380 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ) أي ابن يوسف التِّنيِّسي، وفي رواية (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل الأنصاري، وفي رواية ، أسقط أباه ونسبه إلى جده، وكان مالك رحمه الله لا يقدِّم عليه أحدًا في الحديث، وقد مرَّ في باب من قعد حيث ينتهي به المجلس [خ¦66] .
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه، وقد أخرج هذا الحديث مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي في «الصلاة» أيضًا.
(أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ) بضم الميم وفتح اللام، وفي ضمير (( جدته ) )اختلاف.
قال ابن عبد البر وعبد الحق وعياض أنَّه يعود إلى إسحاق، وصححه النووي، ويؤيده ما رواه أبو داود، نا مسلم بن إبراهيم، نا المثنى بن سعيد، ثنا قتادة، عن أنس بن مالك (( أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور أم سليم، فتدركه الصلاة أحيانًا، فيصلي على بساط لنا، وهو حصير ننضحه بالماء ) ).
وأم سليم هي أم أنس، وأمُّها مليكة بنت مالك بن عدي، وهي جدة إسحاق، واختلف في اسم أم سليم، فقيل سهلة، وقيل رميلة، وقيل رمثة، وقيل الرميصاء، وقيل الغميصاء، وقيل أنيفة _ بالنون والفاء مصغرة _، وتزوج أم سليم مالك بن النضر، فولدت له أنس بن مالك، ثم خلف عليها أبو طلحة، فولدت له عبد الله وأبا عُمَير.
وعبد الله هو والد إسحاق راوي هذا الحديث، عن عمه أخي أبيه لأمه أنس بن مالك.
وقال ابن سعد
ج 3 ص 121
وابن منده وابن الجصَّار يعود الضمير في (( جدته ) )إلى أنس نفسه، ويؤيده ما ذكره أبو الشيخ الأصبهاني في الحادي عشر من (( فوائد العراقيين ) )ثنا أبو بكر محمد بن جعفر، قال ثنا مقدَّم بن محمد بن يحيى، عن عمه القاسم بن يحيى، عن عبيد الله بن عمر، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، قال (( أرسلتني جدتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واسمها مليكة فجاءنا فحضرت الصلاة، فقمت إلى حصير لنا. .. ) )الحديثَ.
ولا تنافي بين كون مليكة جدة أنس، وبين كونها جدة إسحاق.
ثم مقتضى كلام من أعاد الضمير في جدته إلى إسحاق أن يكون اسم أم سليم مليكة، ومستندهم في ذلك ما رواه ابن عيينة، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، قال (( صففت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وأمي أم سليم خلفنا ) ). هكذا أخرجه المؤلف، كما سيأتي في أبواب الصفوف [خ¦727] ، والقصة واحدة طوَّلها مالك، واختصرها ابن عيينة ويحتمل تعددها.
(دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ) أي لأجل طعام.
وقال الحافظ العسقلاني وهو مشعر بأنَّ مجيئه كان لذلك، لا ليصلي بهم ليتخذوا مكان صلاته مصلىً لهم، كما في قصة عتبان بن مالك الآتية [خ¦425] ، وهذا هو السر في كونه بدأ في قصة عتبان بالصلاة قبل الطعام، وهنا بالطعام قبل الصلاة، فبدأ في كل منهما بأصل ما دعي له.
وقال محمود العيني لا مانع في الجمع بين الدعاء للطعام، وبين الدعاء للصلاة، ولهذا صلى عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث، والظاهر أنَّ قصد مليكة من دعوتها كان للصلاة، ولكنها جعلت الطعام مقدمة لها.
وقوله وهذا هو السر. .. إلى آخره، فيه نظر؛ لأنَّه يحتمل أنَّ الطعام كان قد حضر وتهيَّأ في دعوة مليكة، والطعام إذا حضر لا يؤخر، فيتقدم على الصلاة، وبدأ بالصلاة في قصة عتبان لعدم حضور الطعام.
(صَنَعَتْهُ) أي مليكة جدة أنس أو إسحاق، أو ابنتها أم سليم جدة إسحاق، فافهم (لَهُ) صلى الله عليه وسلم (فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم
(قُومُوا) وفيه دليل على ترك الوضوء مما مست النار، لكونه صلى الله عليه وسلم صلى بعد الطعام، كذا قيل، والحكم كذلك، لكن في دلالة هذا الحديث عليه نظر، لما رواه الدارقطني في (( غرائب مالك ) )عن البغوي، عن عبيد الله بن عون، عن مالك، ولفظه (( صنعت مليكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 3 ص 122
طعامًا، فأكل منه وأنا معه، ثم دعا بوضوء، فتوضأ )) الحديثَ.
(فَلأُصَلِّ) فيه ستة أوجه من الإعراب
الأول أن يكون _ بكسر اللام وضم الهمزة وفتح الياء _.
قال القرطبي رويناه كذا، ووجهه أنَّ اللام فيه لام كي، والفعل بعدها منصوب بأن المقدرة، تقديره فلأن أصلي، والفاء جواب الأمر، ومدخول الفاء محذوف، تقديره قوموا فقيامكم لأصلي بكم، ويجوز أن تكون الفاء زائدة على رأي الأخفش، واللام متعلقة بقوموا.
الثاني فلأصلي مثل الأول إلا أن الياء ساكنة، ووجهه تسكين الياء للتخفيف، أو اللام لام الأمر، وثبتت الياء في الجزم إجراء للمعتل مُجرى الصحيح، كقراءة {مَنْ يَتَّقِي} [الزمر 24] .
الثالث فلأصلِّ بحذف الياء؛ لكون اللام لام الأمر، وهي رواية الأَصيلي.
الرابع فأصلي على صيغة الإخبار عن نفسه، وهو خبر مبتدأ محذوف، تقديره فأنا أصلي، والجملة جواب الأمر.
الخامس فلِنصل بكسر اللام في الأصل، وبنون الجمع، ووجهه أنَّ اللام لام الأمر، والفعل مجزوم بها، وعلامة الجزم سقوط الياء.
السادس فلأصلي بفتح اللام، وروي هكذا في بعض الروايات، ووجهه أن تكون اللام لام الابتداء للتأكيد، أو تكون جواب قسم محذوف، والفاء جواب شرط محذوف، تقديره إن قمتم فوالله لأصلي.
(لَكُمْ) أي لأجلكم، وإن كان الظاهر أن يقول بكم، بالموحدة، ثم الأمر في قوله (( قوموا ) )، والخطاب في (( لكم ) )لمن عنده، لكنه أضاف الصلاة إلى نفسه لارتباط فعلهم بفعله، ويمكن أن يكون الأمر بمعنى الخبر، كما في قوله تعالى {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} [مريم 75] ، فليتأمل.
(قَالَ أَنَسٌ) رضي الله عنه (فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا، قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ) بضم اللام وكسر الموحدة؛ أي من كثرة استعماله، فطول لبسه كناية عن كثرة استعماله، وأصل هذه المادة تدل على مخالطة ومداخلة، ولبس هاهنا ليس من قولهم لبستُ الثوب، وإنما هو من قولهم لبستُ امرأة، أي تمتَّعت بها زمانًا، فحينئذ يكون معناه قد اسود من كثرة ما تُمُتِّع به في طول الزمان.
وقال الحافظ العسقلاني فيه أنَّ الافتراش يسمَّى لبسًا، وقد استدل به على منع افتراش الحرير، لعموم النهي عن لبس الحرير، ولا يرد على ذلك أن من حلف لا يلبس حريرًا، فإنَّه لا يحنث بافتراشه، لأنَّ الأيمان مبناها على العرف.
وقال
ج 3 ص 123
محمود العيني قصد هذا القائل الغمز فيم قال أبو حنيفة رحمه الله من جواز افتراش الحرير وتوسده، ولكن الذي يدرك دقائق المعاني ومدارك الألفاظ العربية يعرف ذلك، ويقرُّ بأن أبا حنيفة رحمه الله لا يذهب إلى شيء سُدًى.
وذلك لما عرفت أن قوله لبس، هنا، ليس من قولهم لبست الثوب، وإنما هو من قولهم لبست المرأة.
(فَنَضَحْتُهُ) من النضح، بمعنى الرش (بِالمَاءِ) تليينًا له، أو تنظيفًا له بإزالة الأوساخ منه؛ لأنَّه كان قد اسود من كثرة الاستعمال على ما مر (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) على الحصير (وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيم) هو ضميرة بن أبي ضميرة، وأبو ضميرة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان من حمير، اسمه سعد الحميري، من آل ذي يزن، كذا قال البخاري.
وقال أبو حاتم سعد الحميري، هو جد حسين بن عبد الله بن ضميرة بن أبي ضميرة. انتهى.
ويقال اسم أبي ضميرة رَوْحُ بن سندر، وقيل رَوْح بن شيرزاد، وضُمَيْرَة _ بضم الضاد المعجمة وفتح الميم وسكون الياء المثناة التحتية وفتح الراء _، وفي رواية بغير لفظة ، وفي مثل هذا خلاف بين البصريين والكوفيين، فعند البصريين لا يعطف على الضمير المرفوع إلا بعد أن يؤكد بضمير منفصل، ليحسن العطف على الضمير المتصل بارزًا كان أو مستترًا، كقوله تعالى {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة 35] .
وعند الكوفيين يجوز ذلك بدون التأكيد، والأول هو الأفصح.
ثم في قوله (( واليتيم ) )يجوز الرفع والنصب، أمَّا الرفع فلأنَّه معطوف على الضمير المرفوع، وأمَّا النصب فعلى أنه مفعول معه.
(وَرَاءَهُ) ظرف لقوله صففت (وَالْعَجُوزُ) هي مليكة المذكورة أولًا (مِنْ وَرَائِنَا) وهي جملة اسمية، وقعت حالًا، وفي حالة الرفع يكون معطوفًا، فتأمل (فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ) نافلتين (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي من الصلاة، وذهب إلى بيته.
ومن فوائد هذا الحديث إجابة الدعوة، وإن لم تكن وليمة عرس، والأكل من طعامها، ومنها جواز النافلة جماعة.
فإن قيل قد جاء في رواية أبي الشيخ الحافظ (( فحضرت الصلاة ) ).
فالجواب أنَّه لا يلزم من حضور وقت الصلاة أنَّ صلاته صلى الله عليه وسلم في بيت مليكة كانت للفرض، ألا ترى أنَّ في رواية مسلم (( قوموا فلأصلي بكم في غير وقت صلاة لنا،
ج 3 ص 124
فصلى بنا )) ، ومع هذا كره أصحابنا وجماعة آخرون التنفل بالجماعة في غير رمضان.
وقال ابن حبيب عن مالك لا بأس أن يفعله الناس اليوم في الخاصة، من غير أن يكون مشتهرًا، مخافة أن يظنُّها الجهَّال من الفرائض.
ومنها أنَّ الأفضل أن تكون النوافل في البيت؛ لأنَّ المساجد تبنى لأداء الفرائض. ومنها الصلاة في دار الداعي وتبركه بها، ولعله أراد صلى الله عليه وسلم تعليم أفعال الصلاة للمرأة مشاهدة، فإن المرأة قلما تشاهد أفعاله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فأراد أن تشاهدها، وتتعلَّمها، وتعلِّمها غيرها. ومنها تنظيف مكان المصلى من الأوساخ والكناسات والزبالات. ومنها قيام الطفل مع الرجال في صف واحد. ومنها تأخر النساء عن الرجال.
ويستنبط منه أنَّ إمامة المرأة للرجال لا تصح؛ لأنَّه إذا كان مقامها متأخرًا عن مرتبة الصبي، فبالأولى أن لا تتقدمهم، وهو قول الجمهور خلافًا للطبري وأبي ثور في إجازتهما إمامة النساء مطلقًا، وحكي عنهما أيضًا إجازة ذلك في التراويح، إذا لم يوجد قارئ غيرها، كذا ذكره محمود العيني.
ومنها أنَّ الأفضل في نوافل النهار أن تكون ركعتين.
وقال الحافظ العسقلاني وفيه الاقتصار في نافلة النهار على ركعتين، خلافًا لمن اشترط أربعًا.
وتعقبه محمود العيني فقال إن كان مراده أبا حنيفة رحمه الله فليس كذلك؛ لأنَّه لم يشترط ذلك، بل قال الأربع أفضل، سواء كان في الليل أو في النهار. انتهى.
ومنها صحة صلاة الصبي المميز.
وقال النووي احتج بقوله (( من طول ما لبس ) )أصحاب مالك في المسألة المشهورة بالخلاف، وهي إذا حلف لا يلبس ثوبًا ففرشه، فعندهم يحنث.
وأجاب أصحابنا بأن لبس كل شيء بحسبه، فحملنا اللبس في الحديث على الافتراش للقرينة، ولأنه المفهوم منه، بخلاف من حلف لا يلبس ثوبًا، فإنَّ أهل العرف لا يفهمون من لبسه الافتراش. انتهى.
وقال محمود العيني ليس معنى اللبس في الحديث الافتراش، وإنَّما معناه التمتع، كما قال أصحاب اللغة، يقال لبست امرأة؛ أي تمتعت بها زمانًا طويلًا، وقد ذكر آنفًا.
ومنها الصلاة على الحصير، وسائر ما تنبته الأرض، وهو إجماع إلا من شذَّ بحديث أنه لم يصلِّ عليه، وهو لا يصح.
ومنها أنَّ الأصل في الحصير ونحوه الطهارة، ولكن النضح فيه إنَّما كان لأجل التليين،
ج 3 ص 125
أو لإزالة الوسخ كما مر.
وقال القاضي عياض الأظهر أنَّه كان للشك في نجاسته، وهذا كما ترى على مذهبه أن النجاسة المشكوك فيها تطهر بنضحها من غير غسل، وأما عندنا الطهارة لا تحصل إلا بالغسل.
ومنها أنَّ الاثنين يكونان صفًا وراء الإمام، وهو مذهب العلماء كافة، إلا ابن مسعود، فإنَّه قال يكون الإمام بينهما، وفي (( التوضيح ) )وبه قال أبو حنيفة والكوفيون.
وقال محمود العيني مذهب أبي حنيفة ليس كذلك، بل مذهبه أنَّه إذا أمَّ اثنين يتقدم عليها، وبه قال محمد، واحتجا في ذلك بهذا الحديث المذكور في الباب، نعم؛ عن أبي يوسف رواية أنه يتوسطهما.
قال صاحب (( الهداية ) )ونقل ذلك عن ابن مسعود، وهو موقوف عليه.
وقد رواه مسلم من ثلاثة طرق، ولم يرفعه في الأوليين، ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الثالثة، وقال هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو عمر هذا الحديث لا يصح رفعه، وأمَّا فعله فإنَّما كان لضيق المسجد، رواه الطحاوي في (( شرح الآثار ) )، بسند عن ابن سيرين أنَّه قال لا أرى ابن مسعود فعل ذلك، إلا لضيق المسجد، أو لعذر آخر، لا على أنَّه من السنة.
ومنها أنَّ المنفرد خلف الصف تصح صلاته، بدليل وقوف العجوز في الأخير، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي ومالك. وقال أحمد وأصحاب الحديث لا تصح لقوله صلى الله عليه وسلم (( لا صلاةَ للمنفردِ خلفَ الصف ) ). قلنا أريد به نفي الكمال. ومنها أنَّ السلام ليس بواجب في الخروج من الصلاة، لقوله (( ثم انصرف ) )، ولم يذكر سلامًا، فإنَّ الظاهر أن المراد من الانصراف هو الانصراف من الصلاة، لا الانصراف من البيت، كذا قيل.
وفيه أنَّه مع هذا الاحتمال لا يقوم الاستدلال، على أنَّه يحتمل أن يكون المراد الانصراف من الصلاة بالسلام، والله أعلم بحقيقة المرام.