فهرس الكتاب

الصفحة 622 من 11127

372 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع (قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهاب (الزُّهْرِيِّ) أنه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزبير (أَنَّ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، ورواة هذا الحديث ما بين حمصي ومدني، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابية، وقد أخرجه المؤلِّف في «الصلاة» [خ¦578] ، وكذا مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.

(قَالَتْ) والله (لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْفَجْرَ، فَيَشْهَدُ) أي يحضر (مَعَهُ)

ج 3 ص 84

وفي رواية بلا فاء (نِسَاءٌ) جمع امرأة لا واحد له من لفظه (مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ) حال كونهن (مُتَلَفِّعَاتٍ) من التلفُّع _ بالعين المهملة _، وروي ملتففات _ بالفاء _ بدل _ العين _.

وقال الأصمعي التلفع بالثوب أن يشتمل به حتى يجلل به جسده، وهذا اشتمال الصماء عند العرب؛ لأنَّه لم يرفع جانبًا منه فيكون فيه فرجة، وهو عند الفقهاء مثل الاضطباع إلاَّ أنه في ثوب واحد.

وعن يعقوب اللفاع الثوب الذي تلتفع به المرأة؛ أي تلتحف به فيغيبها، وعن كراع هو الملفع أيضًا، وعن ابن دريد اللفاع الملحفة أو الكساء.

وقال أبو عمرو هو الكساء، وعن صاحب (( العين ) )تلفع بثوبه إذا اضطبع به وتلفع الرجل بالشَّيب كأنه غطى سواد رأسه ولحيته.

وفي (( شرح الموطأ ) )لابن حبيب التلفع أن يلقي الثوب على رأسه ثم يُلفُّ به، ولا يكون الالتفاع إلَّا بتغطية الرأس، وقد أخطأ من قال الالتفاع مثل الاشتمال، وأما التلفف فيكون مع تغطية الرأس وكشفه.

وفي (( المحكم ) )الملفعة ما يلفع به من رداء أو لحاف أو قناع، وفي (( المغيث ) )وقيل اللفاع النطع، وقيل الكساء الغليظ، وفي (( الصحاح ) )لفع رأسه تلفيعًا؛ أي غطاه، وفي بعض الروايات بالرفع على أنَّها صفة «نساءٌ» .

(فِي مُرُوطِهِنَّ) جمع مِرط _ بكسر الميم _، قال القزاز المرط ملحفة يتزر بها، والجمع أمراط ومروط، وقيل المرط كساء من خز أو صوف أو كتان، وقيل الثوب الأخضر.

وفي (( مجمع الغرائب ) )أكسية من شعر أسود. وعن الخليل هي أكسية معلمة. وقال ابن الأعرابي هو الإزار.

وقال النضر بن شميل لا يكون المرط إلا درعًا وهو من خز أخضر، ولا يسمى المرط إلا أخضر، ولا يلبسه إلا النساء.

وقال عبد الملك في (( شرح الموطأ ) )هو كساء من صوف رقيق خفيف مربع، كن النساء في ذلك الزمان يتَّزرن به ويلتفعن.

(ثُمَّ يَرْجِعْنَ مِنَ المَسْجِدِ إِلَى بُيُوتِهِنَّ، مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ) وفي (( سنن ابن ماجه ) )يعني من الغلس كما عند المؤلِّف في المواقيت [خ¦572] ، وعند مسلم ما يُعرفن من الغلس وهو ظلمة آخر الليل، ثم عدم معرفتهنَّ يحتمل أن يكون لبقاء ظلمة من الليل، أو لتغطيهنَّ بالمروط غاية التغطي، وقيل معنى ما يعرفهنَّ أحد ما يعرف أعيانهنَّ، وهذا بعيد.

والأوجه فيه أن يقال

ج 3 ص 85

ما يعرفهنَّ أحد؛ أي أنساء أم رجال، وإنما يظهر للرائي الأشباح خاصة.

ففي الحديث فوائد

منها أنَّ المرأة إذا صلت في ثوب واحد بالالتفاع جازت صلاتها، وقد استدل به على ذلك، فإن قيل لم لا يجوز أن يكون التفاعهنَّ في مروطهنَّ من فوق ثياب أخرَ فلا يتم الاستدلال به؟.

فالجواب أنَّ الحديث ساكت عن هذا بحسب الظاهر، ولكن الأصل عدم الزيادة، واختياره يؤخذ في عادته من الآثار التي يترجم بها.

وقال ابن بطال اختلفوا في عدد ما تصلي فيه المرأة من الثياب، فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي رحمهم الله تصلي في درع وخمار، وقال عطاء في ثلاثة درع وإزار وخمار.

وقال ابن سيرين في أربعة الثلاثة المذكورة وملحفة.

وقال ابن المنذر عليها أن تستر جميع بدنها إلَّا وجهها وكفيها سواء سترته بثوب واحد أو أكثر، ولا أحسب ما روي عن المتقدمين من الأمر بثلاثة أو أربعة إلا من طريق الاستحباب.

وزعم أبو بكر بن عبد الرحمن أنَّ كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها، وهو رواية عن أحمد.

وقال مالك والشافعي قدم المرأة عورة فإن صلت وقدمها مكشوفة أعادت في الوقت عند مالك، وكذلك إذا صلت وشعرها مكشوف، وعند الشافعي تعيد أبدًا.

وقال أبو حنيفة والثوري قدم المرأة ليست بعورة، فإن صلت وقدمها مكشوفة صحت صلاتها ولكن فيه روايتان عن أبي حنيفة رحمه الله.

ومنها أنَّه احتج به مالك والشافعي وأحمد وإسحاق أنَّ الأفضل في صلاة الصبح التغليس، ولنا أحاديث كثيرة في هذا الباب رويت عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم منهم رافع بن خديج، روى أبو داود من حديث محمود بن لبيد عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أَصبِحُوا بالصبح فإنَّه أعظم لأجركم، أو أعظم للأجر ) ).

ورواه الترمذي أيضًا وقال حديث حسن صحيح، ورواه النسائي وابن ماجه أيضًا.

قوله أصبحوا بالصبح أي نوروا به، ويروى (( أصبحوا بالفجر ) )ورواه ابن حبان في (( صحيحه ) )ولفظه (( أسفروا بصلاة الصبح فإنَّه أعظم للأجر ) )، وفي لفظ له (( فكلما أصبحتم بالصبح فإنَّه أعظم لأجركم ) ).

وفي لفظ للطبراني (( فكلما أسفرتم بالفجر فإنَّه أعظم للأجر ) )ومنهم محمود بن لبيد روى حديثه أحمد في (( مسنده ) )نحو رواية أبي داود، ولم يذكر فيه رافع بن خديج،

ج 3 ص 86

ومحمود بن لبيد صحابي مشهور على ما قيل.

ولكن قال محمود العيني قال المزيُّ محمود بن لبيد بن عصمة بن رافع ابن امرئ القيس الأوسي، ثم الأشهلي ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي صحبته خلاف. انتهى.

وقد ذكره مسلم في التابعين في الطبقة الثانية [1] ، وذكر ابن أبي حاتم أنَّ البخاري قال له صحبة، قال وقال أبي لا يعرف له صحبة، وقال أبو عمر قول البخاري أولى.

فعلى هذا يحتمل أنَّه سمع هذا الحديث من رافع فرواه أولًا عنه، ثم سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم فرواه عنه إلَّا أنَّ في طريقه أحمد بن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وفيه ضعف.

ومنهم بلال، روى حديثه البزار في (( مسنده ) )نحو حديث رافع، وفيه أيوب ابن سيار، وقال البزار فيه ضعف، ومنهم أنس رضي الله عنه، روى حديثه البزار أيضًا مرفوعًا ولفظه (( أسفروا بصلاة الصبح فإنَّه أعظم للأجر ) )، ومنهم قتادة بن النعمان روى حديثه الطبراني في (( معجمه ) )من حديث عاصم بن عمر بن قتادة ابن النعمان عن أبيه عن جده مرفوعًا نحوه، ورواه البزار أيضًا.

ومنهم ابن مسعود رضي الله عنه، روى حديثه الطبراني أيضًا عنه مرفوعًا نحوه، ومنهم أبو هريرة رضي الله عنه روى حديثه ابن حبان عنه مرفوعًا نحوه، ومنهم رجال من الأنصار، أخرج حديثهم النسائي من حديث محمود بن لبيد عن رجال من قومه من الأنصار أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال (( أسفروا بالصبح فإنه أعظم للأجر ) ).

ومنهم أبو هريرة وابن عباس رضي الله عنهم، أخرج حديثهما الطبراني من حديث حفص بن سليمان، عن ابن عباس وأبي هريرة (( لا تزال أمتي على الفطرة ما أسفروا بالفجر ) ).

ومنهم أبو الدرداء، أخرجه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبيد من حديث أبي الزاهرية، عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( أسفروا بالفجر تفقهوا ) ).

ومنهم حواء الأنصارية، أخرج حديثها الطبراني من حديث ابن بُجَيد الحارثي عن جدته الأنصارية وكانت من المبايعات قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( أسفروا بالفجر فإنَّه أعظم للأجر ) ).

وابن بُجَيد _ بضم الموحدة وفتح الجيم على صيغة التصغير _، ذكره ابن حبان في (( الثقات ) )، وجدته حواء بنت زيد بن السكن أخت أسماء بن زيد بن السكن.

فإن قيل كان ينبغي أن يكون الإسفار واجبًا لمقتضى

ج 3 ص 87

الأوامر فيه؟.

فالجواب أنَّ الأمر إنما يدل على الوجوب إذا كان مطلقًا مجردًا عن القرائن الصارفة إلى غيره، وهذه الأوامر ليست كذلك فلا يدل إلا على الاستحباب.

فإن قيل قد يؤول الإسفار في هذه الأحاديث بظهور الفجر، وقد قال الترمذي وقال الشافعي وأحمد وإسحاق معنى الإسفار أنَّ يَضيحَ [2] الفجر ولا يشك فيه، ولم يروا أنَّ الأسفار تأخيرُ الصلاة.

فالجواب أنَّ هذا التأويل غير صحيح، فإنَّ الغلس الذي يقولون به هو اختلاط ظلام الليل بنور النهار كما ذكره أهل اللغة، وقبل ظهور الفجر لا تصح صلاة الصبح صلاة الصبح، فثبت أنَّ المراد بالأسفار إنَّما هو التنوير؛ وهو التأخير عن الغلس وزوال الظلمة.

وأيضًا فقوله (( أعظم للأجر ) )يقتضي حصول الأجر في الصلاة بالغلس، فلو كان الإسفار هو وضوح الفجر وظهوره لم يكن في وقت الغلس أجرٌ؛ لخروجه عن الوقت.

وأيضًا يُبطل تأويلهم ذلك ما رواه ابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو داود الطيالسي في (( مسانيدهم ) )، والطبراني في (( معجمه ) )من حديث رافع بن خديج قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال (( يا بلال نور صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواقع نبلهم من الإسفار ) ).

وكذا ما رواه الإمام أبو محمد القاسم بن ثابت السرقسطي في كتاب (( غريب الحديث ) )حدثنا موسى بن هارون ثنا محمد بن عبد الأعلى ثنا المعتمر، سمعت بيانًا أبا سعيد قال سمعت أنسًا رضي الله عنه يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح حين يفسح البصر انتهى.

يقال فسح البصر وانفسح إذا رأى الشيء عن بعد؛ يعني به إسفار الصبح.

فإن قيل قد قيل إنَّ الأمر بالأسفار إنما جاء في الليالي المقمرة؛ لأنَّ الصبح لا يتبيَّن فيها جدًا فأمرهم بزيادة التَّبَيُّنُ استظهارًا باليقين في الصلاة.

فالجواب إن هذا تخصيصٌ بلا مخصص، ويرده أيضًا ما أخرجه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي ما اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر.

وأخرجه الطحاوي أيضًا في (( شرح الآثار ) )بسند صحيح ثم قال ولا يصح أن يجتمعوا على خلاف ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه. وما قاله ابن حزم أن خبر الأمر بالإسفار صحيح إلَّا أنَّه لا حجة لكم فيه إذا

ج 3 ص 88

أضيف إلى الثابت من فعله صلى الله عليه وسلم في التغليس حتى إنَّه لينصرف والنساء لا يعرفن.

ففيه أنَّ الثابت من فعله صلى الله عليه وسلم في التغليس لا يدل على الأفضلية؛ لأنَّه يجوز أن يكون غيره أفضل منه، وإنما فعل ذلك للتوسعة على أمته، بخلاف الخبر الذي فيه الأمر؛ لأنَّ قوله صلى الله عليه وسلم (( أعظم للأجر ) )أفعل التفضيل فيقتضي أجرين أحدهما أكمل من الآخر؛ لأنَّ صيغة أفعل تقتضي المشاركة في أصل الفعل مع رجحان أحد الطرفين فحينئذٍ يقتضي هذا الكلام حصول الأجر في الصلاة بالغلس، ولكن حصوله في الإسفار أعظم وأكمل، فلو كان الأسفار لأجل تقصِّي طلوع الفجر لم يكن في وقت الغلس أجر؛ لخروجه عن الوقت.

فإن قيل روى أبو داود من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم صلى الصبح بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك بالغلس حتى مات صلى الله عليه وسلم لم يعد إلى أن يسفر، ورواه ابن حبان أيضًا في (( صحيحه ) )كلاهما من حديث أسامة بن زيد الليثي.

فالجواب أنَّه يرده ما أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير وقتها إلَّا بجمع فإنَّه يجمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها. انتهى [خ¦1675] .

قالت العلماء يعني وقتها المعتاد في كل يوم لا أنَّه صلاها قبل الفجر، وإنما غلس بها جدًا، ويوضحه رواية البخاري والفجر حين بزغ [خ¦1675] ، وهذا دليل على أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يسفر بالفجر دائمًا وقلَّما صلاها بغلس، وبه استدل الشيخ في الإمام لأصحابنا الحنفية. على أنَّ أسامة بن زيد قد تكلم فيه

فقال أحمد ليس بشيء، وقال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي والدارقطني ليس بالقوي.

فإن قيل قد قال البيهقي رجح الشافعي حديث عائشة رضي الله عنها بأنَّه أشبه بكتاب الله عز وجل؛ لأنَّ الله تعالى يقول {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة 238] فإذا دخل الوقت فأولى المصلين بالمحافظة المقدِّمُ للصلاة، وإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأمر بأن تصلى صلاة في وقت يصليها هو في غيره، وهذا أشبه بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فالجواب أنَّ المراد من المحافظة هو المداومة على إقامة الصلوات

ج 3 ص 89

في أوقاتها، وليس فيها دليل على أنَّ أول الوقت أفضل، بل الآية دليل لنا؛ لأنَّ الذي يسفر بالفجر يترقب الإسفار من أول الوقت؛ فيكون هو المحافظ المداوم على الصلاة، ولأنَّه ربما تقع صلاته في التغليس قبل الفجرِ فلا يكون محافظًا للصلاة في وقتها.

فإن قيل جاء في الحديث (( أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله ) )وهو صلى الله عليه وسلم لا يؤثر على رضوان الله شيئًا، والعفو لا يكون إلا عن تقصير.

فالجواب أنَّ المراد من العفو الفضل كما في قوله تعالى {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة 219] أي الفضل فكأنَّ معنى الحديث _ والله أعلم _ إنَّ من أدى الصلاة في أول الوقت فقد نال رضوان الله وأمن من سخطه وعذابه؛ لامتثال أمره وأدائه ما وجب عليه، ومن أدى في آخر الوقت فقد نال فضل الله، ونيلُ فضل الله لا يكون بدون الرضوان، فكانت هذه الدرجة أفضل من تلك.

فإن قيل جاء في الحديث وسُئِل أيُّ الأعمال أفضل؟ فقال (( الصلاة في أول وقتها ) ) [خ¦527] وهو لا يدع موضع الفعل ولا يأمر الناس إلا به.

فالجواب أنَّ ذِكْرَ الأوَّل للحث والتحضيض والتأكيد على إقامة الصلوات في أوقاتها، والذي يؤدي في ثاني الوقت أو ثالثه أو رابعه كالذي يؤديها في أوله؛ لا أنَّ الجزء الأول له مزية على الجزء الثاني، أو الثالث أو الرابع، فحاصل المعنى الصلاة في أول وقتها أفضل الأعمال، ثم يتميز الجزء الثاني في صلاة الصبح عن الجزء الأول بالأمر الذي فيه الإسفار الذي يشعر بالتأخير عن الجزء الأول، هكذا قاله محمود العيني، وفيه تأمل.

ثم إنه قال ابن حازم في كتاب (( الناسخ والمنسوخ ) )قد اختلف أهل العلم في أنَّ الأفضل هو الإسفار أو التغليس، فرأى بعضهم أنَّ الإسفار هو الأفضل، وذهب إلى قوله (( أصبحوا بالصبح ) )، ورآه محكمًا.

وزعم الطحاوي أنَّ حديث الإسفار ناسخ لحديث التغليس، وإنَّهم كانوا يدخلون مغلسين ويخرجون مسفرين وليس الأمر كما ذهب إليه؛ لأنَّ حديث التغليس ثابت، وإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم داوم عليه حتى فارق الدنيا. انتهى.

وتعقَّبه محمود العيني بأنَّه يرده حديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي أخرجه البخاري ومسلم وقد ذكر من قبل [خ¦1675] ، وذكر أنَّ فيه دليلًا على أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يسفر بالفجر دائمًا، والأمر مثل ما ذكره الطحاوي وليس كما ذكره ابن حازم على أن اتفاق الصحابة رضي الله عنهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم على الإسفار

ج 3 ص 90

بالصبح _ على ما رواه الطحاوي بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعي أنه قال ما اجتمع أصحاب محمد على شيء ما اجتمعوا على التنوير _ دليلٌ خبر انَّ واضح على نسخ حديث التغليس؛ لأنَّ إبراهيم أخبر أنَّهم كانوا اجتمعوا على ذلك فلا يجوز عندنا _ والله أعلم _ اجتماعهم على خلاف ما قد فعله النبي صلى الله عليه وسلم إلَّا بعد نسخ ذلك وثبوت خلافه.

ومن تلك الفوائد جواز خروج النساء بشرط أمْن الفتنة عليهنَّ أو بهنَّ، وكرهه بعضهم للشواب.

وعند أبي حنيفة رحمه الله تخرج العجائز لغير الظهر والعصر، وعندهما يخرجن للجميع واليوم يكره للجميع؛ العجائز والشواب لظهور الفساد وعموم الفتنة، والله أعلم.

[1] قوله (( وقد ذكره مسلم في التابعين في الطبقة الثانية ) )ليس في (خ) .

[2] كذا في العمدة وفي جامع الترمذي (154) معنى الإسفار أن يَضِحَ الفجر فلا يُشك فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت