375 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي (قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعد، إمام مصر عرض عليه المنصور ولاية مصر فاستعفاه، وقيل إنَّه ولي مدة يسيرة، وكان على مذهب أبي حنيفة رحمهما الله.
(عَنْ يَزِيدَ) هو ابن أبي حبيب كما في نسخة (عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) مَرثد _ بفتح الميم وبالثاء المثلثة _، اليَزنِي بفتح الياء المثناة التحتية وبالزاي بعدها النون المكسورة.
(عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) رضي الله عنه _ بضم المهملة وسكون القاف _ أبو حمَّاد الجهني، روي له خمسة وخمسون حديثًا للبخاري منها ثمانية، [خ¦1184] [خ¦1344] [خ¦1866] [خ¦2300] [خ¦2461] [خ¦2500] [خ¦2721] [خ¦5232] كان واليًا على مصر لمعاوية رضي الله عنه، ومات بها سنة ثمان وخمسين كان قارئًا فصيحًا شاعرًا كاتبًا، وهو أحد من جمع القرآن في المصحف، وكان مصحفه على غير تأليف مصحف عثمان رضي الله عنه، وشهد صفين مع معاوية، ورجال هذا الإسناد كلهم مصريون، وقد أخرج متنه المؤلف في اللباس أيضًا [خ¦5801] ، وأخرجه مسلم، والنسائي في «الصلاة» .
(قَالَ) أي أنَّه قال (أُهْدِيَ) على صيغة المجهول من الماضي (إِلَى النَّبِيِّ) وفي رواية (صلى الله عليه وسلم فَرُّوجُ حَرِيرٍ) بالإضافة كثوب خز وخاتم فضة، ويجوز أن يكون «حرير» صفة «لفروج» والإعراب يحتمل ذلك، والكلام في الرواية، والظاهر أنَّها الأول، ثم إنَّ الذي أهداه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل [1] .
ج 3 ص 98
وذكر أبو نُعيم أنَّه أسلم وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حلة سيراء.
وقال ابن الأثير أهدى للرسول صلى الله عليه وسلم وصالحه ولم يُسْلم، وهذا لا خلاف فيه بين أهل السير، ومن قال أنَّه أسلم فقد أخطأ؛ فإنَّه كان نصرانيًا ولما صالحه النبي صلى الله عليه وسلم عاد إلى حصنه وبقي فيه، ثم إن خالدًا رضي الله عنه أسره لما حاصر دومة الجندل أيام أبي بكر رضي الله عنه فقتله مشركًا نصرانيًا.
(فَلَبِسَهُ) صلى الله عليه وسلم قبل تحريم الحرير (فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ) وفرغ من صلاته واستقبال القبلة (فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا، كَالْكَارِهِ لَهُ) وفي حديث جابر عند مسلم (( صلى في قباء ديباج ثم نزعه وقال نهاني عنه جبريل عليه السلام ) )فيكون النهي هو السبب في نزعه، وذلك ابتداء تحريمه.
(وَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لاَ يَنْبَغِي) استعمال (هَذَا) الحرير (لِلْمُتَّقِينَ) عن الكفر؛ أي المؤمنين أو عن المعاصي كلها؛ أي الصالحين، وفي رواية .
فإن قيل النساء المتقيات يدخلن فيه مع أنَّ الحرير حلال لهنَّ؟.
فالجواب أنَّا لا نسلم دخولهنَّ فيه، كيف ولفظ المتقين جمع المذكر، ولئن سلمنا دخولهنَّ فيه تغليبًا فالحل لهنَّ ثابت بدليل آخر وهو قوله صلى الله عليه وسلم (( أُحِلَّ الذهبُ والحريرُ لإناث أمتي وحُرِّم على ذكورها ) )أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح.
وكذا ما روي عن زيد بن أرقم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الذهبُ والحريرُ حِلٌّ لإناث أمتي وحرامٌ على ذكورها ) )رواه الطحاوي والطبراني.
وكذا ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أخذ حريرًا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعله في شماله ثم قال (( إن هذين حرامان على ذكور أمتي ) )أخرجه الطحاوي وابن ماجه.
وما روي أيضًا عن أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( الحريرُ والذهبُ حلال لإناث أمتي حرامٌ على ذكورها ) )أخرجه الطحاوي والترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وأمَّا ما احتج به طائفة ذهبوا إلى أنَّ الحرير للرجال والنساء جميعًا حرام ممَّا رواه الطحاوي قال حدثنا أبو بكرة، قال نا أبو داود، قال نا هشيم، عن أبي بشر، عن يوسف بن مَاهَك قال سألت امرأة ابن عمر قالت أَنُحَلَّى بالذهب؟ قال نعم، قال ما تقول في الحرير؟ فقال يكره ذلك، قالت ما يكره أخبرني أحلال هو أم حرام؟ قال كنَّا نتحدث أنَّ من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة.
وممَّا رواه أيضًا عن بحر بن نصر
ج 3 ص 99
ثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن أبا عشانة المعافري حدثه أنه سمع عقبة بن عامر الجهني يخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمنع أهله الحلية والحرير ويقول (( إن كنتن تحببن حلية الجنة وحريرها فلا تلبسنها في الدنيا ) ).
وممَّا رواه من حديث الأزرق بن قيس قال سمعت عبد الله بن الزبير يخطب يوم التروية وهو يقول يا أيُّها الناس لا تلبسوا الحرير ولا تُلِبْسُوها نساءكم؛ وأبناءكم؛ فإنَّه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وأخرجه مسلم أيضًا.
فالجواب عنه أنَّ ما روي عن ابن عمر محمول على الرجال خاصة كما تدل عليه الأحاديث المتقدمة.
وأنَّ ما روي عن عقبة يخالفه روايتُه الأخرى وهي سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( الذهبُ والحريرُ حرامٌ على ذكور أمتي حلٌّ لإناثهم ) ).
وأنَّ ما روي عن ابن الزبير فإنَّه محمول على أنَّه لم يبلغه الحديثُ المخصِّصُ لعموم الحرمة في قوله (( من لبسهُ في الدنيا لم يلْبَسهُ في الآخرة ) ).
اعلم أنَّ لبس الحرير حرام للرجال في كل الأحوال إلا في صور تستثنى منها، وذلك لأنَّه يجوز لبسه للرجال في الحرب عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
ويجوز أيضًا لبسه للجَرَب والبرد أيضًا إذا لم يجد غيره، وقد جوز طائفة من الظاهرية لبسه للرجال مطلقًا، وإليه ذهب عبد الله بن أبي مليكة، واحتجوا في ذلك بحديث مسور بن مخرمة أخرجه البخاري [خ¦5800] ، وأبو داود، والترمذي، والنسائي على ما يذكر في موضعه.
وحجج الجمهور في ذلك كثيرة
منها الحديث المذكور، وقد أخرج الطحاوي في هذا الباب عن خمسة عشر نفرًا من الصحابة وهم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو [2] ، ومعاوية بن أبي سفيان، وحذيفة بن اليمان، وعمران ابن الحصين، والبراء بن عازب، وعبد الله بن الزبير، وأبو سعيد الخدري، وأنس ابن مالك، ومسلمة بن مخلد، وعقبة بن عامر الجهني، وأبو أمامة، وأبو هريرة رضي الله عنهم. وأحاديث هؤلاء نسخت ما فيه الإباحة للبسه.
وقال ابن العربي اختلف العلماء في لبس الحرير على عشرة أقوال
الأول أنَّه محرَّم بكل حال.
الثاني أنَّه محرَّم إلَّا في الحرب.
الثالث أنَّه محرَّم إلَّا في السفر.
الرابع أنَّه محرم إلَّا في المرض.
الخامس أنَّه محرَّم إلَّا في الغزو.
السادس أنَّه محرَّم
ج 3 ص 100
إلَّا في العلم.
السابع أنَّه محرم على الرجال والنساء.
الثامن أنَّه يحرم لبسه من فوق، دون لبسه من أسفل وهو الفرش والوسادة، قاله أبو حنيفة وابن الماجشون.
التاسع أنَّه مباح بكل حال.
العاشر أنَّه محرَّم وإن خلط بغيره كالخز.
وقد احتج بعضهم في جواز الصلاة في ثياب الحرير لكونه صلى الله عليه وسلم لم يعد تلك الصلاة، ولا حجة لهم في ذلك؛ لأنَّ ترك إعادتها لكونها وقعت قبل التحريم، وأمَّا بعده ففيه اختلاف العلماء، فقال أصحابنا تصح صلاته ولكنَّها تكره ويأثم لارتكابه الحرام، وبه قال الشافعي وأبو ثور.
وقال ابن القاسم عن مالك من صلى في ثوب حرير يعيد في الوقت إن وجد ثوبًا غيره، وعليه جل أصحابه، وقيل لا إعادة عليه في الوقت ولا في غيره، وهو قول أصبغ، وقيل إن صلى فيه وهو يعلم أنَّ ذلك لا يجوز يعيد.
وقد تقرر من هذا الاختلاف أنَّ حرمة لبس الحرير ليس كحرمة الخمر والخنزير بل دونها فينبغي أن لا يكفر من سمَّى عند لبسه، وكذا ينبغي أن لا يكفر من أنكر حرمته.
وقد صرَّح الإمام النووي في (( شرح صحيح مسلم ) )بأنَّ من أنكر حرمة الحرير لا يكفر؛ لأنَّ حرمته لم تثبت بدليل قطعي يوجب اليقين، وإنَّما ثبوتها بأخبار الآحاد وهي لا توجب اليقين، فافهم.
وفي (( اليتيمة ) )من قال عند ابتداء شرب الخمر أو الزنا أو أكل الحرام بسم الله كفر.
وقال المولى علي القاري في (( شرح بدر الرشيد ) )فيه أنَّه ينبغي أن يكون محمولًا على الحرام المحض المتفق عليه، وأن يكون عالمًا بنسبة التحريم إليه بأن تكون حرمته ممَّا علم من الدين بالضرورة كشرب الخمر. انتهى.
وقد عرفت أنَّ لبس الحرير ليس كذلك فينبغي أن لا يكفر من سمَّى عند ابتداء لبسه.
هذا وقد قال في «التاتارخانية» ، وفي «نصاب الفتاوى» لو قال لحرامٍ هذا حلال من غير أن يعتقده لا يكفر، قال رحمه الله هكذا سمعت من القاضي الإمام رحمه الله.
ويتفرَّع من هذا مسألة صورتها رجل يبيعُ في السوق ويقول إنَّه حلال وليس من غارة خوارزم حتى يرغبوا في شرائه وهو كاذب، قال آخر صارت المسألة واقعة فسألت القاضي الإمام عن هذا فقال إذا اعتقده حلالًا وهو حرام ينظر إن كان حرامًا لغيره كَمَالِ الغيرِ لا يكفر إذا اعتقده حلالًا، وإن كان محرَّم العين إن كانت حرمته ثابتة بدليل مقطوع به يكفر، وما ثبت حرمته بالأخبار لا يكفر.
ونقل عن الشيخ الإمام تاج الدين الكبير أنه قال هذا التفصيل في العالِمِ، أمَّا في الجاهل لا يتفاوت بينما إذا كان حرامًا لعينه أو لغيره؛ لأنَّه لا يعرف ولا يفرق، وبعد ذلك إن ثبت حرمته بدليل مقطوع به يكفر وإلَّا فلا. انتهى بعبارته.
فتلخَّص من هذا أنَّ مدار الكفر في إنكار حرمة الحرام، وفي التسمية عند ابتدائه هو كون دليله مقطوعًا به لا كونه حرامًا لعينه كما اشتهر بين الناس.
هذا؛ ثم إنَّ الحرير حرام لعينه، أو لغيره لم نظفر بالتصريح به فيما رأيناه من الكتب، لكن المفهوم من (( التوضيح ) )وشرحه (( التلويح ) )أنَّه حرام لعينه، وكذا المفهوم من (( مرآة الأصول ) )للمولى خسرو.
وحاصله أنَّ الحرام نوعان نوعِ يكون منشأ حرمته عين ذلك المحل كحرمة أكل الميتة، وشرب الخمر ويسمَّى حرامًا لعينه، ونوع يكون منشأ الحرمة غير ذلك المحل كحرمة آكل مال الغير؛ فإنَّها ليست لنفس ذلك المال، بل لكونه ملك الغير فالأكل محرم ممنوع، لكن المحل قابل للأكل في الجملة بأنْ يأكله مالكه، أو يأذن لغيره بخلاف الأول، فإنَّ المحل قد خرج عن قابلية الفعل ولزم من ذلك عدم الفعل ضرورة عدم محله، ففي الحرام لعينه المحل أصل، والفعل تبع بمعنى أنَّ المحل أخرج أولًا من قبول الفعل ومنع، ثم صار الفعل ممنوعًا ومخرجًا عن الاعتبار، فحسن نسبة الحرمة وإضافتها إلى المحل دلالةً على أنه غير صالح للفعل شرعًا حتى كأنه الحرام نفسه، ولا يكون ذلك من إطلاق المحل وإرادة الفعل الحال فيه بأن يراد بالميتة أكلها لما في ذلك من فوات الدلالة على خروج المحل عن صلاحية الفعل، بخلاف الحرام لغيره؛ فإنَّه إذا أضيف الحرمة فيه إلى المحل يكون على حذف المضاف أو إطلاق المحل على الحال. فإذا قلنا الميتة حرام فمعناه أنَّ الميتة منشأ الحرمة أكلها، وإذا قلنا خبز الغير حرام فمعناه أن أكله حرام إما مجازًا أو على حذف المضاف كما في قوله تعالى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف 82] يحمل تارة على حذف المضاف؛ أي أهل القرية، وتارة يحمل على أنَّ القرية مجاز عن الأهل إطلاقًا للمحل على الحال وهما متقاربان، وذكر في «الأسرار» أنَّ الحل والحرمة صفتا فعل لا صفتا محل للفعل، لكن متى ثبت الحل أو الحرمة لمعنى في العين أضيف إليها؛ لأنها سبب الجريان، وطريق يجري فيه، فيقال حرمت الميتة؛ لأنَّها حرمت لمعنىً فيها. ولا يقال حرمت شاة الغير؛ لأنَّ الحرمة هناك لاحترام المالك. هذا، وأظنك إذا أمعنت النظر في ذلك لا تشك أنَّ الحرير وكذا الذهب والفضة ليس من قبيل الحرام لعينه، بل من قبيل الحرام لغيره فأحسن التدبر وكن من أهل التبصُّر.
ومن فوائد الحديث أيضًا جواز قبول هدية المشرك للإمام لمصلحة يراها.
[1] في هامش الأصل أكيدر _ بضم الهمزة _، ودومة الجندل اسم حصن، قال الجوهري أصحاب اللغة يقولون _ بضم الدال _ وأهل الحديث يفتحونها، وهو اسم موضع بين الشام والعراق على سبع مراحل من دمشق، وعلى ثلاثة عشر مراحل من المدينة. منه.
[2] (( وعبد الله بن عمرو ) )ليست في (خ) .