4480 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضم الميم وكسر النون آخره راء، أبو عبد الرَّحمن المروزي الزَّاهد، أنَّه (سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَكْرٍ) بفتح الموحدة وسكون الكاف، ابن حبيب السَّهمي البصري، وقد مرَّ في «الوضوء» [خ¦195] ، قال (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) أي الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ) بتخفيف اللام (بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي وراية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني مصدر ميمي بمعنى القدوم، وفي روايته عن الحمويي بحذف الجار، وزاد في باب {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ} ، من كتاب «بدء الخلق» [خ¦3329] (( المدينة ) ).
(وَهْوَ فِي أَرْضٍ يَخْتَرِفُ) بالخاء المعجمة السَّاكنة وبالفاء؛ أي يجتني من ثمارها (فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلاَثٍ) أي عن ثلاث مسائل (لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ نَبِيٌّ فَمَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة؛ أي علاماتها (وما أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَا يَنْزِعُ) بكسر الزاي وآخره عين مهملة (الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ) يُقال نزعَ إليه إذا أشبهه، وإذا
ج 19 ص 39
جذب إليه (أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ) أي النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا) بمد الهمزة وكسر النون وبقصر الهمزة أيضًا؛ أي قريبًا (قَالَ) أي ابن سلام (جِبْرِيلُ، قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نَعَمْ. قَالَ) أي ابن سلام (ذَاكَ) في اليونينية، وفي الفرع باللام (عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ) وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند أحمد أنَّهم؛ أي اليهود قالوا إنَّه ليس من نبيٍّ إلَّا له ذاك يأتيه بالخبر، فأخبرنا صاحبك، قال جبرائيل، قالوا جبرائيل، ذلك ينزل بالحرب والقتال عدونا، لو قلت ميكائيل الَّذي ينزل بالرَّحمة والنَّبات والقطر لكان (فَقَرَأَ) أي النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هَذِهِ الآيَةَ) ردًّا على قول اليهود، ولا يستلزم نزولها حينئذٍ، وقيل معناه قرأ الرَّاوي استشهادًا بها لأنَّها نزلت بعد هذه القصَّة.
( {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ} ) أي جبريل ( {نَزَّلَهُ} ) أي القرآن ( {عَلَى قَلْبِكَ} ) لأنَّه القابل للوحي، ومحلُّ الفهم والحفظ، وكان الظَّاهر أن يقولَ على قلبي لكنَّه جاء على حكاية كلام الله تعالى كأنَّه قال قل ما تكلَّمت به، وزاد في رواية أبي ذرٍّ < {بِإِذْنِ اللَّهِ} >؛ أي بأمره تعالى، وكون القارئ هو النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو المعتمدُ، فقد روى أحمد والتِّرمذي والنَّسائي في سبب نزول الآية قصَّةً غير قصة عبد الله بن سلام، فأخرجوا من طريق بُكير بن شهاب عن سعيد بن جُبير عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أقبلتْ يهود إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا يا أبا القاسم إنا نسألك عن خمسة أشياء فإن أنبأتنا بهنَّ عرفنا أنَّك نبيٌ واتَّبعناك، فذكر الحديث، وفيه أنَّهم سألوه عمَّا حرَّم إسرائيل على نفسه، وعن علامة النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعن الرَّعد، وعن صوتهِ، وكيف تُذَكَّر المرأة وتُؤنث، وعمَّن يأتيه بالخبر من السَّماء، فأخذَ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه.
وفي رواية لأحمد والطَّبري من طريق شهر بن حوشب عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتتابعُنّي فأعطوه ما شاءَ من عهدٍ وميثاقٍ، فذكر الحديث لكن ليس فيه السُّؤال عن الرَّعد.
وفي رواية شهر بن حوشب لمَّا سألوه
ج 19 ص 40
عمَّن يأتيه من الملائكة، قال جبريل، قال ولم يبعث الله نبيًّا قط إلَّا وهو وليُّه، فقالوا فعندها نفارقك، لو كان وليُّك سواه من الملائكة تابعناك وصدَّقناك، قال فما منعكُم أن تصدِّقوه؟ قالوا إنَّه عدوُّنا فنزلت، وفي رواية بُكير بن شهاب قالوا جبريل ينزل بالحرب والقتال والعذاب، لو كان ميكائيل الَّذي ينزل بالرَّحمة والنَّبات والقطر فنزلت، وقد تقدَّم آنفًا.
وروى الطَّبري من طريق الشَّعبي أنَّ عمر رضي الله عنه كان يأتي اليهودَ فيسمع من التَّوراة فيعجب كيف يُصَدِّق ما في القرآن، قال فمرَّ بهم النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلت نشدتكُم بالله أتعلمون أنَّه رسول الله، فقال له عالمهم نعم نعلم أنَّه رسول الله، قال فلم لا تتبعونه؟ قالوا إنَّ لنا عدوًّا من الملائكة وسلمًا وإنَّه قرن بنبوته من الملائكة عدونا، فذكر الحديث، وأنَّه لحق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتلا عليه الآية. وأورده من طريق قتادة عن عمر رضي الله عنه نحوه.
وأورد ابنُ أبي حاتم والطَّبري أيضًا من طريق عبد الرَّحمن بن أبي ليلى أنَّ يهوديًا لقي عمر رضي الله عنه فقال إنَّ جبريل الَّذي يذكره صاحبكم عدولنا، فقال عمر من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال، فإنَّ الله عدو للكافرين، فنزلت على وَفْقِها.
قال وهذه طرقٌ يُقوِّي بعضها بعضًا، ويدلُّ على أنَّ سبب نزول الآية قول اليهودي المذكور لا قصَّة عبد الله بن سلام، وكان النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما قال له عبد الله بن سلام أنَّ جبرئيل عدوُّ اليهود تلا عليه الآية مذكرًا له سبب نزولها، والله تعالى أعلم.
وحكى الثَّعلبي أنَّ سببَ عداوة اليهود لجبريل عليه السَّلام أنَّ نبيَّهم أخبرهم أنَّ بختنصَّر سيخرِّب بيت المقدس، فبعثوا رجلًا ليقتله فوجده شابًّا ضعيفًا، فمنعَه جبرئيل من قتله، وقال له إن كان الله أرادَ إهلاككم على يده فلن تسلَّط عليه، وإن كان غيره فعلى أيِّ حقٍّ تقتله، فتركه فكبر يختنصر وغزا بيت المقدس فقتلهُم وخرَّبه فصاروا يكرهون جبرئيل لذلك، وقيل سببه أنَّ جبرئيل يطلع محمدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أسرارنا. وقيل سبب ذلك
ج 19 ص 41
أنَّهم قالوا إنَّ جبريل أمر أن يجعلَ النُّبوَّة فينا فجعلها في غيرنا، والله تعالى أعلم.
(أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ) ويأتي شرح ذلك في أواخر كتاب «الرِّقاق» إن شاء الله تعالى [خ¦6522 قبل] (وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) وفي رواية أبي الوقت (فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي وهي القطعة المنفردةُ المتعلِّقة بالكبد، وهي أطيبُها، وأهنأ الأطعمة.
(وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ) بالنصب على المفعولية؛ أي جذبه إليه (وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نَزَعَتْ. قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ) بضم الموحدة وسكون الهاء، جمع بَهُوت، وهو الكثير البهتان، وقيل بضم الموحدة والهاء، وقيل بهت؛ أي كذابون مُمارُون لا يرجعون إلى الحقِّ (وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلاَمِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ يَبْهَتُونِي، فَجَاءَتِ الْيَهُودُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ) أي ابن سلام (فِيكُمْ، قَالُوا خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا) أفعل التفضيل (وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا. قَالَ) أي النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ) وسقط في رواية أبي ذرٍّ لفظ (فَقَالُوا) ويُروى (أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ. فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالُوا شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا، وَانْتَقَصُوهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ بالفاء بدل الواو (قَالَ) أي ابن سلام (فَهَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) ومضى الحديث قبيل كتاب «المغازي» ، في باب مجرد [خ¦3938] ، ومضى الكلام فيه هناك.
ومطابقته للآية المذكورة ظاهرة.