فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 11127

35 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الحمصي (قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) بالنون عبد الله بن ذكوان القرشي (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز المدني القرشي. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، وقد تقدَّم ذكرهم بهذا الترتيب في باب حبِّ الرَّسول عليه السلام.

ومن لطائف هذا الإسناد ما قيل إنَّ أصحَّ أسانيد أبي هريرة أبو الزِّناد، عن الأعرج، عنه. وقد أخرج متنه المؤلِّف في (( الصيام ) ) [خ¦2014] مطولًا [خ¦1901] . وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك في (( موطئه ) ).

(قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ) يعني للطَّاعة كأنه معهودٌ من قوله تعالى {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة 238] وهو حقيقة شرعية فيه وفي قيام ليلة القدر يكفي أقل ما ينطلق عليه اسم القيام على ما عليه بعض الأئمة حتى قيل بكفاية فرض صلاة العشاء في دخوله تحت القيام فيها، لكن الظَّاهر منه عرفًا أنه لا يقال قام اللَّيلة إلَّا إذا قام كلها أو أكثرها.

وقياس قوله (( من يقم ليلة ) )على (( من يصم يومًا ) )قياس مع الفارق فافهم، وإنما قال هاهنا (( من يقم ) )بلفظ المضارع، وفيما بعده (( من قام رمضان ) )، و (( من صام رمضان ) )بلفظ الماضي؛ لأنَّ قيام رمضان وصيامه محقَّق الوقوع فجيء بلفظ يدلُّ عليه بخلاف قيام ليلة القدر، فإنَّه غير متيقَّن فناسب أن يذكر بلفظ المستقبل.

(إِيمَانًا) أي تصديقًا بأنَّه حقٌّ وطاعةٌ،

ج 1 ص 289

أو مؤمنًا بذلك (وَاحْتِسَابًا) أي إرادة لوجهه تعالى، أو مريدًا له لا رياء ولا سمعة، فقد يفعل الإنسان الشَّيء الذي يعتقد أنَّه حقٌّ لكن لا يفعله مخلصًا، بل لرياء أو لخوف أو نحو ذلك، يقال احتسبت بكذا أجرًا عند الله، والاسم الحسبة وهو الأجر.

(غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) أي غير حقوق العباد؛ لأنَّه علم من الأدلَّة الخارجية أنَّ حقوق العباد لا بدَّ فيها من رضا الخصوم فهو عامٌّ، اختص بحق الله تعالى بالإجماع ونحوه ممَّا يدلُّ على التَّخصيص، وقيل يجوز أن تكون (( من ) )تبعيضيَّة، وجملة (( غفر له ) )جواب الشَّرط الواقع مضارعًا وقد وقع ماضيًا، وفي ذلك نزاع بين النُّحاة والأكثرون على المنع.

واستدلَّ القائلون بالجواز بقوله تعالى {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ} [الشعراء 4] لأن قوله {فظلَّت} بلفظ الماضي وهو تابع للجواب، وتابع الجواب جواب. وفيه أنه قد يُغتفر في الثواني ما لا يُغتفر في الأوائل، واستدلوا أيضًا بهذا الحديث.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وفي الاستدلال به نظر؛ لأنِّي أظنُّه من تصرف الرُّواة؛ لأن الرِّوايات فيه مشهورة عن أبي هريرة بلفظ المضارع في الشرط والجزاء.

وتعقبه محمود العيني بأنه لم لا يجوز أن يكون تصرف الرواة في الرِّوايات المشهورة، وأنَّ ما رواه البخاري بالمغايرة بين الشرط والجزاء هو اللَّفظ النبوي. ويؤيِّده رواية مسلم أيضًا مثل رواية البخاري ولفظه (( من يقم ليلة القدر، فيوافقها إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه ) ).

والنُّكتة في المغايرة بين الشَّرط والجزاء مضارعًا وماضيًا مع أنَّ المغفرة في زمان الاستقبال هي الإشعار بأنَّ المغفرة متيقَّن الوقوع، متحقق الثبوت فضلًا من الله على عباده، ثمَّ إنَّ مطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ قيام ليلة القدر مباشرة عملٍ هو سبب لغفران ما تقدَّم من الذَّنب، وكلُّ عملٍ كذلك فمباشرتُه شعبةٌ من شُعب الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت