فهرس الكتاب

الصفحة 6386 من 11127

4452 - 4453 - 4454 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعد (عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوف رضي الله عنه (أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ) بضم السين المهملة وسكون النون وبضمها أيضًا وبالحاء المهملة، هو موضعٌ في عوالي المدينة كان للصِّدِّيق رضي الله عنه مسكن ثمَّة، ويُقال هو من منازل بني الحارث بن الخزرج بعوالي المدينة، وقيل كان مسكن زوجتهِ.

(حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ

ج 18 ص 564

حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَتَيَمَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي قصده (وَهُوَ مُغَشًّى بِثَوْبِ حِبَرَةٍ) أي مغطى بثوب حِبْرة _ بكسرة الحاء المهملة وفتح الموحدة _ وهو ثوبٌ يماني، ويقال ثوب حبرة، بالإضافة وبالصفة.

(فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، وَاللَّهِ لاَ يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، أَمَّا المَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا) من مات يمات، ومن مات يموت؛ إنما قال ذلك لأنَّ عمر رضي الله عنه قال حين مات النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إنَّ الله سيبعثُ نبيه فيقطعُ أيدي رجالٍ، قالوا إنَّه مات، ثمَّ يموت آخر الزَّمان» ، فأراد أبو بكر رضي الله عنه ردَّ كلامه؛ أي لا يكون لك في الدنيا إلَّا موتة واحدة.

وقال الدَّاودي أي لا يموت في قبرهِ موتة أُخرى، كما قيل في الكافر والمنافق بعد أن تُردَّ إليه روحُه ثمَّ يُقبض، وقيل أي لا يجمعُ الله عليك كربَ هذا الموت قد عصمَكَ الله من عذابهِ، ومن أهوال يوم القيامة. وقيل أراد بالموتة الأخرى موت الشَّريعة؛ أي لا يجمعُ الله عليك موتَك وموتَ شريعتكِ، قال هذا القائل ويُؤيِّده قول أبي بكر رضي الله عنه بعد ذلك في خُطبته من كان يعبدُ محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبدُ الله فإنَّ الله حيٌّ لا يموت.

(قَالَ الزُّهْرِيُّ وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ) وفي بعض النُّسخ بدون ذكر الزُّهري (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ) أي يقول لهم ما مات رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعند أحمد من طريق يزيد بن بابَنُوس عن عائشة رضي الله عنها متَّصلًا بما ذُكر في آخر الكلام على الحديث الثامن بعد قولها فسجَّيته ثوبًا، فجاءَ عمر والمغيرة بن شعبة فاستأذنا، فأذنت لهما، وجذبت الحجاب، فنظرَ عمر إليه، فقال واغشياه ثمَّ قاما، فلمَّا دنوا من الباب، قال المغيرةُ

ج 18 ص 565

يا عمرُ مات، قال كذبت بل أنت رجلٌ تحدِّث من فتنة [1] أنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يموت حتَّى يُفني الله المنافقين، ثمَّ جاء أبو بكر رضي الله عنه فرفعتُ الحجاب، فنظرَ إليه، فقال إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ماتَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وروى ابن إسحاقُ وعبد الرَّزَّاق والطَّبراني من طريق عكرمة أنَّ العبَّاس رضي الله عنه قال لعمر رضي الله عنه هل عند أحدٍ منكم عهد من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك؟ قال لا، قال فإنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد مات ولم يمتْ حتَّى حارب وسالم، ونكحَ وطلَّق، وترككُم على محجَّة واضحةٍ، وهذه من موافقاتِ العبَّاس للصِّدِّيق رضي الله عنهما.

وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند ابنِ أبي شيبة أنَّ أبا بكر رضي الله عنه مرَّ بعمر رضي الله عنه وهو يقول ما ماتَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا يموتُ حتَّى يقتلَ الله المنافقين، فقال وكانوا أظهروا الاستبشارَ ورفعوا رؤوسهُم، فقال أيُّها الرَّجل إنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد مات، ألم تسمعْ الله تعالى يقول {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر 30] وقال {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ} [الأنبياء 34] ثمَّ أتى المنبر فصعدَ، فحمدَ الله وأثنى عليه، فذكر خطبته (فَقَالَ اجْلِسْ يَا عُمَرُ، فَأَبَى عُمَرُ أَنْ يَجْلِسَ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} إِلَى قَوْلِهِ {الشَّاكِرِينَ} [آل عمران 144] ) زاد يزيد بن بابنوس عن عائشة رضي الله عنها أنَّ أبا بكر رضي الله عنه حمدَ الله وأثنى عليه، ثمَّ قال إنَّ الله تعالى يقول {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} حتَّى فرغ من الآية، ثمَّ تلا {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} الآية وقال فيه قال عمر أو إنَّها في كتاب الله ما شعرت أنَّها في كتاب الله.

وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما نحوه وزاد ثمَّ نزل فاستبشر المسلمون،

ج 18 ص 566

وأخذت المنافقين الكآبة، قال ابن عمر رضي الله عنهما فكأنما كانت على وجوهنَا أغطيةٌ فكُشِفت.

(وَقَالَ) أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما (وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ حَتَّى تَلاَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ، فَمَا أَسْمَعُ بَشَرًا مِنَ النَّاسِ إِلَّا يَتْلُوهَا. فَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) هو مقول الزُّهري، وأغرب الخطَّابي فقال ما أدري من قال ذلك أبو سلمة أو الزُّهري، وقد صرَّح عبد الرَّزَّاق عن مَعمر بأنَّه الزُّهري، وأثر ابن المسيَّب عن عمر رضي الله عنه هذا أهملَه المزي في «الأطراف» مع أنَّه على شرطه.

(أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلاَهَا فَعُقِرْتُ) بضم العين وكسر القاف؛ أي هلكت، وفي رواية بفتح العين؛ أي دهشتُ وتحيَّرت، ويُقال سقطتُ، ورواه يعقوبُ بن السِّكيت بالفاء من العَفْر، وهو التُّراب. وفي رواية الكُشميهني بتقديم القاف على العين. قال الحافظُ العسقلاني وهو خطأٌ، والصَّواب الأول.

(حَتَّى مَا تُقِلُّنِي) بضم أوله وكسر القاف وتشديد اللام؛ أي ما تحملُني، ومنه قوله تعالى {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا} [الأعراف 57] ومنه قول أبي بكر رضي الله عنه أيُّ سماءٍ تُظِلني، وأيُّ أرض تُقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم (رِجْلاَيَ، وَحَتَّى أَهْوَيْتُ) وفي رواية الكُشميهني بفتح أوله وثانيه؛ أي سقطت، من هَوَى يَهْوي هَوْيًا _ بفتح الهاء _ من باب ضرب يضرب، ومنه قوله تعالى {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} [النجم 1] وما قيل إنه بفتح أوله وكسر الواو، فهو بمعنى أحب، من باب علم يعلم، ولا يناسب هنا.

(إلى الأَرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلاَهَا، عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ قَدْ مَاتَ) هكذا في رواية الأكثرين، وقوله «أن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» على البدل من الهاء في قوله «تلاها» ؛ أي تلا الآية، معناها أن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد مات وهو قوله تعالى {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الرمز 30] كذا قال الحافظ العسقلاني، والظَّاهر أنَّ المراد قوله تعالى {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} [آل عمران 144]

ج 18 ص 567

الآية.

وقال الكرمانيُّ فإن قلت كيف قال تلاها أنَّ النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد مات، وليس في القرآن ذلك؟

قلتُ تقديره تلاها لأجل أنَّ النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد مات، ولتقرير ذلك، وفي رواية ابن السَّكن فعلمتُ أنَّ النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد مات، وهي واضحةٌ، ويقرب منها في الوضوح رواية علمتُ أنَّ النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد مات. وكذا عند عبد الرَّزَّاق عن مَعمر عن الزُّهري فعُقرتُ وأنا قائم حتَّى خررتُ إلى الأرض، فأيقنتُ أنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد مات.

وفي الحديث قوَّة جأش أبي بكر رضي الله عنه وكثرةُ علمه، وقد وافقه على ذلك العبَّاس رضي الله عنه كما ذكرنا والمغيرة، كما رواه ابنُ سعد، وابن أمِّ مكتوم كما في (( المغازي ) )لأبي الأسود.

وعن عروة قال إنَّه كان يتلو قوله تعالى {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر 30] والنَّاس لا يلتفتون إليه، وكان أكثر الصَّحابة رضي الله عنهم على خلافِ ذلك، فيُؤخذ منه أنَّ الأقل عددًا في الاجتهاد قد يُصيب، ويُخطئ الأكثر، فلا يتعيَّن الترجيح بالأكثر، ولاسيَّما إن ظهرَ أنَّ بعضهم قلَّد بعضًا.

وقد مرَّ الحديث في كتاب الجنائز، في باب الدخول على الميت [خ¦1242] .

ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ.

[1] في المصادر (تَحُوْسُكَ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت