فهرس الكتاب

الصفحة 6241 من 11127

4323 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ) أي ابن الحارث، قال (أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ) هو حمّادُ بن أسامة (عَنْ بُرَيْدِ) بضم الموحدة وفتح الراء (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة أيضًا، وهو جدُّ بُرَيد المذكور، واسمه عامر (عَنْ أَبِي مُوسَى) هو عبدُ الله بن قيس الأشعري، هو أبو [والد] بردة المذكور أنَّه (قَالَ لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حُنَيْنٍ بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ) هو عُبيدُ بن سُليم بن حِضار الأشعري، وهو عمُّ أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنهما، وقال ابنُ إسحاق هو ابنُ عمِّه، والأوَّل أشهر.

(عَلَى جَيْشٍ) أي أميرًا عليهم (إلَى أَوْطَاسٍ) وذلك أنَّ هوازن بعد الهزيمة اجتمعَ بعضُهم في أوطاس، فأرادَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم استئصالهم فبعثَه إليهم (فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ) دُرَيد بضم الدال، مصغَّر الدَّرَد _ بالمهملتين والراء _، والصِّمَّة بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم، ابن بكر بن علقمة، ويُقال ابن الحارث بن بكر بن علقمة الجُشَمِي _ بضم الجيم وفتح المعجمة _، من بني جُشَم بن معاوية بن بكر بن هوازن، والصِّمَّة لقبٌ لأبيه، واسمُه الحارث، ودُريد شاعرٌ مشهورٌ.

(فَقُتِلَ دُرَيْدٌ) على البناء للمفعول، واختُلف في قاتلهِ، فجزمَ محمد بن إسحاق بأنَّه ربيعة بن رُفَيع _ بضم الراء وفتح الفاء وبالعين المهملة _ مصغَّرًا، ابن وَهْبان بن ثعلبة بن ربيعة السُّلمي، وكان يُقال له ابنُ الدَّغِنَّة _ بمعجمة ثمَّ مهملة _ ويُقال بالعكس، وهي أمُّه.

وقال ابنُ هشام يُقال اسمه عبد الله بن قُبَيع بن أهبان، ويُقال له أيضًا ابن الدُّغُنَّة، وليس هو ابن الدَّغِنة المذكور في قصَّة أبي بكر رضي الله عنه في الهجرة.

وروى البزَّار في «مسند أنس رضي الله عنه» بإسنادٍ حسنٍ ما يُشعر بأنَّ قاتلَ دُرَيد بن الصِّمَّة هو الزُّبير بن العوام رضي الله عنه، ولفظه لما انهزمَ المشركون انحازَ دُرِيد بن الصِّمَّة في ستمائة نفسٍ على أكمةٍ، فرأوا كتيبةً، فقال خلُّوهم لي فخلَّوهم فقال هذه قُضَاعة، ولا بأس عليكم.

ثمَّ رأوا كتيبةً

ج 18 ص 342

مثل ذلك فقال هذه سُليم، ثمَّ رأوا فارسًا وحدَه، فقال خلُّوه لي، فقالوا مُعْتجر بعمامةٍ سوداء فقال هذا الزُّبير بن العوام، وهو قاتلكُم ومخرجكُم من مكانكُم هذا، قال فالتفتَ الزُّبير فقال علامَ هؤلاء هاهنا، فمضى إليهم وتبعه جماعةٌ فقتلوا منهم ثلاثمائة، وجزَّ رأسَ دُرَيد بن الصِّمَّة فجعلَه بين يديهِ.

ويُحتمل أن يكون ابن الدُّغُنَّه كان في جماعة الزُّبير فباشر قتلَه فنُسب إلى الزُّبير مجازًا، وكان دُرَيد من الشُّعراء الفرسان المشهورين في الجاهلية. ويُقال إنَّه كان لما قتل ابن عشرين، ويُقال ابن ستين ومائة سنة.

(وَهَزَمَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ، قَالَ أَبُو مُوسَى وَبَعَثَنِي) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (مَعَ أَبِي عَامِرٍ) أي إلى من التجأَ إلى أوطاسٍ، وقال ابنُ إسحاق بعثَ النَّبي صلى الله عليه وسلم أبا عامرٍ الأشعريِّ في آثار من توجَّه إلى أوطاسٍ فأدرك بعضَ من انهزم فناوشوهُ القتال (فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ) على البناء للمفعول (فِي رُكْبَتِهِ، رَمَاهُ جُشَمِيٌّ) أي رجلٌ جُشَمي؛ يعني من بني جُشَم _ بضم الجيم وفتح الشين المعجمة _، واختُلف في اسم هذا الجشمي، فقال ابنُ إسحاق زعموا أنَّ سَلَمة بن دُرَيد بن الصِّمَّة، هو الَّذي رمى أبا عامر بسهمٍ فأصاب ركبته فقتله، وأخذَ الرَّاية أبو موسى الأشعري رضي الله عنه فقاتلَهم ففتحَ الله عليه.

وقال ابنُ هشام حدَّثني من أثقُ به أنَّ الَّذي رمى أبا عامر أخوان من بني جُشَم، وهما أوفى والعلاء ابنا الحارث فأصابَ أحدهما ركبتَه، وقتلهما أبو موسى الأشعري رضي الله عنه. وروى الطَّبراني في «الأوسط» ، وابن عائذ من وجه آخر عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه بإسناد حسنٍ (( لما هزم الله المشركين يوم حُنين بعثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل الطَّلب أبا عامر الأشعري رضي الله عنه وأنا معه، فقتل ابنُ دُرَيد أبا عامرٍ، فعدلتُ إليه فقتلتُه، وأخذتُ اللِّواء ) )الحديث.

فهذا يُؤيِّد ما ذكره ابن إسحاق، وذكر ابن إسحاق في «المغازي» أيضًا أنَّ أبا عامر لقيَ يوم أوطاس عشرة من المشركين إخوة فقتلَهم واحدًا بعد واحد حتَّى كان العاشر،

ج 18 ص 343

فحملَ عليه وهو يدعوه إلى الإسلام، ويقول اللَّهمَّ اشهدٍ عليه، فقال الرجل اللَّهمَّ لا تشهدْ عليَّ، فكفَّ عنه أبو عامر ظنًا منه أنَّه أسلم فقتلَه العاشر، ثمَّ أسلم بعدُ فحسُنَ إسلامه، فكان النَّبي صلى الله عليه وسلم يُسمِّيه شهيد أبي عامر.

وهذا يُخالف الحديث الصَّحيح في أنَّ أبا موسى قتلَ قاتل أبي عامر. وما في الصَّحيح أولى بالقبولِ، ولعلَّ الَّذي ذكره ابنُ إسحاق شارك في قتلهِ.

(بِسَهْمٍ فَأَثْبَتَهُ فِي رُكْبَتِهِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ يَا عَمِّ مَنْ رَمَاكَ؟ فَأَشَارَ إِلَى أَبِي مُوسَى فَقَالَ ذَاكَ قَاتِلِي الَّذِي رَمَانِي، فَقَصَدْتُ لَهُ فَلَحِقْتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى) أي أدبر (فَاتَّبَعْتُهُ) ضبط بقطع الألف، وصوابه بوصلها وتشديد التاء؛ لأنَّ معناه سرت في أَثره، ومعنى أتبعتُه بقطع الألف لحقتُه، والمراد هنا سرتُ في أثره.

(وَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ أَلاَ تَسْتَحِي، أَلاَ تَثْبُتُ، فَكَفَّ) أي توقَّف، أو كفَّ نفسه، يتعدَّى ولا يتعدَّى (فَاخْتَلَفْنَا ضَرْبَتَيْنِ بِالسَّيْفِ فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ لأَبِي عَامِرٍ قَتَلَ اللَّهُ صَاحِبَكَ، قَالَ فَانْزِعْ هَذَا السَّهْمَ، فَنَزَعْتُهُ فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ) أي انصبَّ من موضع السَّهم، وقال الكرمانيُّ أي وثبَ، فافهم (قَالَ يَا ابْنَ أَخِي) هذا يردُّ قول ابنِ إسحاق أنَّه ابن عمِّه، ويُحتملُ إن كان ضبطه أن يكون قال له ذلك لكونهِ كان أسنَّ منه.

(أَقْرِئِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلاَمَ، وَقُلْ لَهُ اسْتَغْفِرْ لِي. وَاسْتَخْلَفَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ، فَمَكَثَ يَسِيرًا ثُمَّ مَاتَ، فَرَجَعْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية ابن عائذ (( فلمَّا رآني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم معي اللِّواء قال يا أبا موسى، قُتل أبو عامر ) ).

(فِي بَيْتِهِ عَلَى سَرِيرٍ مُرَمَّلٍ) بضم الميم وفتح الراء وتشديد الميم؛ أي معمول بالرِّمال، وهي حبال الحُصر الَّتي تظفرُ [1] بها الأسرَّة (وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ) قال ابنُ التِّين وأنكره الشيخ أبو الحسن، وقال الصَّواب ما عليه فراش، فسقطت ما، انتهى.

قال الحافظُ العسقلاني وهو إنكارٌ عجيبٌ فلا يلزم من كونه رقدَ على غير فراش، كما في قصَّة عمر رضي الله عنه أن لا يكون على سريرهِ دائمًا فراش.

(قَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِهِ

ج 18 ص 344

وَجَنْبَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ، وَقَالَ قُلْ لَهُ اسْتَغْفِرْ لِي، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ) يُستفادُ منه استحباب التَّطهر لإرادة الدُّعاء ورفع اليدين في الدُّعاء؛ خلافًا لمن خصَّ ذلك بالاستسقاء. وسيأتي بيان ما ورد من ذلك في كتاب الدَّعوات إن شاء الله تعالى [خ¦6341] (فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ، وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ) أي في المرتبة، وفي رواية ابن عائذ (( في الأكثرين يوم القيامة ) ) (وَمِنَ النَّاسِ) قال الكرمانيُّ تعميمٌ بعد تخصيصٍ. وقال العينيُّ بيان لقوله (( من خلقك ) )؛ لأنَّ الخلق أعمُّ من أن يكون من الناس وغيرهم.

(فَقُلْتُ وَلِي فَاسْتَغْفِرْ، فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيمًا. قَالَ أَبُو بُرْدَةَ) هو موصولٌ بالإسناد المذكور (إِحْدَاهُمَا) أي إحدى الدَّعوتين (لأَبِي عَامِرٍ، وَالأُخْرَى لأَبِي مُوسَى) .

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، وقد مضى في الجهاد مقطَّعًا [خ¦2884] ، ويأتي في الدَّعوات إن شاء الله تعالى [خ¦6383] ، وأخرجه مسلم في الفضائل.

[1] في الفتح (تُضَفَّر)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت