فهرس الكتاب

الصفحة 6371 من 11127

4432 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهِريِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) أنَّه (قَالَ لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) على البناء للمفعول؛ أي قارب حضور الموت لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقال حضر فلانٌ، واحتضر إذا دنا موتُه، وقال ابنُ الأثير وروي بالخاء المعجمة، وقيل وهو تصحيفٌ.

(وَفِي البَيْتِ رِجَالٌ) أي والحال أنَّ في بيت النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجالًا من الصَّحابة رضي الله عنهم، ولم يرد أهل بيت النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَقَالَ النَّبِيُّصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلُمُّوا) أي أقبلوا (أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ) ويُروى بنون الجمع على اختلاف كلمة «لا» ، فإن كانت

ج 18 ص 540

«لا» الناهية فتترك النون، وإن كانت «لا» للنفي فبالنون.

(فَقَالَ بَعْضُهُمْ) هو عمر رضي الله عنه (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ القُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ البَيْتِ) أي من كان في البيت حينئذٍ من الصَّحابة رضي الله عنهم (وَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَرِّبُوا يَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالِاخْتِلاَفَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُومُوا) أي قوموا عني، وهكذا هو في رواية ابن سعد (قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَكَانَ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا إِنَّ الرَّزِيَّةَ) بفتح الراء وكسر الزاي وتشديد التحتية، المصيبة (كُلَّ الرَّزِيَّةِ، مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الكِتَابَ، لِاخْتِلاَفِهِمْ وَلَغَطِهِمْ) واللَّغَط _ بفتح اللام والغين المعجمة وبالطاء المهملة _ الصوت والصياح، وفي هذه الرِّواية ما يُشعر بأنَّ بعض الصَّحابة رضي الله عنهم كان مصممًا على الامتثالِ والرَّد على من امتنعَ منهم حيث قالوا (( قرِّبوا يكتب لكم ) )، ولما وقع منهم الاختلاف ارتفعتِ البركة كما جرتِ العادة بذلك عند وقوع التَّنازع والتَّشاجر. وقد مضى في الصِّيام [خ¦2023] أنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج يُخبرهُم بليلة القدرِ فرأى رجلين يختصمان فرُفعت.

قال المازريُّ إنما جاز للصَّحابة رضي الله عنهم الاختلاف في هذا الكتاب مع صريحِ أمرهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهم بذلك لأنَّ الأوامر قد يُقارنها ما ينقلها من الوجوب، وكأنَّه ظهرَت منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرينة دلَّت على أنَّ هذا الأمر ليس على التَّحتم بل على الاختيار، فاختلفَ اجتهادهم، وصمَّم عمر رضي الله عنه على الامتناع لما قام عنده من القرائن بأنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ذلك من غيرِ قصدٍ جازم، وعزمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إمَّا بالوحي وإمَّا بالاجتهاد وكذلك تركه، إن كان العزم بالوحي فبالوحي، وإلَّا فبالاجتهاد أيضًا، وفيه حجَّة لمن قال بالرُّجوع إلى الاجتهاد

ج 18 ص 541

في الشَّرعيات.

وقال النَّووي اتَّفق العلماء على أنَّ قول عمر رضي الله عنه (( حسبنا كتاب الله ) )من قوَّة فقههِ ودقيق نظرهِ؛ لأنَّه خشي أن يكتب أمورًا ربما عجزوا عنها فاستحقُّوا العقوبة لكونها كانت منصوصة، وأراد أن لا ينسدَّ باب الاجتهاد على العلماء، وفي تركه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإنكار على عمر رضي الله عنه إشارة إلى تصويبه رأيه، وأشار بقوله «حسبنا كتاب الله» ، إلى قوله تعالى {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام 38] .

ويُحتمل أن يكون قصد التَّخفيف عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما رأى ما فيه من شدَّة الكرب، وقامت عنده قرينة بأن الذي أراد كتابته ليس ممَّا لا يستغنون عنه، إذ لو كان من هذا القبيل لم يتركه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأجل اختلافهم، ولا يُعارض ذلك قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما «إنَّ الرَّزيَّة ... إلى آخره» لأنَّ عمر رضي الله عنه كان أفقه منه قطعًا.

وقال الخطَّابي لم يتوهَّم عمر رضي الله عنه الغلط فيما كان النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُريد كتابته، بل امتناعه محمولٌ على أنَّه لما رأى ما هو فيه من الكرب وحضورِ الموت خشيَ أن يجدَ المنافقون سبيلًا إلى الطَّعن فيما يكتبه، وإلى حمله على تلك الحالة التي جرت العادة فيها بوقوع بعض ما يُخالفُ الإتقان، وكان ذلك سبب توقف عمر رضي الله عنه لا أنَّه تعمدَ مخالفة النَّبي صلى الله عليه وسلم ولا جوَّز وقوع الغلطِ عليه حاشا وكلا.

وأمَّا قول ابنِ بطَّال عمر رضي الله عنه أفقه من ابن عبَّاس رضي الله عنهما حيث اكتفى بالقرآن ولم يكتف ابن عبَّاس رضي الله عنهما به، فمتعقَّب بأنَّ إطلاق ذلك مع ما تقدَّم ليس بجيدٍ فإنَّ قول عمر رضي الله عنه «حسبنا كتاب الله» ، لم يرد به أن يكتفي به عن بيان السنة بل لما قام عنده من القرينة، وخشي ممَّا يترتب على كتابة الكتاب ممَّا تقدَّمت الإشارة إليه، ورأى أنَّ الاعتماد على القرآن لا يترتَّب عليه شيء ممَّا خشيه قال ذلك.

وأمَّا ابن عبَّاس رضي الله عنهما فلا يُقال في حقِّه إنه لم يكتف بالقرآن مع أنَّه حَبْر القرآن، وأعلم النَّاس بتفسيرهِ وتأويلهِ،

ج 18 ص 542

ولكن أسفه على ما فاته من البيان بالتَّنصيص عليه لكونه أولى من الاستنباط، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة كسابقه فإنَّه طريق آخر فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت