فهرس الكتاب

الصفحة 645 من 11127

385 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ) الطَّيالسي (قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (بْنُ الْمُفَضَّلِ) بضم الميم وفتح الفاء وتشديد المعجمة المفتوحة، الرَّقاشي _ بفتح الراء _ العثماني، كان يصلي كل يوم أربعمائة ركعة.

(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (غَالِبٌ) بالغين المعجمة وكسر اللام، هو ابن خُطَّاف _ بضم الخاء المعجمة وفتحها وتشديد الطاء المهملة _ (الْقَطَّانُ) بالقاف (عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بفتح الموحدة وسكون الكاف، المزني البصري (عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه.

ورواة هذا الإسناد كلُّهم بصريون. وقد أخرج متنه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه في «الصلاة» أيضًا.

(قَالَ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَضَعُ

ج 3 ص 133

أَحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي مَكَانِ السُّجُودِ) وفي رواية مسلم وأبو داود (( بسط ثوبه فسجد عليه ) ).

وفي رواية النسائي (( كنَّا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم بالظهائر [1] ، سجدنا على ثيابنا اتقاء الحرِّ ) )،. وعند ابن أبي شيبة (( كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم في شدة الحر والبرد، فيسجد على ثوبه ) ).

ثم هذا القول حكاية قول الصحابي عما كان يفعله، والنبي صلى الله عليه وسلم يشاهده ولا ينكره، فيكون تقريرًا منه صلى الله عليه وسلم.

فإن قيل كان أنس رضي الله عنه خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف يشاهد ما يفعله؟.

فالجواب أنَّه صلى الله عليه وسلم ما كان يخفى عليه شيء من أحوال من كان خلفه في الصلاة وغيرها؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم كان يرى من خلفه، كما يرى من قدَّامه، فيكون قول الصحابي كنا نفعل كذا من قبيل المرفوع، ولا سيما اتفاق الشيخان على تخريج هذا الحديث في (( صحيحيهما ) )، وغيرهما كذلك.

وقد احتج به أبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق على جواز السجود على الثوب من شدة الحرِّ والبرد، وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، رواه ابن أبي شيبة من حديث إبراهيم قال (( صلى عمر رضي الله عنه ذات يوم بالناس الجمعة في يوم شديد الحرِّ، فطرح طرف ثوبه بالأرض، فجعل يسجد عليه، ثم قال يا أيُّها الناس إذا وجد أحدكم الحرَّ، فليسجد على طرف ثوبه ) ). ورواه زيد ابن وهب، عن عمر بنحوه، وأمر به إبراهيمُ أيضًا وعطاء، وفعله مجاهد، وقال الحسن لا بأس به.

وحكاه ابن المنذر أيضًا عن الشعبي وطاوس والأوزاعي والنخعي والزهري ومكحول ومسروق وشريح.

وقال صاحب (( التهذيب ) )من الشافعية وبه قال أكثر العلماء، والحديث حجة على الشافعي حيث لم يجوِّز ذلك، لو سجد على ثوب متصل متحرك بحركته عامدًا عالمًا بتحريمه بطلت صلاته؛ لأنَّه كالجزء منه، أو جاهلًا أو ساهيًا لم تبطل صلاته، ويجب إعادة السجود، قاله في (( شرح المهذب ) ).

وقال النووي حمله الشافعي على الثوب المنفصل. انتهى.

وتعقب بأن لفظ (( ثوبه ) )يدل على المتصل به من حيث اللفظ، وهو تعقيب السجود بالبسط، كما في رواية مسلم وأبي داود، وكذا يدل على المتصل به من خارج اللفظ، وهو قلة الثياب عندهم.

فإن قيل أيَّد البيهقي حمل الشافعي على المنفصل بما رواه الإسماعيلي في هذا الحديث، بلفظ (( فيأخذ أحدنا الحصى في يده، فإذا بردَ وضَعَهُ وسجَدَ عليه ) ).

قال فلو جاز السجود على شيء متصل به، لما احتاجوا إلى تبريد الحصى مع طول الأمر فيه.

فالجواب أنَّه يحتمل أن يكون الذي كان يبرد الحصى، لم يكن في ثوبه فضلة، يسجد عليها، مع بقاء سترته له.

ج 3 ص 134

فإن قيل احتج الشافعي بحديث خباب، قال (( شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا، فلم يُشكِنا؛ أي لم يُزل شكوانا ) )، وبما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (( تَرِبَ جبينُك يا رباح! ) ).

فالجواب أنَّ حديث خباب ليس فيه ذكر الجباه والأكف في المسانيد المشهورة، ولو ثبت فهو محمول على التأخير الكثير، حتى تبرد الرمضاء، وذلك يكون في أرض الحجاز بعد العصر، ويقال إنه منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم (( أبردوا بالظهر، فإنَّ شدة الحرِّ من فيح جهنم ) )، ويدل عليه ما رواه عبيد الله بن عبد الرحمن، قال (( جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى بنا في مسجد بني عبد الأشهل، فرأيته واضعًا يديه في ثوبه إذا سجد ) ). رواه أحمد وابن ماجه.

فإن قيل هذا أيضًا محمول على الثوب المنفصل أو المتصل، الذي لا يتحرك بحركته.

فالجواب أنَّ هذا بعيد، لقوله بسط ثوبه، فسجد عليه؛ إذ الفاء فيه التعقيب.

وكل حديث احتج به الشافعي في هذا الباب فهو محتمل، وما احتج به غيره من الأئمة المذكورين فهو محكم، فيحمل المحتمل على المحكم، على أنَّه قد روى جماعة من الصحابة أنَّهم رأوا سجوده صلى الله عليه وسلم على كور عمامته، منهم أبو هريرة أخرج حديثه عبد الرزاق في (( مصنفه ) )، وابن عباس، أخرج حديثه أبو نُعيم في (( الحلية ) )، وعبد الله بن أبي أوفى، أخرج حديثه الطبراني في (( الأوسط ) )، وجابر، أخرج حديثه ابن عدي في (( الكامل ) )، وأنس، أخرج حديثه ابن أبي حاتم في كتابه (( العلل ) )، وابن عمر، أخرج حديثه الحافظ أبو القاسم تمام ابن محمد الرازي في (( فوائده ) ).

فإن قيل قال البيهقي في (( المعرفة ) )أمَّا ما روي (( أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يسجد على كور عمامته ) )فلا يثبت منه شيء.

فالجواب أنَّ حديث ابن عمر وابن عباس وابن أبي أوفى جياد، وما كان منه من الضعيف يشتد بالقوي.

وأمَّا ما قاله الكرماني من أنَّ الشافعية احتجوا بأنَّه لما لم يقم المسح على العمامة مقام مسح الرأس وجب أن يكون السجود كذلك، فإن قاس الخصم _ يريد به أبا حنيفة رحمه الله _ فإنَّه جوَّزه، وكرهه مالك بسائر الأعضاء التي أمر المصلي بالسجود عليها كاليدين مثلًا، فإنَّهما جائزا الستر، قلنا ذلك جائز بالإجماع، وأنَّ الحديث الدال على تتريب الوجه يقابله، والقياس في مقابلة النص فاسد.

وقد ثبت أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يباشر الأرض في سجوده بجبهته،

ج 3 ص 135

وسائرُ الأعضاء كانت مستورة، والفرق قائم بينه وبين سائر الأعضاء، فإن المقصود من السجود هو التذلل والخشوع، وهو في كشف الجبهة أظهر من سترها بخلافهما في سائرها، ولا قياس مع الفارق. انتهى.

وتعقبه محمود العيني بأنَّ قياس السجود على العمامة على المسح عليها، قياس في مقابلة النص وهو مردود كما اعترف به، وأمَّا أنَّ قياس الجبهة على سائر أعضاء السجود قياس مع الفارق، وفي مقابلة النص فلا نسلم ذلك، بل الحال أنَّا عملنا أولًا بالحديث الذي ورد في هذا الباب، وثانيًا بالقياس أيضًا، فهذا أقوى.

وأما قوله وقد ثبت أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يباشر الأرض بوجهه في سجوده، ففيه أنَّه باشر أيضًا بثوبه في سجوده كما مر، وأنَّه لو سجد على البساط يجوز بالإجماع، فإن احتج بقوله صلى الله عليه وسلم (( مكِّن جبهتك وأنفك من الأرض ) )فنقول بموجبه، وهو وجدان حجم الأرض حتى إذا امتنع حجمها لا يجوز.

هذا وقال الحافظ العسقلاني فيه أي في حديث الباب تقديم الظهر في أول الوقت.

وتعقبه محمود العيني بأنَّ ظاهر الأحاديث الواردة في الأمر بالإبراد يعارضه، ودفعها إمَّا بأن يقال أن التقديم رخصة، والإبراد سنة، وإمَّا بأن يقال إنَّ أحاديث الأمر بالإبراد ناسخة، فافهم.

ومما يستفاد من حديث الباب أيضًا أنَّ العمل اليسير في الصلاة عفو؛ لأنَّ وضع طرف الثوب في موضع السجود عمل.

[1] في هامش الأصل جمع ظهيرة. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت