فهرس الكتاب

الصفحة 6166 من 11127

4249 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدٌ) هو ابنُ سعيد المقبري (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ) هكذا أورده مختصرًا، وقد سبق مطولًا في أواخر الجزية [خ¦3169] ، فذكر هذا الطَّرف وزاد فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( اجمعوا لي من كان هاهنا من يهود ) )، فذكر الحديث.

قال ابنُ إسحاق لما اطمأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر أهدتْ له زينبُ بنت الحارث امرأة سلّام بن مِشكم شاةً مشويَّة، وكانت سألت أي عضوٍ من الشَّاة أحبُّ إليه؟ فقيل لها الذِّراع، فأكثرت فيها من السُّم، فلمَّا تناول الذِّراع لاك منها مضغة ولم يُسغها، وأكل معه بشرُ بن البراء

ج 18 ص 196

فأساغَ لقمته، فذكر القصَّة وأنَّه صفحَ عنها، وأنَّ بشرَ بن البراء مات منها.

وروى البيهقيُّ من طريق سفيان بن حسين عن الزُّهري عن سعيد بن المسيَّب وأبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه (( أنَّ امرأةً من اليهود أهدتْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاةً مسمومةً، فأكلَ فقال لأصحابه أمسكوا فإنها مسمومةٌ، وقال لها ما حملك على ذلك؟ قالت أردتُ إن كنتَ نبيًا فيُطلعك الله، وإن كنتَ كاذبًا فأُريحُ النَّاس منك، قال فما عرضَ لها ) ).

ومن طريق أبي نَضْرةَ عن جابر رضي الله عنه نحوه فقال فلم يعاقبها. وروى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن معمر عن الزُّهري عن أُبي بن كعب مثلَه، [وزاد] فاحتجَم على الكاهلِ، قال قال الزُّهري فأسلمتْ، فتركها، قال مًعمر والناس يقولون قتلَها.

وأخرج أبو داود من طريق يونس عن الزُّهري عن جابر رضي الله عنه نحو رواية مَعمر عنه، وهذا منقطع؛ لأنَّ الزُّهري لم يسمع من جابر. ومن طريق محمد بن عَمرو عن أبي سلمة نحوه مرسلًا. قال البيهقيُّ ووصله حماد بن سلمة عن محمد بن عَمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال البيهقيُّ يُحتمل أن يكون تركها أولًا، ثمَّ لما مات بشرُ بن البراء من الأكلةِ قتلها. وبذلك أجاب السُّهيلي وزاد بأنَّه تركها؛ لأنَّه كان لا ينتقمُ لنفسه، ثمَّ قتلَها ببشر قصاصًا.

وقال الحافظُ العسقلاني ويُحتمل أن يكون تركها لكونها أسلمتْ، وإنما أخَّر قتلها حتَّى مات بشر؛ لأن بموتهِ يتحقَّق وجوب القصاص بشرطهِ، ولم ينفرد الزُّهري بدعواه أنَّها أسلمتْ، فقد جزمَ بذلك سليمان التَّيمي في «مغازيه» ولفظه بعد قولها فإن كنتَ كاذبًا أرحتُ الناس منك، وقد استبانَ لي الآن أنَّك صادقٌ، وأنا أُشهدُك ومن حضرَ أنِّي على دينك، وأن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، قال فانصرفَ عنها حين أسلمتْ.

وقد اشتملت قصَّة خيبر على أحكام كثيرة

منها جواز قتال الكفَّار في أشهر الحرام، والإغارةِ على من بلغته

ج 18 ص 197

الدَّعوة بغير إنذارٍ، وقسمة الغنيمة على السِّهام، وأكل الطعام الَّذي يُصاب من المشركين قبل القسمة لمن يحتاج إليه بشرط أنَّه لا يدِّخره ولا يحوله، وأنَّ مدد الجيش إذا حضرَ بعد انقضاء الحرب يُسهمُ له إن رضي الجماعة، كما وقع لجعفر والأشعريين، ولا يُسهم لهم إذا لم يرضوا، كما وقع لأبان بن سعيد وأصحابه، وبذلك يُجمعُ بين الأخبار.

ومنها تحريمُ لحوم الحُمُر الأهلية، وأنَّ ما لا يؤكلُ لحمه لا يطهرُ بالذكاة، وتحريمُ متعة النِّساء، وجواز المساقاة والمُزَارعة، ويثبت عقد الصُّلح والتَّوثق من أرباب التُّهم، وأنَّ من خالفَ [من] أهل الذِّمَّة ما شرطَ عليه انتقضَ عهده وهُدرَ دمه، وأن من أخذ شيئًا من الغنيمة قبل القسمة لم يملكْه ولو كان دون حقِّه، وأنَّ الإمام مخيَّر في أرضِ العنوة بين قسمتِهَا وتركِها، وجواز إجلاءِ أهل الذِّمَّة إذا استغنى عنهم، وجواز البناء بالأهلِ في السَّفر، والأكلِ من طعامِ أهل الكتاب، وقبولِ هديتهم، والله الهادي إلى الصَّواب.

ولنذكر قصَّة خيبر على ما ذكره أربابُ السِّير على طريقِ الإجمال.

واعلم أنَّ غزوة خيبر هي الغزوةُ الثانية والعشرون من غزواتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم مطلقًا [1] ، ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحُديبية مكثَ بالمدينة ذا الحجَّة وبعض المحرَّم سنة سبع على المشهور، وقيل سنة ستٍّ، ثمَّ خرج فيه إلى خيبر غازيًا، وخيبر على وزن جعفر، بلدةٌ كثيرة التمر، بينها وبين المدينة ثمان بُرد، ذات حصون أعظمها يُسمَّى القموص، وهو الَّذي فتحَه علي رضي الله عنه وقلع بابه.

فأمر صلى الله عليه وسلم أصحابَه بالخروجِ فاستجدوا ذلك، واستنفر من حوله ممَّن شهد الحُديبية، وجاءهُ المخلَّفون عنه فيها، فخرجوا معه رجاءَ الغنيمة، فقال صلى الله عليه وسلم (( لا تخرجوا إلَّا راغبين في الجهادِ ) )واستعملَ على المدينة سِبَاع بن عُرْفطة، وخرج معه مسلمة وشقَّ خروجَه على يهود المدينة الَّذين هم مُوَادعوه حتَّى قال أبو الشَّحم اليهودي أيحسبُ أن خيبرَ كغيرها ممَّن مضى، إن فيها

ج 18 ص 198

والتَّوراة عشرة آلاف مقاتل، ودفع اللَّواء إلى علي رضي الله عنه، وسار حتَّى نزلَ بساحتهم ليلًا.

وكانت يهودُ خيبر لا يظنُّون أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزوهُم لمنعتهم وسلاحهم وعددهم، فلمَّا أحسُّوا بخروجه كانوا يُخرجون كلَّ يوم عشرة آلاف مقاتل صفوفًا، ثمَّ يقولون محمد يغزونا؟ هيهات….

فلمَّا نزل بساحتهم لم يتحرَّكوا تلك اللَّيلة، ولم يصح لهم ديك، وكان إذا غزا قومًا لم يغر عليهم حتَّى يُصبحَ، فإن سمع أذانًا أمسكَ وإلَّا أغارَ، فبات لم يسمع أذانًا، فخرجَ عمَّال خيبر بمساحيهم ومكاتلهم، فلمَّا رأوا الجيش، قالوا محمَّد والخميس؛ أي الجيش سُمِّي به؛ لأنَّه خمسة أخماس؛ ميمنة وميسرة ومقدِّمة ومؤخِّرة وقلب، ثمَّ أدبروا هُرّابًا، فقال صلى الله عليه وسلم وهو رافعُ يديه (( الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنَا بساحةِ قومٍ فساء صباحُ المنذَرين ) ).

وكان يومئذٍ على حمار مخطومِ برسنٍ من ليفٍ تحته إكافٌ من ليف، وقيل على فرس، ولعلَّه ركبهمَا وفَرّق الرَّايات، وكانت رايتُه يومئذٍ سوداء، تُسمى العُقاب؛ لكون العقاب أسود، وكانت من لبد عائشة رضي الله عنها ولم يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم الرَّايات إلَّا بخيبر، وإنما كانت الألوية فقط، وتحصَّنوا في الحصون فدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتحها حصنًا حصنًا.

فكان أوَّل حصونهم افتتاحًا حصن ناعم _ بنون وعين مهملة _، وعنده قُتلَ محمود بن مسلمة أُلقيتْ عليه صخرة، ثمَّ القَموص _ بقاف وصاد مهملة _ كصبور، وقيل بغين فضاد معجمتين حصن بني أبي الحُقيق، وأصاب منهم سبايا منهم صفيَّة بنت حُيي بن أخطب، فاصطفاها لنفسه، وكان بلال هو الَّذي جاء بها وبأخرى معها فمر بهما على القتلى، فلمَّا رأتهم الَّتي مع صفيَّة صاحت وصكَّت وجهها، فقال لبلال أنُزعت الرَّحمة حتَّى تمر بهما على قتلى رجالهما.

وكانت صفيَّة رأت في المنام وهي عروسٌ بكنانة بن الرَّبيع أنَّ قمرًا وقع في حجرها، فذكرته لزوجها، فقال ما هذا؟ إلَّا أنَّك تتمنين ملك الحجاز محمدًا،

ج 18 ص 199

ولَطَمها.

وعرَّس رسول الله صلى الله عليه وسلم بها في الطَّريق في قبَّة، فبات أبو أيُّوب الأنصاري رضي الله عنه متوشِّحًا السَّيف يحرسُه، فلما أصبحَ رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال (( ما لك؟ ) )قال خفتُ عليك من امرأةٍ قتلتَ أباها وزوجَها وقومَها، وهي حديثةُ عهدٍ بكفرٍ.

وأتى بكنانةَ بن الربيع وكان عندَه كنز ليهود بني النَّضير [فسأله عنه] فجحدَه، فقال للزُّبير عذِّبْه، فكان يقدحُ بزندٍ على صدرهِ حتَّى أشرف على نفسه، ثمَّ دفعَه لمحمد بن مسلمة فقتلَه.

ونهاهم عن أكلِ الحُمُر الأهليَّة، وعن إتيان الحبالى، وقال (( لا يحلُّ لامرئٍ يؤمنُ بالله واليوم الآخر أن يسقيَ ماؤه زرعَ غيره ) ).

ثمَّ انتهى إلى حصنِهِم الوطيح _ بحاء مهملة _ والسُّلالم _ بسين مهملة مضمومة وقيل مفتوحة وكسر اللام _، وكان آخر الحصون افتتاحًا، فحاصرهُم بضع عشرة ليلة، وخرج مَرْحب _ بفتح الميم والحاء _ من حصنهم، وهو يَخْطِرُ بسيفه، ونادى من يبارزُ، وهو يرتجز ويقول

~قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ

~أَطْعَنُ أَحْيَانًا وَحِيْنًا أَضْرِبُ إِذَا اللُّيُوثُ أَقْبَلَتْ تَحَرَّبُ

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من لهذا؟ ) )قال محمد بن مسلمة أنا، قال (( قم إليه، اللَّهمَّ أعنه عليه ) )فبرز كلٌ منهما لصاحبه، فحملَ مَرْحب على محمد فاتَّقاه بدرقته، فوقع سيفه فيها وضربه محمد فقتلَه، وقيل إنما قتلَه عليٌّ رضي الله عنه حين خرجَ، وهو يرتجزُ ويقول

~أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيْهِ المَنْظَرَهْ

~أُوَفِّيْهِمُ [2] بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ

وهي شجرة يُصنعُ منها مكاييل عظام، ثمَّ خرج بعد مَرْحب أخوه ياسر، وهو يقول

~قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي يَاسِرُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَاوِرُ

~إِذَا اللُّيُوثُ أَقْبَلَتْ تُبَادِرُ وَأَحْجَمَتْ عَنْ صَوْلَتِي المَسَاوِرُ

~إِنَّ حُسَامِي فِيْهِ مَوْتٌ حَاضِرُ

وقال من يبارز؟ فخرج إليه الزُّبير، فقالتْ أمُّه أيقتل ابني يا رسول الله؟ قال (( بل ابنك يقتلُه إن شاء الله ) )، فخرجَ إليه، وهو يقول

~قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي زَبَّارْ قَرْمٌ لِقَوْمٍ غَيرُ نَكْسٍ فَرَّار

~ابْنُ حُمَاةِ الْمَجْدِ وَابْنُ الْأَخْيَارْ يَاسِرُ لَا يَغْرُرْكَ [3] جَمْعُ الْكُفَّارْ

ج 18 ص 200

~فَجَمْعُهُمْ مِثْلُ السَّرَابِ الْجَارْ

ثمَّ التقيا فقتله الزبير ثمَّ اشتدَّ الحصار، وكانت الشَّقيقة تأخذُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فيمكث اليوم واليومين لا يخرجُ، فأخذته بخيبر فلم يخرجْ، فأرسل أبا بكر رضي الله عنه فقاتلَ قتالًا شديدًا، ثمَّ رجعَ ولم يكن فَتْحٌ ثمَّ أرسلَ عمر رضي الله عنه فقاتلَ أشدَّ من الأول فلم يكنْ فَتْحٌ، وكانت الغلبةُ لليهود في اليومين، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (( لأعطينَّ الرَّاية غدًا لرجلٍ، يُحبُّ الله ورسوله ويُحبُّه الله ورسوله، يفتحُ الله على يديهِ ليس بفرَّار ) ). فبات الناس يدوكون _ بدال مهملة _؛ أي يختلطون ويختلفون ليلتهم أيُّهم يُعطاها، فلمَّا أصبحوا غدوا عليه كلهم يرجو أن يُعطاها، قال عمر رضي الله عنه ما أحببت الإمارة لي قط إلَّا يومئذٍ، قال عمر رضي الله عنه فدعا عليًا رضي الله عنه وهو أرمدَ قد عصَّب عينيه فتفلَ في عينيه ثمَّ قال (( خذْ هذه الرَّاية فامضِ حتَّى يفتحَ الله عليك ) )، فقال أقاتلُهم حتَّى يكونوا مثلنا؟ فقال (( انفذْ على رسلك حتَّى تنزلَ بساحتِهِم، ثمَّ ادعهم إلى الإسلامِ وأخبرهم بما يجبُ عليهم من حقِّ الله وحقِّ رسوله، فوالله لأن يهديَ الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمْر النَّعم ) ).

وفي رواية أنَّه قال له (( اذهبْ فقاتلهم حتَّى يفتحَ الله عليك ولا تلتفتْ ) )، فخرج يهرولُ حتَّى ركزها تحت الحصن فاطَّلع يهودي، فقال من أنت؟ قال عليٌّ، قال علوتُم، وما أُنزل على موسى، فخرج إليه أهله فقاتلَهم فضربَه يهودي فطرحَ ترسَه من يدهِ، فتناول بابًا كان عند الحصنِ فتترَّس به، فلم يزل في يدهِ وهو يقاتلُ حتَّى فتحَ عليه فاجتمعَ ثمانية _ وقيل أربعون _ على أن يقلبوا ذلك الباب فما أمكنهم، ثمَّ حاصرَ أهل الوطيح والسُّلالم.

وكان آخر الحصون فتحًا، حتَّى إذا أيقنوا بالهلكةِ سألوه أن يُسيِّرهم ويحقنَ دماءهم ففعلَ، فسمعَ بذلك أهل فَدَك فسألوه في ذلك، فلمَّا نزل أهل خيبر على ذلك سألوه أن يعاملَهم على نصف ما خرجَ منها من تمر وزرعٍ فصالحهم عليه على أنَّا إذا شئنا إخراجكُم أخرجناكُم، فكانت خيبرُ فيئًا للمسلمين، وكانت فَدَك خالصةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛

ج 18 ص 201

لأنَّهم لم يوجفوا بخيلٍ ولا ركابٍ.

فلمَّا اطمأن أهدتْ له زينبُ بنت أخي مَرْحب امرأة سلَّام بن مِشْكم شاةً مصلية؛ أي مشويَّة وسمَّتها، فتناول منها قطعة ولم يسغها ومعه بشر بن البراء فتناولَ مضغة فأساغَها، ثمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ العظم يخبرني أنَّه مسمومٌ ) )ثمَّ دعا بها فاعترفتْ، وقالت قتلت ابني الحارث، وعمِّي ياسرًا، وأبي الزُّبير، وزوجي سلَّام، وقلت إن كان ملكًا استرحنَا منه، وإن كان نبيًا فستُخْبره فتجاوز عنها، ومات بشرٌ واحتجمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على كاهلهِ يومئذٍ، ثمَّ بقي بعدها ثلاث سنين حتَّى كان وجعه الَّذي مات فيه، وقال هذا أوان انقطاعِ أبهري من ذلك السُّم، فكانوا يرون أنَّه مات شهيدًا مع ما أكرمَه الله تعالى به من النُّبوة.

وما ذكر أنَّه عفا عنها هو ما في رواية. وفي رواية أخرى أنَّه لما مات بشر قتلَها، ولا تعارض؛ لأنَّه عفا عنها لحقِّه، فلمَّا مات بشر قتلها به، وقال جمع أنَّها أسلمتْ فتركها، فلمَّا مات قتلَها قصاصًا، وأكله من اللَّحم المسموم لا يعارض قوله تعالى {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة 67] لأنَّ الآية نزلت بعد ذلك عام تبوك، ثمَّ إنَّه أقام بخيبر ستَّة أشهر، وقيل أربعون يومًا، ثمَّ انصرفَ إلى وادي القرى [فحاصر أهله] وهم يهود ليالي، وقتل منهم أحد عشر رجلًا، وأصاب منهم أثاثًا ومتاعًا، فخمَّسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك الأرض والنَّخل في أيدي يهود، وعاملهم على نحو ما عاملَ عليه أهل خيبر صُلحًا أو عنوة، وجمع بينهما بأن بعضها فتح صُلحًا وبعضها عنوة، والله تعالى أعلم.

ج 18 ص 202

[1] في هامش الأصل قوله مطلقًا أي سواء كان غزاها بنفسه أو بعث سرية. منه.

[2] في هامش الأصل في رواية أوفيهم بالسيف. وفي رواية أخرى أكيلهم بالسيف.

[3] في هامش الأصل أصله لا يغررك فخفف مثل ظلت. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت