4418 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ) كذا وقع عند الأكثرين، ووقع عن الزُّهري في بعض هذا الحديث رواية عن عبد الرَّحمن بن كعب بن مالك، وهو عمُّ عبد الرَّحمن بن عبد الله الذي حدَّث به عنه هنا، ورواية عن عبد الله بن كعب نفسه، وسمع الحديث بطولهِ من ولده عبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعب، وعنه أيضًا رواية عن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعب عن عمه عُبيد الله
ج 18 ص 497
بالتصغير.
ووقع عند ابن جرير من طريق يونس عن الزُّهري في أوَّل الحديث بغيرِ إسناد، قال الزُّهري غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك وهو يُريد نصارى العرب والرُّوم بالشَّام، حتَّى إذا بلغَ تبوك أقام بها بضع عشرة ليلة، ولقيه بها وفد أَذْرَح ووفد أَيْلَة فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزيةِ، ثمَّ قفلَ من تبوك ولم يُجاوزها، وأنزلَ الله تعالى {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ} [التوبة 117] الآية.
والثلاثة الذين خُلّفوا رهط من الأنصار في بضعةٍ وثمانين رجلًا، فلمَّا رجعَ صدّقه أولئك واعترفوا بذنوبهم، وكذبَ سائرهم فحلفوا ما حبسهُم إلَّا العذر، فقبل منهم، ونهى عن كلام الذين خُلِّفوا. قال الزُّهري وأخبرني عبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعب، فساقَ الحديث بطوله.
(وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ) بفتح الموحدة وكسر النون بعدها تحتانية ساكنة، ووقع في رواية القابسي هنا، وكذا لابن السَّكن في الجهاد بفتح الموحدة وسكون التحتانية وكسر المثناة الفوقيَّة، والأول هو الصَّواب (حِيْنَ عَمِيَ) وفي رواية معقل عن ابن شهاب عند مسلم (( وكان قائد كعب حين أُصيب بصرهِ، وكان أعلم قومه وأوعاهُم لأحاديث أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).
(قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ) مفعول به لا مفعول فيه، فافهم (عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ) متعلِّق بقوله يُحدِّث (قَالَ كَعْبٌ لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلاَّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ) زاد أحمد من رواية مَعمر (( وهي آخر غزوةٍ غزاها ) )وهذه الزِّيادة رواها موسى بن عقبة عن ابن شهابٍ بغير إسناد، ومثله في «زيادات المغازي» ليونس بن بُكير من مرسل الحسن.
(غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا) وقد تقدَّم في غزوة بدرٍ بهذا السَّند [خ¦3951] [1] (( ولم يُعاتب الله أحدًا ) ) (إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ) العير بالكسر، الإبل التي تحمَّل الميرة.
(حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، وَلَقَدْ شَهِدْتُ
ج 18 ص 498
مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ) هي اللَّيلة التي بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها الأنصار على الإسلام والإيواء والنَّصر، وذلك قبل الهجرة، والعقبة هي التي في طرف منى التي يُضاف إليها جمرة العقبة، وكانت بيعة العقبة مرَّتين كانوا في السنة الأولى اثني عشر، وفي الثانية سبعين كلهم من الأنصار.
(حِينَ تَوَاثَقْنَا) أي تعاهدنا وتعاقدنا (عَلَى الإِسْلاَمِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ) أي أنَّ لي بدلها (وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ) أي غزوة بدر (أَذْكَرَ فِي النَّاسِ) أي أعظم ذكرًا بينهم، وأشهر عندهم بالفضيلة (مِنْهَا) وفي رواية يونس عن ابنِ شهاب عند مسلم (( وإن كانت بدر أكثر ذكرًا في النَّاس منها ) )، ولفظ «أذكر» ، على وزن أفعل التَّفضيل، وفي رواية أحمد من طريق مَعْمر عن ابن شهاب «ولعمرِي إن أشرفَ مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لبدرٍ» ، وذلك لأنَّها كانت سببَ قوَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظهورِ الإسلام، وإعلاء كلمةِ الله تعالى.
(كَانَ مِنْ خَبَرِي أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلاَ أَيْسَرَ) زاد مسلم (( مني ) ) (حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ، وَاللَّهِ مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ، حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلاَّ وَرَّى) بفتح الواو وتشديد الراء؛ أي أوهم (بِغَيْرِهَا) وهو من التَّورية، وهي أن يذكر لفظًا يُحتملُ معنيين أحدهما أقربُ من الآخر، فيوهم إرادةَ القريب وهو يُريدُ البعيد. وزاد أبو داود من طريق محمَّد بن ثور عن مَعْمر عن الزُّهري، وكان يقول «الحرب خُدْعة» .
تنبيه هذه القطعةُ من الحديث أُفردتْ منه، وقد تقدَّمت في الجهاد [خ¦2947] بهذا الإسناد، وزاد فيه [خ¦2949] من طريق يونس عن الزُّهري [وقلّما كان يخرج إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس وللنسائي من طريق ابن وهب عن يونس] في سفر جهاد ولا غيره، وله من وجه آخر، وخرجَ في غزوة تبوك يوم الخميس.
(حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا، وَمَفَازًا وَعَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلَّى) بفتح الجيم وتشديد اللام، ويجوز تخفيفها؛ أي أوضح (لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ) الأُهْبَة _ بضم الهمزة وسكون الهاء _، ما يُحتاجُ إليه في السَّفر والحرب؛ أي كشفَ أمرهم ليستعدُّوا بما يحتاجون إليه في سفرهِم ذلك، ويُروى (( أُهبة عدوِّهم ) ).
(فَأَخْبَرَهُمْ
ج 18 ص 499
بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرٌ) وقد مرَّ آنفًا [خ¦4415 قبل] أنَّه كان معه أربعون ألفًا، وقيل سبعون ألفًا (وَلاَ يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ) بالتنوين فيهما، وفي رواية مسلم بالإضافة، وزاد في رواية معقل (( يزيدون على عشرة آلاف، ولا يجمعُهم ديوان حافظ ) )، وللحاكم في «الإكليل» من حديث معاذ رضي الله عنه خرجنَا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفًا.
وبهذه العدة جزم ابن إسحاق، وأورده الواقديُّ بإسناد آخر موصول، وزاد أنَّه كان معه عشرة آلاف فرس، فتُحمل رواية معقل على إرادةِ عدد الفرسان، ولابنِ مَرْدويه لا يجمعُهم ديوانٌ حافظٍ؛ يعني ديوان مكتوب يحفظُ عددَهم، وهو يُقوِّي رواية التنوين.
وقد نُقل عن أبي زُرعة الرَّازي أنَّهم كانوا في غزوة تبوك أربعين ألفًا، ولا يُخالفُ الرِّواية التي في «الإكليل» أكثر من ثلاثين ألفًا لاحتمال أن يكون من قال أربعين ألفًا جبر الكسر.
(يُرِيدُ الدِّيوَانَ) هو من كلام الزُّهري، وأرادَ به أنَّ المراد من قوله «كتاب حافظ» ، هو الدِّيوان، وهو الكتاب الذي يُجمعُ فيه الحساب، وهو بكسر الدال، وقيل بفتحها أيضًا، وهو معرَّب، وقيل عربي، وقد احترزَ بذلك عمَّا وقع في حديث حذيفة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( اكتبُوا لي من تَلفظُ بالإسلام ) )، وقد ثبتَ أنَّ أول من دَوَّن الدَّواوين عمر رضي الله عنه.
(قَالَ كَعْبٌ) هو موصولٌ بالإسناد المذكور (فَمَا رَجُلٌ) وفي رواية مسلم (( فقلّ رجل ) ) (يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلاَّ عَلَى ظَنِّ أَنَّه سَيَخْفَى لَهُ) ويروى ، وفي رواية الكُشميهني بتخفيف النون بلا هاء، وفي رواية مسلم (( أنَّ ذلك سيخفى له ) )، وذلك الظَّن لكثرةِ العسكر.
(مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيُ اللَّهِ، وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلاَلُ) وفي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب (( في قيظٍ شديدٍ في ليالي الخريف،
ج 18 ص 500
والنَّاس خارفون في نخيلهم )) ، وفي رواية أحمد من طريق مَعمر (( وأنا أقدرُ شيء في نفسي على الجهاد وخِفَّة الحاذ، وأنا في ذلك أصْفُو إلى الظِّلال والثِّمار ) ).
وقوله (( الحاذ ) )بالحاء المهملة وتخفيف الذال المعجمة، هو الحال وزنًا ومعنى، وقوله (( أَصْغُو ) )بصاد مهملة وضم المعجمة؛ أي أميل، ويُروى بفتح العين المهملة بعدها راء، وفي رواية ابن مَرْدويه (( فالنَّاس إليها صُعُر ) ).
(وَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، فَطَفِقْتُ) بالطاء والفاء والقاف، وهو من أفعال المقاربة بمعنى أخذتُ في الفعل (أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ، فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي أَنَا قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ) بكسر الجيم، وهو الجهدُ في الشَّيء والمبالغة فيه.
قال ابن التِّين وضبط في بعض الكتب برفع النَّاس على أنَّه الفاعل، فيكون الجد منصوبًا على نزعِ الخافضِ، أو هو نعتٌ لمصدر محذوفٍ؛ أي اشتدَّ النَّاس الاشتدادَ الجد. وعند ابن السَّكن اشتدَّ بالنَّاس الجدُّ برفع الجد وزيادة الباء، وهو الذي في رواية أحمد ومسلم وغيرهما، وفي رواية ابن مَرْدويه (( حتَّى شمَّر النَّاسُ الجدَّ ) )وهي تؤيد التَّوجيه الأول.
(فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي) بفتح الجيم وكسرها، وهو الأُهبةُ (شَيْئًا، فَقُلْتُ أَتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ) وعند ابنِ أبي شيبة وابن جرير من وجهٍ آخر عن كعب (( فأخذتُ في جَهازي فأمسيتَ ولم أفرغْ، فقلت أتجهز غدًا ) ) (فَغَدَوْتُ بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا لأَتَجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَسْرَعُوا) وفي رواية الكُشميهني بالشين المعجمة وهو تصحيفٌ.
(وَتَفَارَطَ) بالفاء والطاء المهملة؛ أي فات وسبق، من الفرط، وهو السَّبق (الغَزْوُ) وفي رواية ابن أبي شيبة (( حتَّى أمعن القومُ وأسرعوا، فطفقتُ أغدو للتَّجهيز ويشغلني الرِّجال، فأجمعتُ القعود حين سبقني القومُ ) )، وفي رواية أحمد من طريق عمر بن كثير
ج 18 ص 501
عن كعب (( فقلتُ أَيْهَاتَ سار النَّاس _ ثلاثًا _ فأقمتُ ) ).
(وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ) وزاد في رواية ابن مردويه (( ولم أفعل ) )وفيه تمني ما فات فعله (فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ، فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطُفْتُ فِيهِمْ، أَحْزَنَنِي أَنِّي لاَ أَرَى إِلاَّ رَجُلًا مَغْمُوْصًا) بالغين المعجمة والصاد المهملة (عَلَيْهِ النِّفَاقُ) أي مطعونًا عليه في دينه متهمًا بالنِّفاق، وقيل مُستحقَرًا، تقول غَمَصتُ فلانًا إذا استحقرتُه، وكذلك أغمصتُه.
(أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ) بغير صرف للعلمية والتأنيث في رواية الأكثر، ويُروى بالصَّرف على إرادة المكان والموضع (فَقَالَ، وَهْوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بتَبُوكَ مَا فَعَلَ كَعْبٌ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ) بكسر اللام، وفي رواية مَعمر (( من قومي ) )، وعند الواقدي هو عبدُ الله بن أُنيس، وهذا غير الجهني الصَّحابي المشهور، وقد ذكر الواقديُّ فيمن استُشهدَ باليمامة عبد الله بن أُنيس السَّلَمي _ بفتحتين _ فهو هذا، والذي رَدّ عليه هو معاذ بن جبل رضي الله عنه اتفاقًا، إلَّا ما حكى الواقدي في رواية أنَّه أبو قتادة قال والأوَّل أثبت.
(يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ) تثنية برد (وَنَظَرُهُ فِي عِطْفِهِ) بكسر العين المهملة؛ أي جانبه، ويُروى ويُروى أيضًا ويُروى أيضًا ، وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه ولباسه، وقيل [2] كُنِّي بذلك عن حسنهِ وبهجته، والعربُ تصفُ الرِّداء بصفة الحسن وتسمِّيه عِطْفًا؛ لوقوعه على عِطْفَي الرَّجل.
(فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلاَّ خَيْرًا. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فبينما هو كذلك رأى رجلًا منتصبًا [3] يزولُ به السَّراب، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (( كنْ أبا خَيْثمة ) )فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري.
قال الحافظ العسقلاني واسم أبي خيثمة هذا هو سعدُ بن خيثمة، كذا أخرجه الطَّبراني من حديثه، ولفظه تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلتُ حائطًا فرأيتُ عريشًا قد رُشَّ بالماء، ورأيتُ زوجتي، فقلتُ ما هذا بإنصافٍ، رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في السَّمُوم والحر، وأنا في الظِّل والنَّعيم، فقمتُ إلى ناضحٍ لي وتمراتٍ فخرجت، فلمَّا طلعتُ على العسكرِ فرآني النَّاس، قال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( كنْ أبا خيثمة ) )فجئت فدعا لي.
وذكره ابنُ إسحاق عن عبدِ الله بن أبي بكر بن حزم مرسلًا، وذكر الواقديُّ أنَّ اسمه عبدُ الله بن خيثمة، وقال ابنُ هشام اسمه مالك بن قيس، والله تعالى أعلم.
(قَالَ كَعْبُ بنُ مَالِكٍ فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّهُ) أي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 18 ص 502
(تَوَجَّهَ قَافِلًا) أي راجعًا من سفرهِ إلى المدينة، وفي رواية مسلم (( فلمَّا بلغني أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ) )، وذكر ابنُ سعد أنَّ قدوم النَّبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان في رمضان (حَضَرَنِي هَمِّي) كذا في رواية الكُشميهني، وفي رواية غيره ، وفي رواية مسلم (( بثي ) )بالموحدة ثمَّ المثلثة.
(وَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ، وَأَقُولُ بِمَاذَا أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا، وَاسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي) وفي رواية ابن أبي شيبة (( وطَفِقْت أعدُّ العذر لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم إذا جاء وأُهيئ الكلام ) ) (فَلَمَّا قِيلَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا) أي قد دنا قدومه إلى المدينة، كأن ظله وقع عليها (زَاحَ) بالزاي وبالحاء المهملة؛ أي زال (عَنِّي الْبَاطِلُ، وَعَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أَبَدًا بِشَيْءٍ فِيهِ كَذِبٌ، فَأَجْمَعْتُ صِدْقي) ويُروى ؛ أي جزمت بذلك وعقدتُ عليه قصدي، وفي رواية ابنِ أبي شيبة (( وعرفتُ أن لا يُنْجيني منه إلَّا الصِّدق ) ).
(وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ) هذه القطعة من هذا الحديث أُفردت في الجهاد [خ¦2947] . وقد أخرجه أحمدُ من طريق ابن جُريج عن ابن شهاب بلفظ (( لا يقدم من سفر إلَّا في الضُّحى، فيبدأُ بالمسجد فيصلِّي فيه ركعتين ويقعد فيه ) ). وفي رواية ابن أبي شيبة (( ثمَّ يدخلُ على أهله ) )، وفي حديث أبي ثعلبة عند الطَّبراني (( كان إذا قدمَ من سفرٍ بدأ بالمسجدِ فصلى فيه ركعتين، ثمَّ يُثني بفاطمة، ثمَّ يأتي أزواجَهُ ) )، وفي لفظ (( ثمَّ بدأ ببيتِ فاطمة، ثمَّ أتى بيوت نسائه ) ).
(فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ) أي الذين تأخَّروا عن الذَّهاب مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم (فَطَفِقُوا) أي أخذوا (يَعْتَذِرُونَ) أي يُظهرون العذر (وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا) قد مرَّ غير مرَّة أنَّ البضعة في العدد
ج 18 ص 503
ما بين الثَّلاث إلى التِّسع، وقيل ما بين الواحد إلى العشرة، وهو بكسر الباء، وحكي الفتح أيضًا.
وذكر الواقديُّ أنَّ هذا العدد كان من مُنافقي الأنصار، وأنَّ المعذرين من الأعراب كانوا أيضًا اثنين وثمانين رجلًا من بني غِفَار وغيرهم، وأنَّ عبدَ الله بن أبي ومن أطاعه من قومِهِ كانوا من غير هؤلاء، وكانوا عددًا كثيرًا.
(فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلاَنِيَتَهُمْ) أي ظاهرهم (وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَجِئْتُهُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ) أي كتبسُّم المغضَب _ بفتح الضاد _، وفي «مغازي ابن عائذ» فأعرضَ عنه، فقال يا نبيَّ الله، لم تُعرض عني؟ فوالله ما نافقتُ ولا ارتبتُ ولا بدَّلت قال (( فما خَلَّفك ) ).
(ثُمَّ قَالَ تَعَالَ فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي مَا خَلَّفَكَ، أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟) أي اشتريتَ راحلتك (فَقُلْتُ بَلَى، إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ) على البناء للمفعول (جَدَلًا) أي فصاحةً وقوَّةَ كلامٍ بحيث أخرج من عُهدة ما يُنسب إليّ ممَّا يُقبلُ ولا يُرد.
(وَلَكِنِّي وَاللَّهِ، لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ) أي ليعجلنَّ الله (أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ) بكسر الجيم؛ أي تغضب علي (فِيهِ، إِنِّي لأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ، لاَ وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلاَ أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ فَقُمْتُ) وزاد النَّسائي من طريق يونس عن الزُّهري (( فمضيتُ ) ) (وَثَارَ رِجَالٌ) أي وثبوا(مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبَعُونِي، فَقَالُوا لِي
ج 18 ص 504
وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، وَلَقَدْ عَجَزْتَ أَنْ لاَ تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْمُخَلِّفُونَ، قَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَ. فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونِي)بنون ثقيلة ثمَّ موحدة، من التَّأنيب، وهو اللَّوم العَنِيف؛ أي تلومونَنِي أشدَّ اللَّوم. وقوله (( كافيكَ ذنبك ) )بالنَّصب على نزعِ الخافض، أو على المفعوليَّة، واستغفار بالرفع على أنَّه الفاعل.
(حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي) وعند ابن عائذ فقال كعب ما كنتُ لأجمعَ أمرين أتخلَّف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكذِبُه، فقالوا له إنَّك شاعرٌ جريءٌ، فقال أمَّا على الكذب فلا. وزاد في رواية ابن أبي شيبة كما صنعَ ذلك بغيرك فقبلَ منهم عذرهم واستغفرَ لهم.
(ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ؟ قَالُوا نَعَمْ، رَجُلاَنِ قَالاَ مِثْلَ مَا قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ، فَقُلْتُ مَنْ هُمَا؟ قَالُوا مُرَارَةُ) بضم الميم وتخفيف الراء الأولى (ابْنُ الرَّبِيعِ) ضدُّ الخريف، ويُقال ابن ربيعة، كما في «صحيح مسلم» (الْعَمْرِيُّ) بفتح المهملة وسكون الميم، نسبة إلى بني عَمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وكان شهد بدرًا، ووقع في رواية بعضِهم (( العامري ) )وهو خطأ. وقوله (( ابن الربيع ) )هو المشهور، وفي حديث مُجَمِّع بن جارية عند ابن مَرْدويه مُرَارة بن ربعي، وهو خطأ أيضًا، وكذا ما وقع عند ابن أبي حاتم من مرسل الحسن من تسميته ربيع بن مُرَارة هو مقلوب.
وذكر في هذا المرسل أنَّ سبب تخلُّفه أنَّه كان له حائط حين زُهي، فقال في نفسه قد غزوت قبلها فلو أقمتُ عامي هذا، فلمَّا تذكر ذنبه، قال [4] اللَّهمَّ لك خرجتُ على [5] أن لا أرجعَ إلى أهلٍ ولا مالٍ.
(وَهِلاَلُ بْنُ أُمَيَّةَ) بضم الهمزة وتخفيف الميم وتشديد التحتية (الْوَاقِفِيّ) بقاف ثمَّ فاء، نسبة إلى بني واقف بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس الأنصاري، وكان شهد بدرًا أيضًا (فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ، قَدْ شَهِدَا بَدْرًا، فِيهِمَا إِسْوَةٌ) بكسر الهمزة
ج 18 ص 505
وضمها، قال ابن التِّين التَّأسي بالنظير ينفع في الدنيا بخلاف الآخرة، فقد قال الله تعالى {وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} [الزخرف 39] ، وهكذا وقع هنا.
وظاهره أنَّه من كلام كعب بن مالك، وهو مقتضى صنيع البخاري، وقد تقرَّر ذلك واضحًا في غزوة بدر، وممَّن جزم بأنَّهما شهدا بدرًا أبو بكر الأثرم.
وتعقَّبه ابن الجوزي ونسبه إلى الغلطِ فلم يُصب، واستدلَّ بعضهم لكونهما لم يشهدا بدرًا بما وقع في قصة حاطب، وأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يهجره ولا عاقبه مع كونه جسَّ عليه بل قال لعمر لمَّا همَّ بقتله (( وما يدريك لعلَّ الله اطَّلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتُم فقد غفرتُ لكم ) )، قال وأين ذنب التَّخلف من ذنب الجسِّ.
وفيه أنَّه ليس ما استدلَّ به بواضح لأنَّه يقتضي أنَّ البدري عنده إذا جنى جناية ولو كبُرت لا يُعاقب عليها، وليس كذلك فهذا عمر رضي الله عنه مع كونه المخاطب بقصَّة حاطب قد جلدَ قدامة بن مَظْعون الحد لما شرب الخمر وهو بدري، وإنما لم يعاقب النَّبي صلى الله عليه وسلم حاطبًا ولا هجره؛ لأنَّه قبل عذره في أنَّه إنما كاتب قريشًا خشية على أهلهِ وولده، وأرادَ أن يتَّخذ له عندهم يدًا، فعذرَهُ بذلك بخلاف تخلُّف كعب وصاحبيه، فإنهم لم يكن لهم عذرٌ أصلًا، كذا قرَّره الحافظ العسقلاني.
(فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَلاَمِنَا أَيُّهَا الثَّلاَثَةُ) بالرفع، وهو في موضعٍ نصب على الاختصاص؛ أي متخصصين بذلك دون بقية النَّاس، فهذا في صورة النِّداء وليس به، بل المراد بصفة؛ أي هو ما دلَّ عليه ضمير المتكلِّم لا المخاطب، وإنما نُقل من باب النِّداء إلى باب الاختصاص لمشاركة معنوية بين البابين، إذ المنادى أيضًا مختصٌّ بالخطاب من بين أمثاله، ولا يجوز في باب الاختصاص إظهار حرف النداء مع أي؛ لأنَّه لم يبق فيه معنى النِّداء كما حقق في موضعه.
(مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ) بفتح الموحدة بعدها نون المتكلِّم، وهي جملة من الفعل والمفعول، وقوله «النَّاس» بالرفع فاعله (وَتَغَيَّرُوا لَنَا، حَتَّى تَنَكَّرَتْ) أي تغيرت (فِي نَفْسِي الأَرْضُ فَمَا هِيَ الَّتِي أَعْرِفُ) أي تغير كل شيءٍ علي حتَّى الأرض، فإنها توحَّشت وصارت كأنَّها أرض لم أعرفها لتوحشها، وفي نسخة . وفي رواية مَعْمر (( وتنكَّرت لنا الحيطان حتَّى ما هي بالحيطان التي نعرفُ، وتنكَّر لنا النَّاس حتَّى ما هم الذين نعرف ) )وهذا يجده الحزين والمهمومُ في كلِّ شيءٍ حتَّى قد يجده في نفسه.
وزاد المصنِّف في «التفسير» من طريق إسحاق بن راشد عن الزُّهري [خ¦4677] (( وما من شيءٍ أهمُّ إليَّ من أن أموت فلا يُصلِّي عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يموت فأكون من النَّاس بتلك المنزلة، فلا يُكلِّمني أحدٌ منهم ولا يُصلى عليّ ) )، وعند ابن عائذ (( حتَّى وجلوا أشدَّ الوجل، وصاروا مثل الرُّهبان علي ) ).
(فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا
ج 18 ص 506
وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلاَةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ) أي أدور (فِي الأَسْوَاقِ وَلاَ يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهْوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلاَمِ عَلَيَّ أَمْ لاَ؟) لم يجزم كعب بتحريك شفتيه صلى الله عليه وسلم، ولعلَّ ذلك بسبب أنَّه لم يكن يُديم إليه النَّظر من الخجل.
(ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ، فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ) بالقاف؛ أي أنظر إليه في خفية (فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلاَتِي أَقْبَلَ إِلَيَّ، وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ النَّاسِ) بفتح الجيم وسكون الفاء؛ أي من جفائهم وإعراضهم، وفي رواية ابن أبي شيبة (( وطفقنا نمشي في النَّاس لا يُكلِّمنا أحدٌ، ولا يرد علينا سلامًا ) ) (مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ) أي صعدتُ وعلوتُ سور الدَّار (جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ) والحائطُ البستان، وهو؛ أي أبو قَتادة _ بفتح القاف _، واسمه الحارث بن رِبْعِي _ بكسر الراء وسكون الموحدة وبالمهملة _، ابن بَلْدَمة الأنصاري السلمي الخزرجي من بني غنم بن كعب بن سلمة بن يزيد بن جشم بن الخزرج، هكذا يقول ابن شهاب وجماعة أهل الحديث أن اسم أبي قتادة الحارث بن رِبعي. قال ابنُ إسحاق وأهله يقولون اسمه النُّعمان بن عمرو بن بَلْدَمة، قال أبو عمر يقولون بَلْدَمة _ بالفتح _ وبُلْدُمة _ بالضم _، وبُلْذُمة _ بالذال المنقوطة والضم أيضًا _، توفي بالكوفة في خلافة علي رضي الله عنه وصلَّى هو عليه.
(وَهْوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ) قال الحافظ العسقلاني ذكر أنَّه ابن عمِّه لكونهما معًا من بني سلمة، وليس هو ابن عمِّه أخي أبيه الأقرب، وقال الكرماني وليس هو ابن عمِّه بل ابن عمِّ جدِّ جدِّه (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلاَمَ) قيل وإنما لم يرد عليه السَّلام لعموم النَّهي عن كلامهم (فَقُلْتُ يَا أَبَا قَتَادَةَ، أَنْشُدُكَ) بضم المعجمة؛ أي أسألك(بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟
ج 18 ص 507
فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ، فَقَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ)قال القاضي لعلَّ أبا قتادة لم يقصد بهذا تكليمه لأنَّه منهيٌّ عن كلامه، بل أظهرَ اعتقاده قال ولو حلف لا يكلِّم إنسانًا فسأله عن شيءٍ فقال الله أعلم، ولم يرد جوابه ولا إسماعه لم يحنثْ.
(فَفَاضَتْ عَيْنَايَ وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ) أي للخروجِ من الحائط، وفي رواية مَعْمر (( فلم أملك نفسي أن بكيتُ، ثمَّ اقتحمتُ الحائط خارجًا ) ) (قَالَ فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ الْمَدِينَةِ، إِذَا نَبَطِيٌّ) كلمة (( إذا ) )للمفاجأة، والنَّبَطِي _ بفتح النون والموحدة _ الفلاح (مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّأْمِ) نسبة إلى استنباط الماء واستخراجهِ، والأنباط كانوا في ذلك الوقت أهل الفلاحة، وهذا النَّبَطِي الشَّامي كان نصرانيًا كما وقع في رواية مَعْمر أنَّه نصراني جاء بطعام له يبيعه. قال الحافظُ العسقلاني ولم أقف على اسم هذا النَّصراني، ويقال إنَّ النبط ينسبون إلى نبيط بن هانب بن أميم بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السَّلام.
(مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ، يَقُولُ مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ) بفتح المعجمة وتشديد السين المهملة، وهو من جملة ملوك اليمن سكنوا الشَّام، وقيل هو جبلةُ بن الأيهم نصَّ عليه ابن عائذ. وعن الواقدي أنَّه الحارث بن أبي بشر، وقيل جندبُ بن الأيهم، وفي رواية ابن مردويه (( فكتبَ إلي كتابًا في سَرقة من حرير ) ).
(فَإِذَا فِيهِ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ) أي ذل وصغار (وَلاَ مَضْيَعَةٍ) بفتح الميم وسكون الضاد المعجمة وفتح التحتية، وكسرها مع سكون التحتية أيضًا لغتان؛ أي حيث يضيع حقك، وعند ابن عائذ فإن لك متحوَّلًا _ بالمهملة وفتح الواو _؛ أي مكانًا تتحول إليه (فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ) بضم النون وكسر السين المهملة، من المواساة،
ج 18 ص 508
زاد في رواية ابن أبي شيبة (( في أموالنا فقلت إنَّا لله قد طمع فيَّ أهلُ الكفر ) )ونحوه لابن مردويه.
(فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْبَلاَءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ) أي قصدتُ بها؛ أي بالكتاب الذي أرسله ملك غسَّان، وإنما أنَّث الضَّمير باعتبار الصَّحيفة، والتُّنور ما يُخبز به وهو معروفٌ، وهذا الصَّنيع من كعب يدلُّ على قوَّة إيمانه ومحبته لله ولرسوله، وإلَّا فمن صار في مثل حاله من الهجر والإعراض قد يضعفُ عن احتمال ذلك، وتحمُّله الرَّغبة في الجاه والمال على هجران من هجره.
ولا سيَّما مع أمنه من الملك الذي استدعاه إليه أنَّه لا يكرهه على فراقِ دينه، لكن لما احتمل عنده أنَّه لا يأمن من الافتتان حسم المادة وأحرقَ الكتاب ومنع الجواب، هذا مع كونه من الشُّعراء الذين طُبعت نفوسُهم على الرَّغبة، ولا سيَّما بعد الاستدعاء والحثِّ على الوصول إلى المقصود من الجاهِ والمال، ولا سيَّما والذي استدعاهُ قريبه ونسيبه، ومع ذلك فغلب عليه دينُه وقوي عنده يقينُه، ورجَّح ما هو فيه من النَّكد والتَّعذيب على ما دُعِي إليه من الرَّاحة والتَّنعيم [6] حبًا في الله ورسوله، كما قال صلى الله عليه وسلم (( وأن يكون الله ورسوله أحب إليه ممَّا سواهما ) )، وعند ابن عائذ أنَّه شكا حاله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال (( ما زال إعراضُك عني حتَّى رغب فيَّ أهل الشِّرك ) ).
(فَسَجَرْتُهُ بِهَا) بسين مهملة وجيم؛ أي أوقدته، وفي رواية ابن مردويه (( فعمدتُ بها إلى تنورٍ فسجرتُه بها ) ) (حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الْخَمْسِينَ، إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كلمة (( إذا ) )للمفاجأة. قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسم ذلك الرسول، ثمَّ وجدته في رواية الواقدي أنَّه خُزيمة بن ثابت قال وهو الرَّسول إلى هلال ومُرارة بذلك (يَأْتِينِي فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ) هي عميرةُ بنت جُبير بن صخر بن أمية الأنصارية أم أولاده الثَّلاثة عبد الله وعبيد الله ومعبد، ويُقال اسم امرأته التي كانت يومئذٍ عنده خَيْرة _ بالمعجمة المفتوحة ثمَّ التحتانية _. وقال الذَّهبي عُميرة بنت جبير صلَّت القبلتين، وهي زوجةُ كعب بن مالك، وقال أيضًا خَيرة امرأةُ كعب بن مالك لها حديثٌ غريبٌ في كتاب «الوجدان» لابن أبي عاصم، وقال أبو عمر وخيرة امرأة كعب بن مالك الشاعر، ويُقال حيرة _ بالحاء المهملة _ حديثها عند الليث بن سعد من رواية ابن وهب وغيره بإسنادٍ ضعيفٍ لا تقوم به حجَّة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا يجوز لامرأة في مالها أمر إلَّا بإذن زوجها ) ).
(فَقُلْتُ أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ لاَ، بَلِ اعْتَزِلْهَا وَلاَ تَقْرَبْهَا. وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لاِمْرَأَتِي الْحَقِي بِأَهْلِكِ) هذا اللَّفظ من الكنايات، وموضعه الفروع (فَتَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الأَمْرِ) وزاد النَّسائي من طريق معقل بن عبيد الله عن الزُّهري (( فلحقت بهم ) )(قَالَ كَعْبٌ فَجَاءَتِ
ج 18 ص 509
امْرَأَةُ هِلاَلِ بْنِ أُمَيَّةَ)هي خولةُ بنت عاصم، وقال الذَّهبي هي التي لاعنها هلال ففرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هِلاَلَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ لاَ، وَلَكِنْ لاَ يَقْرَبْكِ، قَالَتْ إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيْءٍ، وَاللَّهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا. فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي) استشكل هذا مع نهي النَّبي صلى الله عليه وسلم عن كلام الثَّلاثة، وأُجيب بأنَّه يُحتمل أن يكون عبّر عن الإشارة بالقول. وقيل لعلَّه من النِّساء لأن النَّهي لم يقع عن كلام النِّساء اللَّاتي في بيوتهم، وقيل كان الذي كلَّمه منافقًا، وقيل كان ممن يخدُمه ولم يدخل في النَّهي.
(لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي امْرَأَتِكَ، كَمَا أَذِنَ لاِمْرَأَةِ هِلاَلِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ؟ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لاَ أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا يُدْرِينِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ؟ فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، حَتَّى كَمَلَتْ) بضم الميم وفتحها وكسرها (لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَلاَمِنَا، فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلاَةَ الْفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ) يعني قوله تعالى {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} [التوبة 118] الآية
(قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ، أَوْفَى) أي ارتفع وأشرف (عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ) بفتح المهملة وسكون اللام وبالمهملة، جبلٌ معروفٌ بالمدينة، وفي رواية معمر (( من ذروة سلع ) )؛ أي أعلاه، وزاد ابن مردويه (( وكنتُ ابتنيتٌ خيمة في ظاهرِ [7] سِلْع، فكنتُ أكون فيها ) )، ونحوه لابن عائذ وزاد (( أكون فيها
ج 18 ص 510
نهارًا )) (بِأَعْلَى صَوْتِهِ) قال الواقدي الذي أوفى على سلع أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه (يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ) من البشارة، وفي رواية عمر بن كثير عند أحمد عن كعب إذ سمعت رجلًا على الثنية يقول كعبًا كعبًا حتَّى دنا مني فقال بشِّروا كعبًا (قَالَ فَخَرَرْتُ) أي أسقطتُ نفسي على الأرض حال كوني (سَاجِدًا) وفيه مشروعيَّة سجدة الشُّكر، وكرهه أبو حنيفة ومالك رحمهما الله (وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ) وعند ابن عائذ (( فخر ساجدًا يبكي فرحًا بالتوبة ) ).
(وَآذَنَ) بالمد؛ أي أعلم (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاَةَ الْفَجْرِ) وفي رواية الكُشميهني بغير مد وبكسر المعجمة. ووقع في رواية إسحاق بن راشد [خ¦4677] ، وفي رواية معمر (( فأنزل الله توبتنا على نبيِّه حين بقي الثُّلث الأخير من الليل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أمِّ سلمة رضي الله عنها، وكانت أمُّ سلمة مُحْسِنَةٌ في شأني، معتنيةٌ بأمري، فقال يا أمَّ سلمة تيبَ على كعب ) )قالت أفلا أرسلُ إليه فأبشره؟ قال (( إذًا يَحْطمُكُم النَّاس فيمنعوكُم النوم سائر اللَّيلة، حتَّى إذا صلى الفجر آذن بتوبة الله علينا ) ).
(فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، وَذَهَبَ قِبَلَ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي جهة (صَاحِبَيَّ) بفتح الموحدة وتشديد التحتية، تثنية صاحب، وهما هلال ومُرارة (مُبَشِّرُونَ) جمع مبشر، فاعل ذهب (وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا) وهو الزُّبير بن العوام رضي الله عنه، وقيل حمزة بن عَمرو الأسلمي، والأول أصحُّ (وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ) هو حمزةُ بن عَمرو الأسلمي، رواه الواقدي. وقال أبو عمر حمزة بن عَمرو الأسلمي من ولد أسلم بن أفصى بن حارثة بن عامر، يُكنى أبا حاتم، يعدُّ في أهل الحجاز، مات سنة إحدى وستين وهو ابنُ ثمانين سنة، روى عنه أهل المدينة، وكان يسردُ الصَّوم، وعند ابن عائذ إن اللذين سعيا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، لكنه صدره بقوله زعموا.
قال الواقدي وكان الذي بشَّر هلال بن أمية بتوبته سعيدُ بن زيد قال خرجت إلى بني واقف، فبشَّرته فسجد، قال سعيد فما ظننت أنَّه يرفع رأسه
ج 18 ص 511
حتَّى تخرجَ نفسُه؛ يعني لما كان فيه من الجهد، فقد قيل إنَّه امتنع من الطعام حتَّى كان يواصلُ الأيام صائمًا، ولا يفترُ من البكاء، وكان الذي بشَّر مُرارة بتوبته سلكان بن سلامة أو سلمة بن سلامة بن وقش.
(فَأَوْفَى) بالفاء مقصورًا؛ أي أشرف واطلع (عَلَى الْجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي) هو حمزة بن عَمرو الأسلمي (نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ، فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا بِبُشْرَاهُ، وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ) يعني من جنس الثياب، وإلَّا فقد تقدَّم أنَّه كان عنده راحلتان، وسيأتي أنَّه استأذن أن يخرجَ من ماله صدقة، وفي رواية ابن أبي شيبة التَّصريح بذلك ففيها (( والله ما أملك يومئذٍ ثوبين غيرهما ) )، وزاد ابن عائذ من وجه آخر عن الزُّهري فلبسهما.
(وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ) زاد في رواية الواقدي (( من أبي قتادة ) ) (فَلَبِسْتُهُمَا، فَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية مسلم (( فانطلقتُ أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ) (فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا) أي جماعة جماعة (يُهَنُّوننِي بِالتَّوْبَةِ يَقُولُونَ لِتَهْنِكَ) بكسر النون، وزعم ابن التِّين أنَّه بفتحها قال لأنَّه من يهنَأ _ بالفتح _، وفيه نظر (تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، قَالَ كَعْبٌ حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) وهو أحد العشرة المبشرة (يُهَرْوِلُ) الهرولة السَّير بين العدو والمشي (حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّانِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ، وَلاَ أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ) قالوا سبب ذلك أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان آخى بينه وبين طلحة لما آخى بين المهاجرين والأنصار. والذي ذكره أهل المغازي أنَّه كان أخا الزُّبير، لكن الزبير كان أخا طلحة في أخوة المهاجرين فهو أخو أخيه.
(قَالَ كَعْبٌ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 18 ص 512
وهو يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ) استشكل هذا الإطلاق بيوم إسلامه، فإنه مرَّ عليه بعد أن ولدتُه أمه وهو خير أيامه، فقيل هو مستثنى تقديرًا، وإن لم ينطقْ به لعدم خفائه، والأحسنُ في الجواب أن يوم توبتهِ مكمل ليوم إسلامه، فيوم إسلامه بداية سعادته، ويوم توبتهِ مكمِّل لها فهو خير من جميع أيامه، وإن كان يوم إسلامه خيرها فيوم توبتهِ المضاف إلى إسلامه خيرٌ من يوم إسلامه المجرَّد عنها، والله تعالى أعلم.
(قَالَ قُلْتُ أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ لاَ) أي ليس من عندي (بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) وزاد في رواية ابن أبي شيبة (( إنكم صدقتُم الله فصدقكم ) ) (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سُرَّ) على البناء للمفعول؛ أي إذا حصل له السُّرور (اسْتَنَارَ وَجْهُهُ) أي تنور (حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ) وفي رواية إسحاق بن راشد في التفسير [خ¦4677] (( حتَّى كأنَّه قطعةٌ من القمر ) )ويسأل عن السر في التَّقييد بالقطعة، مع كثرة ما وردَ في كلام البلغاء من تشبيهِ الوجه بالقمر بغير تقييد.
وقد تقدَّم في صفة النَّبي صلى الله عليه وسلم تشبيههم له بالشمس طالعة، وغير ذلك، وكان كعب بن مالك قائل هذا من شعراء الصَّحابة، وحاله في ذلك مشهورٌ، فلا بدَّ في التقييد بذلك من حكمة، وما قيل في ذلك من الاحتراز من السَّواد الذي في القمر ليس بقوي، لأنَّ المراد تشبيهه بما في القمر من الضِّياء والاستنارة، وهو في تمامه لا يكون فيها أقل ممَّا في القطعة المجرَّدة.
وقد ذكرت في صفة النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك توجيهات منها أنَّه للإشارة إلى موضع الاستنارة وهو الجبين، وفيه يظهر السُّرور كما قالت عائشة رضي الله عنها «مسرورًا تبرق أسارير وجهه» ، وكأنَّ التَّشبيه وقع على بعض الوجه فناسبَ أن يُشبه ببعض القمر.
(وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ) وفي رواية الكُشميهني ، وفيه ما كان في النَّبي صلى الله عليه وسلم من كمال الشَّفقة على أمته، والرَّأفة بهم، والفرح
ج 18 ص 513
بما يسرُّهم، وعند ابن مَرْدويه من وجهٍ آخر عن كعب بن مالك لما نزلتْ توبتي أتيتُ النَّبي صلى الله عليه وسلم فقبَّلت يده وركبته.
(فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي) أي أن أخرجَ من مالي بالكلِّية (صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ) بالنصب مصدرٌ في موضع الحال؛ أي متصدِّقًا، أو ضمَّن «أنخلع» معنى أتصدَّق، وهو مصدر أيضًا، أو لأجل التَّصدق، وكلمة إلى في قوله (( إلى الله ) )بمعنى اللام؛ أي صدقة خالصة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ) )إنما أمره بذلك خوفًا من تضرُّره بالفقر وعدم صبره على الإضاقة [8] ، ولا يخالف هذا صدقة أبي بكر رضي الله عنه بجميع ماله؛ لأنَّه كان صابرًا راضيًا، وفي رواية أبي داود عن كعب أنَّه قال (( إنَّ من توبتي أن أخرجَ من مالي كله إلى الله ورسوله صدقة، قال لا، قلت نصفه، قال لا، قلت فثلثه قال نعم ) ).
ولابن مَرْدويه من طريق ابن عُيينة عن الزُّهري فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( يُجزئ عنك من ذلك الثُّلث ) )، ونحوه لأحمد في قصَّة أبي لبابة حين قال إنَّ من توبتي أن أنخلعَ من مالي كلِّه صدقة لله ولرسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يُجزئُ عنك الثلث ) ).
(قُلْتُ فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لاَ أُحَدِّثَ إِلاَّ صِدْقًا مَا لَقِيتُ، فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلاَهُ اللَّهُ) أي أنعم عليه(فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلاَنِي، وَمَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيتُ. وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ} إِلَى قَوْلِهِ {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة 117 - 119] .
ج 18 ص 514
فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلإِسْلاَمِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قوله (( أعظم ) )، وكذا قوله (( أحسن ) )فيما سبق شاهد على أن هذا السِّياق يُورد ويُراد به نفي الأفضليَّة لا المساواة؛ لأنَّ كعبًا شاركه في ذلك رفيقان، وقد نفى أن يكون أحد حصل له أحسن ممَّا حصل له، وهو كذلك لكنَّه لم ينف المساواة، كذا قرَّره الحافظ العسقلاني، فليتأمل.
(أَنْ لاَ أَكُونَ كَذَبْتُهُ) بدل من قوله «من صدقي» ؛ أي ما أنعم عليَّ أعظم من عدم كذبي، قال النَّووي وكذا القاضي عياض قالوا لفظة «لا» زائدة، ومعناه أن أكون كذبته نحو {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} [الأعراف] .
(فَأَهْلِكَ) بالنصب؛ أي فإن أهلِك _ بكسر اللام وحكي فتحها _ (كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا) أي كهلاك الذين كذبوا (فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا) أي لأجل الذين كذبوا (حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ) أي قال قولًا شر ما قال بالإضافة؛ أي شر القول الكائن لأحد من النَّاس، ثمَّ بين ذلك بقوله (فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَيَحْلِ