فهرس الكتاب

الصفحة 6308 من 11127

4380 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبَّاسُ) بالموحدة والمهملة (ابْنُ الْحُسَيْنِ) أبو الفضل، بغدادي ثقةٌ، ليس له في البخاري سوى هذا الحديث مفردًا، وآخر في التَّهجد مقرونًا [خ¦1152] ، مات قريبًا من سنة أربعين ومائتين، قال (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ) أي ابن سليمان القرشي الكوفي، صاحب الثَّوري (عَنْ إِسْرَائِيلَ) هو ابنُ يونس بن أبي إسحاق (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعي جدُّ إسرائيل المذكور (عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ) العبسي الكوفي (عَنْ حُذَيْفَةَ) هو ابنُ اليمان العبسي رضي الله عنه، وقد أخرج الحاكم في «المستدرك» عن الأصم عن الحسن بن علي بن عفَّان عن يحيى بن آدم بهذا الإسناد عن ابنِ مسعود رضي الله عنه بدل حُذيفة.

وكذلك أخرجه أحمدُ والنَّسائي وابن ماجه من طرق أخرى عن إسرائيل، ورجَّح الدَّارقطني في «العلل» هذه الرِّواية، وردَّه الحافظ العسقلاني فقال وفيه نظرٌ، فإن شعبة قد روى أصل الحديث عن أبي إسحاق فقال عن حذيفة كما في الباب، وقد مرَّ في مناقب أبي عبيدة رضي الله عنه [خ¦3745] ، وسيجيءُ أيضًا إن شاء الله تعالى [خ¦7254] .

وكأنَّ البخاري فهم ذلك فاستظهرَ برواية شعبة قال [الحافظ العسقلاني] والذي يظهرُ

ج 18 ص 450

أنَّ الطَّريقين صحيحان، فقد رواه ابن أبي شيبة أيضًا والإسماعيليُّ من رواية زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن صِلَة عن حذيفة، وقال المزيُّ وحذيفة أصح، والله تعالى أعلم.

(قَالَ جَاءَ الْعَاقِبُ) بالعين المهملة والقاف المكسورة وبالموحدة، اسمه عبد المسيح، وكان صاحب مشورتهم، والذي يصدرون عن رأيهِ (وَالسَّيِّدُ) بفتح السين المهملة وتشديد التحتية، واسمه الأيْهَم _ بفتح الهمزة وسكون التحتية _ ويُقال شُرحبيل، وكان صاحب رحالهم ومجتمعِهِم ورئيسِهِم في ذلك (صَاحِبَا نَجْرَانَ) وذكر ابن سعد أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كتبَ إلى أهل نجران فخرجَ إليه وفدهم أربعة عشر رجلًا من أشرافهم فيهم العاقبُ، وهو عبدُ المسيح رجل من كِندة، وأبو الحارث بن علقمة رجلٌ من ربيعة، وأخوه كَرْز والسَّيد وأوس ابنا الحارث، وزيد بن قيس وشيبة وخُوَيلد وخالد وعَمرو وعبد الله، وفيهم ثلاثةُ نفرٍ يتولَّون أمورهُم العاقب أميرهم وصاحبُ مشورتهم، والذي يصدرون عن رأيه، كما تقدَّم، وأبو الحارث أسقفهم وإمامُهم وصاحب مَدَارسهم، والسَّيد وهو صاحبُ رحالهم. فدخلوا المسجد وعليهم ثياب الحبرة [1] وأردية مَكفوفة بالحرير، فقاموا يصلُّون في المسجد نحو المشرق، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( دعوهم ) )ثمَّ أتوا النَّبي صلى الله عليه وسلم فأعرضَ عنهم ولم يُكلمهم، فقال لهم عثمان رضي الله عنه ذلك من أجل زيِّكم، فانصرفوا يومهم ذلك، ثمَّ غدوا عليه بزي الرُّهبان فسلَّموا فردَّ عليهم ودعاهم إلى الإسلام فأبوا، وكثر الكلام والحجاج وتلا عليهم القرآن، فامتنعوا، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (( إن أنكرتُم ما أقولُ فهلمَّ أباهلكُم فانصرفوا على ذلك ) ).

(إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدَا أَنْ يُلاَعِنَاهُ) أي يُبَاهلاه، من الملاعنةِ وهي المباهلةُ، وذكر ابنُ إسحاق بإسنادٍ مرسل أنَّ ثمانين آيةً من أوَّل سورة آل عمران نزلتْ في ذلك يشيرُ إلى قوله تعالى {تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} [آل عمران 61] الآية.

(قَالَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ لاَ تَفْعَلْ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلاَعَنَّا) بفتح

ج 18 ص 451

العين وتشديد النون، على صيغة التَّكلم مع الغير، وفي رواية الكُشميهني بفتح النونين، مع الإظهار على أنَّ في لاعن ضمير يرجعُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (لاَ نُفْلِحُ نَحْنُ وَلاَ عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا) زاد في رواية ابنِ مسعود رضي الله عنه (( أبدًا ) ).

واختلفوا في القائل، فذكر أبو نُعيم في «الصَّحابة» له بإسناد له أنَّ القائل بذلك هو السَّيد، وقال غيره بل الذي قال ذلك هو العاقب؛ لأنَّه كان صاحب رأيهم، وفي زيادات يونس بن بُكير في «المغازي» بإسناد له أن الذي قال ذلك شرحبيل أبو مريم.

ثمَّ المباهلة أنَّ يجتمع قومٌ إذا اختلفوا في شيءٍ، فيقولوا لعنةُ الله على الظَّالم منَّا. وفي مرسل الشَّعبي عند ابن أبي شيبة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( لقد أتاني البشيرُ بهلكةِ أهل نجران، لو تموا على الملاعنةِ ) )، ولما غدا إليهم أخذ بيد حسن وحسين وفاطمة تمشي خلفه للملاعنة.

(قَالاَ) أي العاقب والسيد (إِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا) وذلك بعد أن انصرفوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ممتنعون عن الإسلام، كما مرَّ عن قريب، وفي رواية ابن مسعود رضي الله عنه فأتياه فقالا لا نلاعنك، ولكنَّا نُعطيك ما سألتَ. وفي رواية يونس بن بُكير أنَّه صالحهم على ألفَي حُلَّة ألف في رجب وألف في صفر، ومع كلِّ حلَّة أوقية.

وفي رواية ابن سعد فغدا عبد المسيح _ وهو العاقب _ ورجلان من ذوي رأيهم، فقالوا قد بدا لنا أن لا نباهلك، فاحكم علينا بما أحببتَ ونصالحك، فصالحهم على ألفِي حلَّة ألف في رجب، وألف في صفر، ومع كلِّ حلَّة أوقية، وعلى عارية ثلاثين درعًا، وثلاثين رمحًا، وثلاثين بعيرًا، وثلاثين فرسًا، إن كان باليمن كيد، ولنجران وحاشيتهم جوار الله، وذمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم على أنفسهم وملَّتهم وأرضهم وأموالهم وغائبِهِم وشاهدهِم وبيعهم لا يُغير أسقف [2] عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيَّته، ولا واقفٌ عن وقفانيته، وأشهد على ذلك شهودًا منهم أبو سفيان والأقرع بن حابس والمغيرة بن شعبة، فرجعوا إلى بلادهِم فلم يلبث السَّيِّد والعاقب إلَّا يسيرًا حتَّى رجعا إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فأسلما

ج 18 ص 452

انتهى.

(وَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا، وَلاَ تَبْعَثْ مَعَنَا إِلاَّ أَمِينًا. فَقَالَ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (لأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ، فَاسْتَشْرَفَ لَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من الاستشرافِ، وهو الاطلاع، وأصله أن تضعَ يدك على حاجبكَ وتنظر كالذي يستظلُّ من الشَّمس حتَّى يستبينَ الشَّيء، والحاصل أنَّهم ترقبوا له كل منهم يأمل أن يكون هو المبعوث إليهم.

(فَقَالَ قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ. فَلَمَّا قَامَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ) فإن قيل قد ذكر ابنُ إسحاق أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم بعث عليًا رضي الله عنه إلى أهل نجران ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم.

فالجواب أنَّ قصة علي رضي الله عنه غير قصَّة أبي عبيدة رضي الله عنه، فإنَّ أبا عبيدة توجَّه معهم فقبض مال الصُّلح ورجعَ، وعليٌّ رضي الله عنه أرسله النَّبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فقبضَ منهم ما استحقَّ عليهم من الجزية، وأخذ ممَّن أسلم منهم ما استحقَّ من الصَّدقة.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة غنية عن البيان، وقد أخرجه البخاريُّ في خبر الواحد أيضًا [خ¦7254] ، وأخرجه بقية الجماعة غير أبي داود.

[1] في هامش الأصل الحبرة على وزن العنبة برد يماني. جوهري.

[2] في هامش الأصل أسقف النصارى رئيس من رؤسائهم في دينهم. وواقف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت