371 - (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّورقي، هذا شروع في وصل الحديث الذي علقه فيما قبل [خ¦371 قبل] وهو قوله وقال أنس حسر النبي صلى الله عليه وسلم عن فخذه، وإنما علقه أولًا مع كونه يذكره متصلًا بكماله للإشارة إلى ما ذهب إليه أنس من أن الفخذ ليست بعورة بعد ما ذكر ما ذهب إليه ابن عباس وجَرْهَد ومحمد ابن جحش أنَّها عورة، وللمحاكمة بينهما كما سبق تفصيله.
(قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) بضم المهملة وفتح اللام وتشديد المثناة التحتية، وهو مشهور باسم أمه، وأمَّا أبوه فاسمه إبراهيم بن سهم بن مِقْسم البصري، وفي رواية الأَصيلي .
(قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) بضم المهملة وفتح الهاء على صيغة التصغير، البناني البصري الأعمى (عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية رضي الله عنه.
ورجال هذا الإسناد قد تقدموا في باب «حب الرسول من الإيمان» ، [خ¦15] وهم ما بين كوفي وبصري، وأصل الدورقي من الكوفة وليس هو من بلد دورق، وإنَّما كان يلبس قلنسوة دورقية فنسب إليها.
وأخرجه المؤلف في النكاح [خ¦5085] ، والمغازي [خ¦4197] ، وأبو داود في «الجراح» ، والنسائي في «النكاح» و «الوليمة» .
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا خَيْبَرَ) غير منصرف للعلمية والتأنيث؛ يعني غزا بلدةً تسمى خيبرَ، وخيبرُ بلغة اليهود الحصن، وقيل أول ما سكن فيها رجل من بني إسرائيل يسمى خيبرَ فسميت به، وهي بلد عترة في جهة الشمال والشرق من المدينة النبوية على ست مراحل، ولها نخيل كثير، وكانت في صدر الإسلام دارًا لبني قريظة والنضير، وكانت غزوة خيبر في جمادى الأولى سنة سبع من الهجرة، قاله ابن سعد.
وقال ابن إسحاق أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم وخرج في بقيته غازيًا إلى خيبر، ولم يبق من السنة السادسة إلَّا شهر وأيام.
(فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا) خارجًا منها (صَلاَةَ الْغَدَاةِ) أي الصبحَ، وفيه جواز إطلاق ذلك على صلاة الصبح خلافًا لمن كرهه من الشافعية (بِغَلَسٍ) بفتح الغين واللام، وهو ظلمة آخر الليل (فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مركوبه، وعن أنس ابن مالك رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قريظة والنضير على حمار، ويوم خيبر على حمار مخطوم برسن ليف، وتحته إكاف من ليف، رواه
ج 3 ص 74
البيهقي والترمذي وقال وهو ضعيف.
وقال ابن كثير والذي ثبت في الصحيح عند البخاري [خ¦371] أي الحديث الذي نحن فيه عن أنس رضي الله عنه أنَّ رسول صلى الله عليه وسلم أجرى في زقاق خيبر حتى انحسر الإزار عن فخذه، فالظاهر أنَّه كان يومئذٍ على فرس لا على حمار.
ولعل ذلك الحديث إن كان صحيحًا فهو محمول على أنَّه ركبه في بعض الأيام وهو محاصرها.
(وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ) هو زيد بن سهل الأنصاري، شهد العقبة والمشاهد كلَّها، وهو أحد النقباء، روي له اثنان وتسعون حديثًا، روى البخاري منها ثلاثة [خ¦3065] [خ¦3322] [خ¦3976] [خ¦4068] [خ¦5949] [خ¦5958] ، مات سنة اثنتين أو أربع وثلاثين بالمدينة، أو بالشام، أو في البحر، وكان أنس رضي الله عنه ربيبه.
(وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ) جملة اسمية حالية، وفيه جواز الإرداف وذلك إذا كانت الدابة مطيقة (فَأَجْرَى) من الإجراء (النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مركوبه (فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ) بضم الزاي وبالقافين، وهي السكة، يذكر ويؤنث، والجمع أزقة وزُقَّان _ بضم الزاي وتشديد القاف _.
وفي (( الصحاح ) )قال الأخفش أهل الحجاز يؤنثون الطريق والصراط والسبيل والسوق والزقاق، وبنو تميم يذكرون ذلك كله، والجمع الزقَّان والأزقَّة.
(وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ) بفتح الميم (فَخِذَ نَبِيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ حَسَرَ) على البناء للفاعل (الإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ) الشريف عند سوق مركوبه ليتمكن من ذلك (حَتَّى أَنِّي أنْظرُ) وفي رواية بزيادة لام التأكيد المفتوحة (إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيّ اللهِ صلى الله عليه وسلم) اعلم أنَّ قوله (( حسر ) )ضبط على البناء للفاعل في أكثر النسخ، وصوبه الحافظ العسقلاني مستدلًا بالتعليق السابق وهو قوله (( قال أنس حسر النبي صلى الله عليه وسلم عن فخذه ) )، وضبطه الزركشي على البناء للمفعول بدليل رواية أحمد في (( مسنده ) )من رواية إسماعيل ابن علية «فانحسر» .
وكذا وقع في رواية مسلم، وكذا رواه الطبراني عن يعقوب بن إبراهيم شيخ البخاري في هذا الموضع.
وروى الإسماعيلي هذا الحديث عن القاسم بن زكريا، عن يعقوب بن إبراهيم ولفظه (( فأجرى نبي الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر إذ خر الإزار ) )ولا شك أنَّ الخرور هنا بمعنى الوقوع فيكون لازمًا، وكذلك الانحسار في رواية مسلم وهو الأصوب؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يكشف إزاره عن فخذه قصدًا، وإنما
ج 3 ص 75
انكشف عن فخذه لأجل الزحام أو لقوة إجرائه صلى الله عليه وسلم.
وقال الحافظ العسقلاني ما حاصله إنه لا يلزم من وقوعه كذلك في رواية مسلم أن لا يقع عند البخاري على خلافه.
وقال محمود العيني اللائق بحاله الكريمة أن لا ينسب إليه كشف فخذه قصدًا مع ثبوت قوله صلى الله عليه وسلم (( الفخذ عورة ) )على ما تقدم.
ولعلَّ أنسًا رضي الله عنه لما رأى فخذ النبي صلى الله عليه وسلم مكشوفًا ظنَّ أنَّه صلى الله عليه وسلم كشفه، فأسند الفعل إليه، وفي نفس الأمر لم يكن ذلك إلا من أجل الزحام، أو من قوة إجرائه عليه السلام كما قدمنا.
وقال الكرماني وفي بعضها؛ أي وفي بعض النسخ، أو في بعض الروايات بدل (( عن فخذه ) )فالمعنى حينئذٍ حسر الإزار الكائن على فخذه، فلا يتعلق «حسر» إلا أن يقال حروف الجر يقام بعضها مُقام بعض.
وقال محمود العيني إن صحت هذه الرواية يجوز أن يكون «على» بمعنى «من» كما في قوله تعالى {إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} [المطففين 2] أي من الناس، فافهم.
(فلمَّا دَخَلَ) صلى الله عليه وسلم (القريةَ) أي قرية خيبر، وهذا مشعر بأنَّ ذلك الزُّقاق كان خارج القرية (قَالَ اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ) أي صارت خرابًا، يحتمل أن يكون ذلك على سبيل الخبرية، فيكون من باب الإخبار بالغيب، أو أنْ يكون على جهة الدعاء عليهم والتفاؤل لما رآهم أنَّهم خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم التي هي من آلات الهدم، ويجوز أن يكون أخذ من اسمها، وقيل إن الله أعلمه بذلك.
(إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ) قال الجوهري ساحة الدار باحتها بالحاء المهملة؛ أي فناؤها، والجمع ساح وساحات وسوح أيضًا مثل بدنة وبدن وخشبة وخشب، وعلى هذا أصل ساحة سَوَحَةَ _ بفتحات _ (فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ) بفتح الذال المعجمة، والصباح مستعار من صباح الجيش المبيت لوقت نزول العذاب، ولما كثرت فيهم الهجوم والغارة في الصباح سمَّى الغارة صباحًا وإن وقعت في وقت آخر.
(قَالَهَا) أي قال هذه الكلمة صلى الله عليه وسلم (ثَلاَثًا، قَالَ) أنس رضي الله عنه (وَخَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ) أي لأعمالهم التي كانوا يعلمونها، فكلمة «إلى» بمعنى اللام، ويجوز أن يقدر المضاف؛ أي إلى مواضع أعمالهم (فَقَالُوا مُحَمَّدٌ) أي هذا محمد أو جاء محمد.
(قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ) أي ابن صهيب الراوي عن أنس (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا) هو محمد بن سيرين؛ لأنَّ البخاري
ج 3 ص 76
أخرجه من طريقه أيضًا [خ¦4198] ، أو هو ثابت البناني فإنَّ مسلمًا أخرجه من طريقه أو هو غيرهما، فعلى كل حال لا يخرج عن الجهالة.
والحاصل أنَّ عبد العزيز قال سمعت من أنس رضي الله عنه قالوا محمَّدٌ! وقال بعض أصحابه قالوا محمد (وَالْخَمِيسُ) بالرفع عطفًا على محمد، ويجوز أن تكون الواو فيه بمعنى مع، على معنى جاء محمد مع الخَميس، وهو _ بفتح الخاء المعجمة _، وقد فسره عبد العزيز أو من دونه بقوله
(يَعْنِي الْجَيْشَ) فهذا التفسير مدرج، وسمِّي الجيش خميسًا؛ لأنَّه خمسة أقسام مقدمة، وساقة، وقلب، وجناحان؛ أي ميمنة وميسرة.
وقال ابن سيده لأنَّه يخمس ما وجده من الغنيمة.
وقال الأزهري الخمس إنَّما ثبت بالشرع، وقد كان أهل الجاهلية يسمونه بذلك ولم يكونوا يعرفون الخمس.
(قَالَ فَأَصَبْنَاهَا) أي خيبر (عَنْوَةً) بفتح المهملة وسكون النون؛ أي قهرًا، يقال أخذته عنوة؛ أي قسرًا، وقيل أخذه عنوة؛ أي عن غير طاعة.
وقال ثعلب أخذت الشيء عنوة؛ أي قهرًا في عنف، وأخذته عنوة؛ أي صلحًا في رفق.
وقال ابن التين ويجوز أن يكون عن تسليم من أهلها وطاعة بلا قتال، ونقله عن القزاز في (( جامعه ) )فعلى هذا يكون هذا اللفظ من الأضداد.
وقال أبو عمر الصحيح أنَّ أرض خيبر كلها فتحت عَنْوة.
وقال المنذري اختلفوا في فتح خيبر كان عنوة أو صلحًا أو جلاء أهلها عنها بغير قتال، أو بعضها صلحًا وبعضها عنوة وبعضها جلاء أهلها عنها قال وهو الصحيح، وبهذا أيضًا يندفع التضاد بين الآثار.
(فَجُمِعَ) على البناء للمفعول (السَّبْيُ) أي المَسْبِيُّ (فَجَاءَ دحْيَةُ) بفتح الدال وكسرها، وفي رواية وهو ابن خليفة بن فروة الكلبي، وكان أجمل الناس وجهًا، وكان جبريل عليه السلام يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورته، وقد تقدم ذكره مستوفىً في قصة هرقل [خ¦7] .
(فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ قَالَ) وفي رواية أي صلى الله عليه وسلم (اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً) منه، يحتمل أن يكون إذنه له في أخذ الجارية على سبيل التنفيل له إما من أصل الغنيمة أو من خمس الخمس بعد أن ميز، أو قبله على أن يحتسب منه، وأن يكون أذن له ليقوم عليه بعد ذلك ويحتسب من سهمه.
وقال الكرماني إن صفى المغنمُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فله أن يعطيَه لمن شاء عليه السلام.
وقال محمود العيني هذا غير مقنع؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم قال له ذلك قبل أن يعين الصفي.
(فَأَخَذَ) أي فذهب فأخذ (صَفِيَّةَ) بفتح الصاد المهملة، وكان اسمها زينب
ج 3 ص 77
(بنْتُ حُيِّ) بضم الحاء المهملة وكسرها وفتح المثناة التحتية الأولى المخففة وتشديد الثانية، هو ابن أخطب بن سَعْيَة _ بفتح السين المهملة وسكون العين المهملة وفتح الياء آخر الحروف _، وهي من بنات هارون عليه السلام وأمها برة بنت سمول.
قال الواقدي ماتت في خلافة معاوية رضي الله عنه سنة خمسين.
وقال غيره ماتت في خلافة علي رضي الله عنه سنة ست وثلاثين، ودفنت بالبقيع، وكانت تحت كنانة بن أبي الحُقَيق _ بضم الحاء المهملة وفتح القاف _ قتل يوم خيبر، روي لها عشرة أحاديث للبخاري واحد منها [خ¦3281] وينظر [خ¦7171] فإنه قال في آخرة عن علي يعني ابن حسين عن صفية عن البنمي.
(فَجَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسمه (إِلَى النَّبِيِّ صلى عليه وسلم فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ) بضم القاف وفتح الراء وسكون الياء المثناة التحتية وبالظاء المعجمة (وَالنَّضِيرِ) بفتح النون وكسر الضاد المعجمة، وهما قبليتان عظيمتان من يهود خيبر، وقد دخلوا في العرب على نسبهم إلى هارون عليه السلام.
(لاَ تَصْلُحُ إِلاَّ لَكَ) لكونها من بيت النبوة لكونها من ولد هارون عليه السلام، ومن بيت الرئاسة لكونها سيدة قريظة والنضير مع ما كانت عليه من الجمال الباعث على كثرة النكاح المؤدية إلى كثرة النسل، وإلى جمال الولد لا للشهوة النفسانية؛ فإنَّه صلى الله عليه وسلم معصوم منها، والنبي صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق في هذه الأوصاف، بل في جميع الأخلاق الحميدة.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (ادْعُوهُ) بضم الهمزة؛ أي ادعوا دحية (بِهَا) أي بصفية، فدعوه (فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيْرَهَا) أي غير صفية وارتجعها منه.
قال المازري ما حاصله أنَّ استرجاع النبي صلى الله عليه وسلم صفية منه محمول على أنَّه إنما كان أذن له في أخذ جارية من حشو السبي لا في أخذ أفضلهن، فلما رآه أنَّه أخذ أنفسهن نسبًا، وأجودهن شرفًا وجمالًا استرجعها؛ لئلاَّ يتميز دحية بها على سائر الجيش مع أنَّ فيهم من هو أفضل منه.
وفيه أيضًا انتهاكها مع علو رتبتها، وربما يترتب على ذلك شقاق أو غيره فقطع هذه المفاسد واصطفاها لنفسه وعوضه عنها.
وفي (( سير الواقدي ) )أنه صلى الله عليه وسلم
ج 3 ص 78
أعطاه أخت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وكان كنانة زوج صفية فكأنَّه صلى الله عليه وسلم طيَّب خاطره لما استرجع منه صفيَّة بأن أعطاه أخت زوجها.
وأجاب عنه الكرماني بثلاثة أجوبة
الأول أنَّه لم يتم عقد الهبة بعد، وفيه نظر؛ لأنَّه لم يجر عقد هبة حتى يقال أنَّه رجع عنها، وإنَّما كان إعطاؤه إياها بوجه من الوجوه الذي ذكرت.
والثاني أنَّه أبو المؤمنين وللوالد يرجع عن هبة الولد، وفيه أيضًا نظر؛ لأنَّه لا يمشي ما ذكره في مذهب غيره.
والثالث أنَّه اشتراها منه، وفيه أيضًا أنَّه لم يجر بينهما عقد فكيف اشتراها منه؟.
فإن قيل قد وقع في رواية مسلم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم اشترى صفية منه بسبعة أرؤس.
فالجواب أنَّ إطلاق الشراء على ذلك على سبيل المجاز؛ لأنَّه لما أخذها منه على الوجه الذي ذكر وعوضه عنها بسبعة أرؤس على سبيل التكرم والتفضل أطلق الراوي الشراء عليه لوجود معنى المبادلة فيه، وليس في قوله «بسبعة أرؤس» ما ينافي قوله خذ جارية؛ إذ ليس هنا دلالة على نفي الزيادة.
هذا؛ وقال القاضي الأولى عندي أنَّ صفية كانت فيئًا؛ لأنَّها كانت زوجة كنانة بن الربيع وهو وأهله من بني أبي الحقيق، وكانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرط عليهم أن لا يكتموا كنزًا فإن كتموه فلا دم لهم، وسألهم عن كنز حيي بن أخطب فكتموه وقالوا أذهبته النفقات، ثم عثر عليه عندهم فانتقض عهدهم فسباهم، وصفية من سبيهم فهي فيء لا يخمس بل يفعل فيه الإمام ما رأى. انتهى.
وأنت خبير بأنَّه على مذهبه أنَّ الفيء لا يخمس، وأما مذهب غيره فهو أنَّه يخمس.
(قَالَ) أنس رضي الله عنه (فَأَعْتَقَهَا) أي صفيةَ (النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَزَوَّجَهَا، فَقَالَ لَهُ) أي لأنس رضي الله عنه (ثَابِتٌ) البناني (يَا أبَا حَمْزَةَ) بالحاء المهملة وبالزاي هو كنية أنس رضي الله عنه.
(مَا أَصْدَقَهَا) أي أي شيء جعل صداقها النبيُّ صلى الله عليه وسلم؟ (قَالَ) أنس رضي الله عنه أصدقها (نَفْسَهَا) أي (أَعْتَقَهَا) بلا عوض (وَتَزَوَّجَهَا) بلا مهر أو جعل نفس العتق صداقها، وبه أخذ الإمام أحمد والحسن وابن المسيب وغيرهم، والجمهور على أنَّه من خصائصه صلى الله عليه وسلم، وسيجيء التفضيل في ذلك إن شاء الله تعالى.
(حَتَّى إِذَا كَانَ) صلى الله عليه وسلم (بِالطَّرِيقِ) جاء في (( الصحيح ) )فخرج بها حتى بلغنا سدَّ
ج 3 ص 79
الرَّوحاء [خ¦2235] ، والسُّدُّ _ بفتح السين وضمها _ وهو جبل الروحاء وهي قرية لمزينة على نحو أربعين ميل من المدينة أو نحوها.
والرَّوحاء _ بفتح الراء وبالحاء المهملة ممدود _، وفي رواية «أقام عليها بطريق خيبر ثلاثة أيام يبني بصفية» [خ¦4213] .
(جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ) بضم السين المهملة، هي أم أنس رضي الله عنهما (فَأَهْدَتْهَا لَهُ) أي زفت أم سليم صفية لرسول الله صلى الله عليه وسلم (مِنَ اللَّيْلِ) أي في الليل.
وقال الكرماني وفي بعضها؛ أي النسخ أو الروايات بغير همز، وقيل هذا هو الصواب.
قال الجوهري الهداء مصدر قولك هديت أنا المرأة إلى زوجها هداءً.
(فَأَصْبَحَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرُوسًا) على وزن فعول يستوي فيه المذكر والمؤنث ما داما في إعراسهما، يقال رجل عروس وامرأة عروس، وجمع المذكر عرس وجمع المؤنث عرائس، وفي المثل كاد العروس أن يكون ملكًا.
والعروس أيضًا اسم حصن باليمن، وقول العامة العروس للرجل، والعريس للمرأة ليس له أصل.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ) كذا هو في أكثر النسخ، وفي بعضها بنون الوقاية (وَبَسَطَ) بفتحات (نِطَعًا) بكسر النون وفتح الطاء المهملة، وعن أبي عبيد هو الذي اختاره ثعلب في «الفصيح» .
وفي (( المخصص ) )فيه أربع لغات نَطْع _ بفتح النون وسكون الطاء _، ونَطَع _ بفتحتين _، ونِطَع _ بكسر النون وفتح الطاء _، ونِطْع _ بكسر النون وسكون الطاء _، وجمعه أنطاع ونطوع، وزاد في (( المحكم ) )أنطع.
وقال أبو عمر الشيباني في (( نوادره ) )النطع هو المنباة والستارة.
وقال ابن قتيبة المِنباة والمَنباة النطع.
(فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ، قَالَ) أي عبد العزيز بن صهيب (وَأَحْسِبُهُ) أي أحسب أنسًا رضي الله عنه (قَدْ ذَكَرَ السَّوِيقَ) وجزم عبد الوارث في روايته بذكر السويق.
(قَالَ) أي أنس رضي الله عنه (فَحَاسُوا) بمهلمتين؛ أي خلطوا أو اتخذوا (حَيْسًا) بفتح الحاء المهملة وسكون الياء المثناة التحتية وبالسين المهملة، هو الطعام المتخذ من التمر والسمن والأقط.
وقال ابن سيده الحيس هو الأقط يخلط بالتمر والسمن، وحاسه حيسًا وحيسه خلطه، قال الشاعر
~ وإذا تكُونُ كَرِيْهَة أدْعَى لَها وإذَا يحَاسُ الحَيْسُ يُدعَى جُنْدُب
ج 3 ص 80
وقال الجوهري الحيس الخلط ومنه سمي الحيس.
وفي (( المخصص ) )قال الشاعر
~التَّمر والسَّمْن جمِيعًا والأَقْط الحيس إلَّا أنَّه لم يَختَلط
وقد يخلط مع هذه الثلاثة غيرها كالسويق.
(فَكَانَتْ) بالفاء، وفي رواية بالواو؛ أي كانت الثلاثة المصنوعة حيسًا (وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي طعام عرسه من الولم وهو الجمع، سمي به لاجتماع الزوجين.
وفي الحديث فوائد غير ما ذكر
منها استحباب التكبير والذكر عند الحرب وهو موافق لقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} [الأنفال 45] ، ومنها استحباب التثليث في التكبير لقوله (( قالها ثلاثًا ) )أي ثلاث مرات، ومنها أن فيه دلالة على أنَّ الفخذ ليست بعورة، وقد سبق تحقيقه.
ومنها أنَّ إجراء الفرس يجوز ولا يخل بمراتب الكبار ولاسيما عند الحاجة أو لرياضة الدابة، أو لتدريب النفس على القتال، ومنها استحباب إعتاق السيد أمته وتزوجها، وقد صح أنَّ له أجرين كما جاء في حديث أبي موسى وسيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦3011] .
قال ابن حزم اتفق ثابت وقتادة وعبد العزيز بن صهيب عن أنس رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها، وبه قال قتادة في رواية، وأخذ بظاهره أحمد والحسن وابن المسيب ولا يجب لها مهرٌ غيره.
وتبعهم ابن حزم فقال هو سنة فاضلة، ونكاح صحيح، وصداق صحيح فإن طلقها قبل الدخول فهي حرة ولا يرجع عليها بشيء، ولو أبت أن تتزوجه بطل عتقها، وفي هذا خلاف متأخر ومتقدم.
قال الطحاوي حدثنا محمد بن خزيمة، قال حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال أنا أبان وحماد بن زيد قالا أخبرنا شعيب بن الحبحاب، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها، وأخرج مسلم نحوه. وأخرجه الترمذي، وأبو داود، والنسائي.
ثم قال الطحاوي فذهب قوم إلى أنَّ الرجل إذا أعتق أمته على أن عتقها صداقها جاز ذلك، فإن تزوجت فلا مهر لها غير العتاق، وأراد بهؤلاء القوم سعيد ابن المسيب، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وعامر الشعبي، والأوزاعي، ومحمد بن مسلم الزهري، وعطاء بن أبي رباح، وقتادة، وطاوسًا، والحسن بن حي،
ج 3 ص 81
وأحمد، وإسحاق فإنهم قالوا إذا أعتق الرجل أمته على أن يكون عتقها صداقها جاز ذلك، فإذا عقد عليها لا تستحق عليه مهرًا غير ذلك العتاق، وممن قال بذلك سفيان، وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، وذكر الترمذي أنَّه مذهب الشافعي أيضًا.
وقال القاضي عياض قال الشافعي هي بالخيار إذا أعتقها، فإن امتنعت من تزويجه فله عليها قيمتها؛ إذ لم يمكن الرجوع فيها وإن تزوجت بالقيمة الواجبة له عليها صح بذلك عنده.
وفي كتاب (( الأحكام ) )لابن بزيزة في هذه المسألة اختلف سلف الصحابة، وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يراه، وقد روينا جوازه عن علي، وأنس، وابن مسعود رضي الله عنهم، وروينا عن ابن سيرين أنَّه استحب أن يجعل مع عتقها شيئًا ما، وصح كراهة ذلك أيضًا عن الحسن البصري وجابر بن زيد والنخعي.
وقال النخعي كانوا يكرهون أن يعتق الرجل جاريته لله ثم يتزوجها، وجعلوه كالراكب بدنته.
وقال الليث بن سعد وابن شبرمة وجابر بن زيد وأبو حنيفة ومحمد وزفر ومالك ليس لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل هذا فيتم له النكاح بغير صداق، وإنَّما كان ذلك من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ الله تعالى جعل له أن يتزوج بغير صداق، وكان له أن يتزوج على العتاق الذي ليس بصداق، ثم إن فعل هذا وقع العتاق ولها عليه مهر المثل، فإن أبت أن تتزوجه تسعى له في قيمتها عند أبي حنيفة ومحمد.
وقال مالك وزفر لا شيء له عليها.
وفي (( الأحكام ) )وقال الشافعي وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن إن كرهت نكاحه غرمت له قيمتها ومضى النكاح، فإن كانت معسرة استسعت في ذلك.
وقال مالك وزفر إن كرهت فهي حرة ولا شيء له عليها إلَّا أن يقول لا أعتق إلَّا على هذا الشرط، فإن كرهت لم تعتق؛ لأنَّه من باب الشرط والمشروط.
ثم إنَّ الطحاوي استدل على الخصوصية بقوله تعالى {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ} [الأحزاب 50] الآيةَ.
ووجه الاستدلال أنَّ الله تعالى لما أباح لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بغير صداق كان له أن يتزوج على العتاق الذي ليس بصداق، ومما يؤيد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ جويرية بنت الحارث في غزوة بني المصطلق فأعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها رواه الطحاوي
ج 3 ص 82
من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
ثم روي عن عائشة رضي الله عنها كيف كان إعتاقه صلى الله عليه وسلم جويرية التي تزوجها عليه وجعل عتقها صداقها قالت ولما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له، فكاتبت على نفسها قالت وكانت امرأة حلوة [1] ملَّاحة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم لتستعينه في كتابتها فوالله ما هي إلا أن رأيتها على باب الحجرة كرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت فقالت يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من الأمر ما لم يخف عليك فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، أو ابن عم له فكاتبته فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه على كتابتي، فقال (( هل لك في خير من ذلك؟ ) )قالت وما هو يا رسول الله؟ قال (( أقضي عنك كتابتك وأتزوجك ) )، قالت نعم، قال فقد فعلت وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية بنت الحارث، فقالوا صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرسلوا ما في أيديهم قالت فلقد أعتق بتزويجه إيَّاها مئة من أهل بيتٍ من بني المصطلق، فلا نعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها.
ورواه أبو داود، وفيه حكم يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره وهو أن يؤدي كتابة مكاتبة غيره ليعتق بذلك، ويكون عتقها مهرها لتكون زوجته، فهذا لا يجوز لأحد غير النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا إذا كان جائزًا للنبي صلى الله عليه وسلم فجعله عتق الذي تولَّى عتقه هو مهرًا لمن أعتقه أولى وأحرى أن يجوز.
ومن الفوائد أنَّ الزفاف في الليل، وقد جاء أنَّه عليه السلام دخل عليها نهارًا، ففيه جواز الأمرين، ومنها مطلوبية الوليمة للعرس وأنَّها بعد الدخول.
وقال النووي ويجوز قبله وبعده، والمشهور عندنا أنَّها سنة، وقيل واجبة، وعندنا إجابة الدعوة سنَّة سواء كانت وليمة أو غيرها، وبه قال أحمد ومالك في رواية.
وقال الشافعي إجابة وليمة العرس واجبة وغيرها مستحبة، وبه قال مالك في رواية.
ومنها أنَّ فيه إدلال الكبير لأصحابه وطلب طعامهم في نحو هذا، ويستحب لأصحاب الزوج وجيرانه مساعدته في الوليمة بطعام من عندهم، ومنها أن الوليمة تحصل بأي طعام كان، ولا تتوقف على شاة، والسنة تقوم بغير لحم.
فائدة الوليمة عبارة
ج 3 ص 83
عن الطعام المتخذ للعرس، والوكيرة طعام البناء، والخرس طعام الولادة وما تطعمه النفساء نفسها خرسة، والإعذار طعام الختان، والنقيعة طعام القادم من سفره، وكلُّ طعام صنع لدعوة مأدبة، والدعوة الخاصة النَّقْرَى، والعامة الجَفَلى.
[1] في هامش الأصل قولها حلوة _ بالضم _ من الحلاوة، وقولها مُلَّاحة _ بضم الميم وتشديد اللام _ معناه شديد الملاحة وهو من أبنية المبالغة، وقال الزمخشري وكانت امرأة ملاحة _ بتخفيف اللام _ أي ذات ملاحة، وفعال مبالغة في فعيل نحو كريم وكرام وكبير وكبار، وفعال بالتشديد أبلغ منه. منه.