أحمد «فانْطَلَق حتَّى فتحَ الله عليه خيبر وفدك، وجاء بعجوتهما»
ج 18 ص 150
(فَقَالَ عَلِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُقَاتِلُهُمْ) هو بحذف همزة الاستفهام (حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا) أي حتَّى يكونوا مسلمين مثلنا (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (انْفُذْ) بضم الفاء وبالذال المعجمة (عَلَى رِسْلِكَ) بكسر الراء؛ أي على هنيتك وتؤدتك.
(حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ) أي في الإسلام، ووقع في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم فقال علي رضي الله عنه يا رسول الله! علام أُقاتل الناس؟ قال (( قاتلهُم حتَّى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبده ورسوله ) )، واستدلَّ بقوله «ادعهُم» أنَّ الدَّعوة شرط في جواز القتال، والخلاف في ذلك مشهور، فقيل يُشترطُ مطلقًا وهو عن مالك سواء من بلغتهم الدَّعوة أو لم تبلغهم، قال إلَّا أن يُعجلوا المسلمين، وقيل لا مطلقًا. وعن الشافعي مثله، وعنه لا يُقاتل من لم تبلغه حتَّى يدعوهم، وأمَّا من بلغته فيجوزُ الإغارة عليهم بغير دعاءٍ، وهو مقتضى الأحاديث.
ويُحمل ما في حديث سهل على الاستحباب بدليل أنَّ في حديث أنس رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم أغار على أهل خيبر لمَّا لم يسمع النداء، وكان ذلك أوَّل ما طرقهم، وكانت قصَّة علي رضي الله عنه بعد ذلك، وعن الحنفيَّة يجوز الإغارة عليهم مطلقًا ويُستحب الدَّعوة.
(فَوَاللَّهِ لَأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْر النَّعَمِ) بسكون الميم من حُمْر، وبفتح النون والعين المهملة، وهو من ألوان الإبل المحمودة، قيل المراد خيرٌ لك من أن تكون لك فتصدَّق بها، وقيل تقتنيها وتملكها، وكانت ممَّا تتفاخر العرب بها، ويؤخذُ من ذلك أنَّ تألف الكافر حتَّى يُسلمَ أولى من المبادرة إلى قتله.
وذكر ابنُ إسحاق من حديث أبي رافع رضي الله عنه قال خرجنَا مع عليٍّ رضي الله عنه حين بعثه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم برايته، فضربَه رجلٌ من اليهود فطرحَ تُرسه، فتناوَل علي بابًا كان عند الحصن فتترَّس به عن نفسه حتَّى فتحَ الله عليه، فلقد رأيتني
ج 18 ص 151
في سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلبَ الباب فما قلبناه. وللحاكم من حديث جابر رضي الله عنه أنَّ عليًا رضي الله عنه حمل الباب يوم خيبر، وأنَّه جُرِّب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلًا.
والجمع بينهما بأن السَّبعة عالجوا قلبَه، والأربعين عالجوا حملَه، والفرقُ بين الأمرين ظاهرٌ، فلو لم يكن كذلك لكان باختلاف حال الأبطال.
وزاد مسلم في حديث إياس بن سلمة عن أبيه وخرج مَرْحب فقال
~قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ
الأبيات، فقال علي رضي الله عنه
~أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ
الأبيات، فضربَ رأس مَرْحب فقتلَه، وكان الفتح على يديهِ، وكذا في حديث بُريدة رضي الله عنه الَّذي أشير إليه قبلُ [خ¦4209] ، وخالف ذلك أهل السِّير، فجزمَ ابن إسحاق وموسى بن عقبة والواقديُّ بأن الَّذي قتل مَرْحبًا هو محمد بنُ مَسْلمة، وكذا روى أحمدُ بإسناد حسنٍ عن جابر رضي الله عنه، وقيل إنَّ محمد بن مَسْلمة كان بارزَهُ وقطع رجليه فأجهزَ عليه عليٌّ رضي الله عنه. وقيل إنَّ الَّذي قتله هو الحارث أخو مَرْحب فاشتبَه على بعض الرُّواة، فإن لم يكن كذلك، وإلَّا فما في الصَّحيح مقدَّم على ما سواه.
وقد جاء من حديث بُريدة رضي الله عنه أيضًا، وكان الحصن الَّذي فتحه عليٌّ رضي الله عنه عند القَموص، وهو من أعظم حصونهم، ومنه سُبِيت صفيَّة رضي الله عنها بنت حُييِّ بن أخطب، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ.
وقد مرَّ في كتاب الجهاد، في باب فضل من أسلم على يديه رجل [خ¦3009] بعين هذا الإسناد والمتن، وهنا بعض زيادة وهي قوله «يدوكون ليلتهم» ، وقد مرَّ أيضًا في (( مناقب علي رضي الله عنه ) ) [خ¦3701] .
تذييل قد اختُلف في فتح خيبر هل كان عنوة أو صُلحًا؟ وفي حديث عبد العزيز بن صُهيب عن أنس رضي الله عنه التَّصريح بأنَّه كان عنوة، وبه جزمَ ابن عبد البر، وردَّ على من قال فُتحت صُلحًا قال وإنما دخلت الشُّبهة على من قال فُتحتْ صُلحًا بالحِصنين اللَّذين أسلمهما أهلهمَا
ج 18 ص 152
ليحقنَ دماؤهم، وهو ضرب من الصُّلح، لكن لم يقعْ ذلك إلا بحصار وقتال، انتهى.
قال الحافظُ العسقلاني والَّذي يظهرُ أنَّ الشُّبهة في ذلك قول ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قاتلَ أهل خيبر، فغلبَ على النَّخل وألجأهم إلى القصر، فصالحوه على أن يجلوا منها، [وله] العفراء والبيضاء والحَلْقة، ولهم ما حملتْ ركابهم على أن لا يكتموا ولا يُغيبوا، الحديث أخرجه أبو داود والبيهقي وغيرهما.
وكذلك أخرجه أبو الأسود في «المغازي» عن عروة، فعلى هذا كان قد وقع الصُّلح ثمَّ حدث النَّقض منهم فزال أمرُ [1] الصُّلح، ثمَّ مَنَّ عليهم بترك القتل وإبقائهم عمالًا بالأرض ليس لهم فيها ملك، ولذلك أجلاهُم عمر رضي الله عنه كما تقدَّم في المزارعة [خ¦2338] ، فلو كانوا صُولحوا على أرضهم لم يُجلوا منها، والله تعالى أعلم.
وقد تقدَّم في فرضِ الخمس [خ¦3125] احتجاج الطَّحَّاوي على أنَّ بعضها فُتح صُلحًا بما أخرجه هو وأبو داود من طريق بُشَرْ بن يسار أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لمَّا قسم خيبرَ عزلَ نصفها لنوائبهِ، وقسم نصفَهَا بين المسلمين، وهو حديث اختُلفَ في وصله وإرسالهِ، وهو ظاهر في أنَّ بعضها فُتح صُلحًا، والله تعالى أعلم.
[1] في الفتح (أثر) .