فهرس الكتاب

الصفحة 624 من 11127

373 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس، وينسب إلى جده لشهرته به (قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) الزهري، وفي رواية (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوام (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي الله عنها.

ورجال هذا الإسناد ما بين كوفي ومدني، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية، وقد أخرج متنه البخاري في اللباس أيضًا [خ¦5817] ، وأخرجه مسلم، والنسائي في «الصلاة» ، وأبو داود، وابن ماجه في «اللباس» .

(أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ) بفتح المعجمة وكسر الميم وبالصاد المهملة، كساء أسود مربع له علمان أو أعلام ويكون من خز أو صوف، ولا يكون خميصة إلَّا أن تكون سوداء معلمة، سُمِّيتْ بذلك للينها ورقتها وصغر حجمها إذا طويت، مأخوذ من الخمص، وهو ظهور البطن.

وقال ابن حبيب في (( شرح الموطأ ) )الخميصة كساء صوف أو مِرْعِزي مُعْلم الصِّنَعة.

(لَهَا أَعْلاَمٌ) جمع عَلَم _ بفتحتين _، والجملة صفة خميصة (فَنَظَرَ) صلى الله عليه وسلم (إِلَى أَعْلاَمِهَا نَظْرَةً) أي خفيفة كما هو اللائق بشأنه صلى الله عليه وسلم (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي فرغ من صلاته (قَالَ اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ) بفتح الجيم وسكون الهاء، اسمه عامر بن حذيفة العدوي القرشي المدني الصحابي، وقيل اسمه عبيد، أسلم يوم الفتح وكان

ج 3 ص 91

معظَّمًا في قريش وعالمًا بالنسب، شهد بنيان الكعبة مرتين، وتوفي في آخر خلافة معاوية وهو غير أبي جُهيم _ بضم الجيم على صيغة التصغير _.

(وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ) قد اختلف في ضبط هذا اللفظ ومعناه، فقيل _ بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الباء الموحدة وتخفيف الجيم وبعد النون ياء النسبة المشددة _.

وقال ثعلب يقال كبش أَنَبِجاني _ بكسر الباء وفتحها وكذا الهمزة _ إذا كان ملتفًا كثير الصوف، وكساء أنبجاني كذلك.

وقال الجوهري إذا نسبت إلى منبِج أي في قولك قلت كساء منبَجاني، أخرجوه مخرج. مخبراني ومنظراني.

وقال أبو حاتم في لحن العامة لا يقال كساء أنبجاني، وهذا مما تخطئ فيه العامة، وإنما يقال مَنبَجاني _ بفتح الميم والباء _، قال وقلت للأصمعي لم فتحت الباء وإنما نسب إلى منبِج _ بالكسر _ قال خرج مخرج مخبراني ومنظراني والنسب مما يغير البناء.

وقال القزاز في (( الجامع ) )المنبج موضع ينسب إليه الثياب المنبجانية، وفي (( الجمهرة ) )ومنبج موضع أعجمي وقد تكلمت به العرب ونسبوا إليه الثياب المنبجانية.

وفي (( المحكم ) )وقال سيبويه الميم فيه زائدة بمنزلة الألف.

وفي (( المغيث ) )المحفوظ كسر باء الأنبجانية. وقال ابن الجصار في (( تقريب المدارك ) )من زعم أنَّه منسوب إلى منبج فقد وهم.

وقال محمود العيني مَنْبِج _ بفتح الميم وسكون النون وكسر الموحدة وفي آخره جيم _، بلدة من كور قنسرين بناها بعض الأكاسرة الذي غلب على الشام وسمَّاها منبه، وبنى بها بيت نار، ووكل بها رجلًا فعربت فقيل منبج والنسبة إليها منيجي على الأصل، ومنبَجاني على غير القياس، والباء تفتح في النسبة كما يقال في النسبة إلى صدِف _ بكسر الدال _ صدَفي _ بفتحها _.

وعن هذا قال ابن قرقول نسبة إلى مَنبِج _ بفتح الميم وكسر الباء _، ويقال نسبة إلى موضع يقال له أنبجان، وفي هذا قال ثعلب، يقال كساء أنبجاني، وهذا هو الأقرب إلى الصواب في لفظ الحديث.

وأما تفسير هذه اللفظة؛ فقال عبد الملك بن حبيب في (( شرح الموطأ ) )هي كساء غليظ يشبه الشملة يكون سداه قطنًا غليظًا، أو كتانًا غليظًا ولحمته صوفًا، ليس بالمبرم في فتله يلتحف به في الفراش، وقد يشتمل به في شدة البردة.

وقيل هي من الثياب الغليظة تتخذ من الصوف، ويقال هو كساء غليظ لا علم له، فإذا كان للكساء علم فهو خميصة وإن لم يكن فهو أنبجانية.

(فَإِنَّهَا) أي الخميصة (أَلْهَتْنِي) أي شغلتني، من الإلهاء

ج 3 ص 92

من لهيَ الرجل عن الشيء يلهى إذا غفل عنه، من باب عم يعلم، وأمَّا لها يلهو إذا لعب فمن باب نصر ينصر.

(آنِفًا) أي قريبًا واشتقاقه من الائتناف بالشيء؛ أي الابتداء به، وكذلك الاستئناف، ومنه أَنْفُ كل شيء وهو أوله، ويقال قلت آنفًا وسالفًا، وانتصابه على الظرفية.

قال ابن الأثير قلت آنفًا؛ أي في أول وقت القرب مني.

(عَنْ صَلاَتِي) أي عن كمال الحضور فيها، وتدبير أركانها وأذكارها، والاستقصاء في التوجه إلى جناب الجبروت، وعند مالك في (( الموطأ ) )فإنٍّي نظرت إلى عَلَمها في الصلاة فكاد يفتنني.

وفي التعليق الآتي إن شاء الله قريبًا [خ¦374 قبل] فأخاف أن يفتنني، وذلك يدل على أنَّه لم يقع له شيء من الإلهاء والغفلة، فقوله (( فألهتني ) )معناه فكادت أن تلهيَني؛ على أن يكون مجازَ مشارفَةٍ للمبالغة في القرب.

وما يقال أنَّ له صلى الله عليه وسلم حالتين؛ حالة بشرية يؤثر فيه في هذه الحالة ما يؤثر في البشر، وحالة بها يخرج عن طباع البشرية، وذلك نظيرُ نَظَرِهِ مِن ورائه، فبالنظر إلى الحالة الأولى قال ألهتني، وبالنظر إلى الحالة الثانية لم يجزم به وقال أخاف أن يفتنني، ولا يلزم من ذلك الوقوع، فأنت خبير بأنَّه لا يليق بشأنه الشريف، نعم؛ يمكن أن يعتذر به عن خوفه من الافتنان بها لا عن وقوع الإلهاء بالفعل؛ يعني أنَّه خاف من الافتنان بالخميصة بالنظر إلى الحالة البشرية فنزعها ليُسْتَن به في ترك كل شاغل.

فإن قيل كيف بعث صلى الله عليه وسلم بشيء يكرهه لنفسه إلى غيره؟.

فالجواب أنَّه صلى الله عليه وسلم ما بعث الخميصة إلى أبي جهم ليستعملها في الصلاة؛ فإنها إذا ألهت سيد الخلق مع عصمته فكيف لا تلهي أبا جهم، وإنما بعثها إليه لينتفع بها ببيع أو غيره فهو كإهداء الحلة لعمر رضي الله عنه مع تحريم لباسها عليه لينتفع بها كذلك حيث قال حين بعث بها إليه إني لم أبعث بها إليك لتلبسها [خ¦2104] .

وقيل إنه كان أعمى فالإلهاء مفقود عنده، ويحتمل أن يكون خاصًا بالشارع كما قال كُلْ؛ فإنِّي أناجي من لا تناجي [خ¦855] .

وأما بعثه صلى الله عليه وسلم بالخميصة إلى أبي جهم وطلب أنبجانيته فهو من باب الإدلال عليه لعلمه بأنه يفرح به.

وأيضًا أراد أن يعلمه أنَّه لم يرد هديته عليه استخفافًا به، فإنَّه هو الذي أهداها للنبي صلى الله عليه وسلم كما رواه مالك في (( الموطأ ) )من طريق أخرى

ج 3 ص 93

عن عائشة رضي الله عنها قالت أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه سلم خميصة لها عَلَمُّ فشهد فيها الصلاة، فلما انصرف قال ردي هذه الخميصة إلى أبي جهم فإنَّها كانت تفتنني.

(وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوام، يحتمل أن يكون عطفًا على قوله قال ابن شهاب، وهو من شيوخ إبراهيم، ويحتمل أن يكون تعليقًا، وقد رواه مسلم في (( صحيحه ) )عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام، ورواه أبو داود عن عبيد الله، عن معاذ، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عنه.

(عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها قالت (قَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا) أي علم الخميصة (وَأَنَا فِي الصَّلاَةِ) جملة حالية (فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَنِي) بفتح المثناة الفوقية وكسر الثانية، من فتنه يفتنه، من باب ضرب يضرب، ويجوز أن يكون بالإدغام، وأن يكون _ بضم التاء _ من المزيد فيه، يقال فتنه وأفتنه، وأنكره الأصمعي.

وفي رواية بالتحتية بدل الفوقية؛ أي يفتنني عَلَمُها.

وفي الحديث جواز لبس الثوب المعلم، وجواز الصلاة فيه، وفيه أن اعتراض الفكر اليسير في الصلاة غير قادح فيها وهو مجمع عليه.

والذي حكي عن بعض السلف أنَّه مما يقدح غير معتد به، وفيه طلب الخشوع في الصلاة والإقبال عليها، ونفي كل ما يشغل القلب ويلهي، وقد شهد القرآن بالفلاح للمصلين الخاشعين، والمصلي يناجي ربه، فعظِّمْ في نفسك قدر مناجاته وانظر من تناجي وكيف تناجي، وبماذا تناجي، فاعلم واعمل تسلم.

وقد قال أصحابنا المستحب أن يكون نظره إلى موضع سجوده؛ لأنَّه أقرب إلى التعظيم من إرسال الطرف يمينًا وشمالًا، وفيه المبادرة إلى ترك كل ما يلهي ويشغل القلب عن الطاعة، والإعراض عن زينة الدنيا، والفتنة بها.

وفيه منع النظر وجمعه عما لا حاجة إليه بالتشخص إليه في الصلاة وغيرها، وقد قال السلف لا يخطئ أحدهم موضع قدميه إذا مشى، وفيه تكنية العالم لمن دونه، وفيه كراهة تزويق [1] المحراب في المسجد وحائطه ونقشه وغير ذلك من الشاغلات، وفيه قبول الهدية من الأصحاب، والإرسال إليهم والطلب منهم، واستدل به الباجي على صحة

ج 3 ص 94

المعاطاة في العقود لعدم ذكر الصيغة.

وقال الطيبي فيه إيذانٌ بأنَّ للصور والأشياء الظاهرة تأثيرًا في القلوب الطاهرة والنفوس الزكية، والله أعلم.

[1] في هامش الأصل أي تزيينه. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت