فهرس الكتاب

الصفحة 6282 من 11127

4359 - (حَدَّثَنَا) ويُروى (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ الْعَبْسِيُّ) هو أبو بكر عبد الله بن محمَّد بن أبي شيبة، واسم أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الحافظ العَبْسي _ بفتح المهملة وسكون الموحدة _، وهو شيخ مسلم أيضًا، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ) هو عبدُ الله بن إدريس (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسٍ) هو ابنُ أبي حازم (عَنْ جَرِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ كُنْتُ بِاليَمَنِ) وفي رواية أبي إسحاق عن جرير عند ابن عساكر (( أن النَّبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى ذي عَمرو وذي الكَلَاع يدعوهما إلى الإسلام، فأسلما، قال وقال لي ذو الكَلَاع ادخلْ على أمِّ شُرحبيل ) )يعني زوجته. وعند الواقدي في «الردة» بأسانيد متعددة نحو هذا.

(فَلَقِيتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ذَا كَلاَعٍ وَذَا عَمْرٍو) وفي رواية الإسماعيلي (( كنت باليمن فأقبلت ومعي رجلان ذو الكَلَاع وذو عَمرو ) )، وهذه الرِّواية أبين، وذلك أنَّ جريرًا قضى حاجته من اليمن، وأقبلَ راجعًا يريد المدينةَ، فصحبَه من ملوك اليمن ذو الكَلَاع وذو عَمرو.

فأمَّا ذو الكَلَاع فهو بفتح الكاف وتخفيف اللام، واسمه إِسْمَيْفَع _ بكسر الهمزة وسكون السين المهملة

ج 18 ص 415

وفتح الميم وسكون المثناة التحتية وفتح الفاء وآخره عين مهملة _، ويقال أيفع بن باكوراء، ويُقال ابن حوشب بن عَمرو. وقال أبو عمر أظنُّه من حمير، ويُقال إنَّه ابنُ عمِّ كعب الأحبار، يُكنى أبا شرحبيل، ويُقال أبو شرحبيل [1] ، كان رئيسًا في قومهِ مُطاعًا مَتبوعًا، أسلمَ وكتبَ إليه النَّبي صلى الله عليه وسلم في التَّعاون على الأسود ومسيلمة وطُليحة.

وكان الرَّسول إليه جرير بن عبد الله البَجَلي فأسلم، وخرج مع جرير إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذو الكلاع القائم بأمر معاوية في حرب صفين، وقتل قبل انقضاء الحرب، ففرحَ معاوية بموته، وكان موته في سنة سبع وثلاثين. قال أبو عمر لا أعلم لذي الكَلَاع صحبة أكثر من إسلامهِ واتِّباعه النَّبي صلى الله عليه وسلم في حياتهِ، وأظنُّه أحد الوفود عليه، والله تعالى أعلم.

ولا أعلم له رواية إلَّا عن عَمرو، وعوف بن مالك [2] . وقال أبو عمر أنَّه أعتق عشرة آلاف أهل بيت. وقال ابنُ دريد كان ذو الكَلَاع ادَّعى الرُّبوبية في الجاهلية، وأنَّ إسلامه إنما كان أيَّام عمر رضي الله عنه؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كتب له مع جرير، وجرير إنما قدم بعد وفاة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وأمَّا ذو عَمرو فكان أحد ملوك اليمن، وهو من حمير أيضًا. وقال أبو عمر ذو عَمرو رجل من اليمن أقبل مع ذي الكَلَاع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمين، ومعهما جرير بن عبد الله البجلي. ويقال كانا عزما على التَّوجه إلى المدينة، فلمَّا بلغهما وفاة النَّبي صلى الله عليه وسلم رجعا إلى اليمن، ثمَّ هاجرا في زمن عمر رضي الله عنه.

وقال الحافظُ العسقلاني ولم أقف له على اسم غيره، ولا رأيتُ من أخباره أكثر ممَّا ذُكر في حديث الباب.

(فَجَعَلْتُ أُحَدِّثُهُمْ) إنما جمع الضَّمير باعتبار من كان معهما (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ ذُو عَمْرٍو لَئِنْ كَانَ الَّذِي تَذْكُرُ مِنْ أَمْرِ صَاحِبِكَ) أي حقًّا، وأراد بالصَّاحب النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية الإسماعيلي (( لئن كان كما تذكر ) ) (لَقَدْ مَرَّ عَلَى أَجَلِهِ مُنْذُ ثَلاَثٍ) أراد أنَّه مات منذ ثلاثة أيام. وقوله (( لقد مرَّ على أجلهِ ) )جواب شرطٍ مقدَّر؛ أي إن أخبرتني بهذا أُخبرك بهذا،

ج 18 ص 416

كذا قال الحافظُ العسقلاني.

وتفصيلُه أنَّ جواب القسم المقدَّر جزاء للشَّرط معنى، ولمَّا كان شرط الشَّرط أن يكون سببًا للجزاء، وهاهنا ليس كذلك، أوَّله بالإخبار؛ أي إن تُخبرني بذلك أُخبرك بهذا، فالإخبار الأوَّل سبب للإخبار الثاني. فإن قيل من أين علم ذو عَمرو وفاته صلى الله عليه وسلم.

أُجيب بأنَّه يُحتمل أن يكون سمع من بعضِ القادمين من المدينة سرًا، أو أن يكون من المحدَّثين _ بفتح الدال _. وقد تقدَّم تفسيره بأنَّه المُلْهم [خ¦3689] ، أو أن يكون قد كان في الجاهلية كاهنًا، والظَّاهر أنَّه قال ذلك عن إطلاع من الكتب القديمة؛ لأنَّ اليمن كان قد أقام بها جماعة من اليهود، فدخلَ كثير من أهل اليمن في دينهم، وتعلَّموا منهم. وذلك بيِّن في قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه لمَّا بعثه إلى اليمن (( إنَّك ستأتي قومًا أهل كتاب ) ).

وسياق الحديث أيضًا يدلُّ على ذلك؛ لأنَّه علَّق ما ظهرَ له من وفاتهِ على ما أخبره به جرير من أحواله، ولو كان هذا مُستفادًا من غير ذلك؛ لما احتاج إلى بناء هذا على ذلك، فإنَّ الأول والثَّالث من الاحتمالات خبر محضٌ، والثاني وقوعُ شيءٍ في النَّفس من غير قصدٍ، والله تعالى أعلم.

(وَأَقْبَلاَ مَعِي) هو من كلام جرير رضي الله عنه؛ أي أقبل ذو الكلاع، وذو عَمرو، يعني متوجِّهين إلى المدينة (حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، رُفِعَ لَنَا رَكْبٌ مِنْ قِبَلِ الْمَدِينَةِ) أي من جهتها (فَسَأَلْنَاهُمْ، فَقَالُوا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، وَالنَّاسُ صَالِحُونَ. فَقَالاَ) أي ذو الكَلَاع وذو عَمرو (أَخْبِرْ صَاحِبَكَ) أراد به أبا بكر رضي الله عنه (أَنَّا قَدْ جِئْنَا، وَلَعَلَّنَا سَنَعُودُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَرَجَعَا إِلَى الْيَمَنِ، فَأَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرٍ بِحَدِيثِهِمْ) قد تقدَّم [خ¦4359] أنَّ جمع الضَّمير إمَّا باعتبار اتباعهم، أو باعتبار أنَّ أقل الجمع اثنان.

(قَالَ أَفَلاَ جِئْتَ بِهِمْ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ) بضم الدال على البناء؛ أي بعد هذا الأمر، ولعلَّ ذلك كان بعد أن هاجر ذو عَمرو في خلافة عمر رضي الله عنه. وذكر يعقوبُ بن (شَبّة) بإسناد له أنَّ ذا الكَلَاع كان معه اثنا عشر ألف بيت من مواليه، فسأله عمرُ رضي الله عنه بيعهم؛ ليستعين بهم على حرب المشركين، فقال ذو الكَلَاع هم أحرارٌ، فأعتقهم في ساعةٍ واحدةٍ.

وروى سيف في «الفتوح»

ج 18 ص 417

أنَّ أبا بكر رضي الله عنه بعث أنسَ بن مالك رضي الله عنه يستنفرُ أهل اليمن إلى الجهاد، فرحلَ ذو الكَلَاع ومن أطاعه. وذكر ابنُ الكلبي في «النسب» أنَّ ذا الكَلَاع كان جميلًا، فكان إذا دخل مكة يتعمَّم، وشهد صفِّين مع معاوية رضي الله عنه، وقُتل بها.

(قَالَ لِي ذُو عَمْرٍو يَا جَرِيرُ إِنَّ بِكَ عَلَيَّ كَرَامَةً، وَإِنِّي مُخْبِرُكَ خَبَرًا إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ، لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا كُنْتُمْ إِذَا هَلَكَ أَمِيرٌ تَآمَرْتُمْ) بمد الهمزة وتخفيف الميم؛ أي تشاورتم، أو بالقصر وتشديد الميم؛ أي أقمتم أميرًا منكم عن رضى منكم، أو عهدٍ من الأول (فِي آخَرَ) أي أمير آخر (فَإِذَا كَانَتْ) أي الإمارة (بِالسَّيْفِ) أي بالقهرِ والغلبة (كَانُوا) أي الخلفاء (مُلُوكًا، يَغْضَبُونَ غَضَبَ الْمُلُوكِ، وَيَرْضَوْنَ رِضَا الْمُلُوكِ) وهذا كما تقدَّم يدلُّ على أنَّ ذا عمرو كان له اطِّلاع على الأخبار من الكتب القديمة [خ¦4359] .

وإشارته بهذا الكلام تطابق حديث سفينة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثمَّ تصير ملكًا [عضوضًا] ) ). رواه أحمد، وأصحاب «السنن» ، وصحَّحه ابن حبَّان وغيره.

وقال ابن التِّين ما قاله ذو عَمرو وذو الكَلَاع لا يكون إلَّا عن كتاب أو كَهانة، وما قاله ذو عَمرو لا يكون إلَّا عن كتاب.

وقال الحافظُ العسقلاني ولا أدري لم فرَّق بين المقالتين، والاحتمال فيهما واحدٌ، بل المقالة الأخيرة تحتمل أن تكون من جهة التَّجربة، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إن جريرًا لمَّا هدم ذا الخَلَصة بعد شهوده حجَّة الوداع ذهب إلى اليمن، ثمَّ لمَّا رجع بلغته وفاةُ النَّبي صلى الله عليه وسلم.

[1] كذا في العمدة، وفي الاستيعاب (أبو شراحيل)

[2] كذا في العمدة، وفي الاستيعاب (عمرو بن عوف بن مالك) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت