فهرس الكتاب

الصفحة 6261 من 11127

4340 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هو ابن زياد، قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) هو سليمان بن مهران، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) بتكبير الابن وتصغير الأب، أبو حمزة الكوفي ختن أبي عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو عبدُ الله بن حبيب السُّلمي (عَنْ عَلِيٍّ) أي ابن أبي طالب رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) قيل هو عبدُ الله بن حُذَافة السَّهمي، وفيه ما في قوله ويُقال إنَّها سرية الأنصاري، فافهم.

(وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ) وفي رواية الأعمش في الأحكام [خ¦7145] (( فغضب عليهم ) )، وفي رواية مسلم (( فأغضبوه في شيء ) ) (فَقَالَ أَلَيْسَ أَمَرَكُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي؟ قَالُوا بَلَى، قَالَ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا، فَقَالَ أَوْقِدُوا نَارًا، فَأَوْقَدُوهَا، فَقَالَ ادْخُلُوهَا، فَهَمُّوا) أي فقصدوا الدُّخول، وفسَّره الكرمانيُّ بقوله؛ أي حزنوا، وليس بذاك. وفي رواية حفص بن غياث [خ¦7145] (( فقال عزمتُ عليكم لما جمعتُم حطبًا وأوقدتُم نارًا ثمَّ دخلتُم فيها ) ).

وهذا يخالفُ حديث أبي سعيد رضي الله عنه فإنَّ فيه «فأوقدَ القومُ نارًا ليصنعوا عليها صنيعًا أو يصطَلون، فقال لهم أليس عليكم السَّمع والطَّاعة؟ قالوا بلى، قال أعزمُ عليكم بحقِّي وطَاعتي لما تواثبتُم في هذه النار» .

(وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا) وفي رواية حفص [خ¦7145] (( فلمَّا همُّوا بالدُّخول فيها فقاموا ينظرُ بعضُهم إلى بعضٍ ) ). وفي رواية ابنِ جرير من طريق أبي معاوية عن الأعمش (( فقال لهم شابٌّ منهم لا تعجلوا بدخولها ) )، وفي رواية زُبيد عن سعد بن عبيدة [خ¦7257] (( فأرادوا أن يدخلوها ) )، وقال آخرون إنما فررنَا منها.

(وَيَقُولُونَ فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النَّارِ، فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتِ النَّارُ) بفتح الميم؛ أي انطفئ لهبها، وحكى المُطَرزي كسر الميم(فَسَكَنَ

ج 18 ص 384

غَضَبُهُ)هذا أيضًا يُخالفُ حديث أبي سعيد رضي الله عنه، فإنَّ فيه أنَّه كانت فيه دُعابة، وفيه أنَّهم تحجَّزوا حتَّى إنَّه ظنَّ أنَّهم واثبون فيها فقال احبسُوا أنفسكم، فإنما كنتُ أضحُك معكم.

(فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية حفص [خ¦7145] (( فذُكر ذلك للنَّبي صلى الله عليه وسلم ) )، وفي رواية مسلم (( فلمَّا رجعوا ذكروا ذلك لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم ) ) (فَقَالَ لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) وفي رواية حفص [خ¦7145] (( ما خرجوا منها أبدًا ) )، وفي رواية زبيد [خ¦7257] (( لم يزالوا فيها إلى يوم القيامة ) )، والمراد من قوله إلى يوم القيامة التَّأبيد؛ يعني لو دخلوها مستحلِّين له لما خرجوا منها أبدًا، ففي هذه العبارة نوعٌ من أنواع البديع، وهو الاستخدامُ؛ لأنَّ الضَّمير في قوله «لو دخلوها» للنَّار الَّتي أوقدوها.

وفي قوله «منها أبدًا» لنار الآخرة، وذلك لأنَّهم ارتكبوا ما نُهوا عنه من قتلِ أنفسهم مستحلِّين له، ويَحتمل وهو الظَّاهر أنَّ الضَّمير للنار الَّتي أُوقدت لهم؛ أي ظنُّوا أنَّهم إذا دخلوها بسببِ طاعة أميرهم لا تضرُّهم، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنَّهم لو دخلوهَا لاحترقوا [فماتوا] فلم يخرجوا، فلا يكون المراد من يوم القيامة التَّأبيد، ويُحتمل أن يكون المعنى أنَّ الدُّخول فيها معصية، والعاصي يستحقُّ النَّار قال تعالى {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [الجن 23] .

(الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ) يعني الطَّاعة للمخلوق في أمر عُرف بالشَّرع، وفي رواية حفص [خ¦7145] (( إنما الطَّاعة في المعروف ) )، وفي رواية زبيد [خ¦7257] (( وقال للآخرين لا طاعةَ في معصية ) )، وفي رواية مسلم من هذا الوجه (( وقال للآخرين؛ أي الَّذين امتنعوا قولًا حسنًا ) ).

وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه «مَن أمركُم منهم بمعصيةٍ فلا تُطيعوه» ، وفي الحديث من الفوائد أنَّ الأمرَ المطلق لا يعمُّ الأحوال؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم أمرهُم أن يُطيعوا الأمير، فحملوا ذلك على عمومِ الأحوال حتَّى في حال الغضبِ، وفي حال الأمر بالمعصيةِ، فبيّن لهم صلى الله عليه وسلم أنَّ الأمرَ بطاعتهِ مقصور على ما كان منه في غير معصية.

وسيأتي مزيد لهذه المسألة في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى [خ¦7145] .

وإنَّ الحكم في حال الغضب ينفذُ منه ما لا يخالفُ الشَّرع، وإنَّ الغضب يُغَطِّي على ذوي العقول عقولهم، وإنَّ الإيمان بالله يُنجِّي من النار لقولهم

ج 18 ص 385

«إنما فررنَا إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم من النَّار» ، والفرارُ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فرارٌ إلى الله، والفرارُ إلى الله يُطلق على الإيمان، قال الله تعالى {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات 50] .

وقد استنبط من هذا الحديث الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة أنَّ الجمع من هذه الأمَّة لا يجتمعون على خطأ لانقسام السَّرية إلى قسمين، منهم من هانَ عليه دخولُ النار وظنَّه طاعة، ومنهم من فهم حقيقةَ الأمر، وأنَّه مقصورٌ على ما ليس بمعصية، فكان اختلافهم سببًا لرحمة الجميع، قال وفيه أنَّ من كان صادق النيَّة لا يقعُ إلَّا في خير، ولو قصد الشَّر فإنَّ الله يصرفُه عنه، ولهذا قال بعضُ أهل المعرفة من صدقَ مع الله وقاهُ الله، ومن توكَّل على الله كفاهُ الله.

ومطابقة الحديث للترجمة في قوله «فاستعملَ رجلًا من الأنصار» ، فإنَّه عبد الله بن حُذَافة، وقد أخرجه البخاري في الأحكام أيضًا [خ¦7145] ، وأخرجه مسلم في المغازي، وأبو داود في الجهاد، والنَّسائي في البيعة والسِّير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت