فهرس الكتاب

الصفحة 6515 من 11127

4535 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاَةِ الْخَوْفِ) أي كيفيَّتها (قَالَ يَتَقَدَّمُ الإِمَامُ وَطَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ) أي حيث لا يبلغهم سهام العدوِّ (فَيُصَلِّي بِهِمِ الإِمَامُ رَكْعَةً، وَتَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ) أي تحرسهم من العدوِّ (لَمْ يُصَلُّوا، فَإِذَا صَلَّوُا الَّذِينَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (مَعَهُ) أي مع الإمام (رَكْعَةً اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ) أي مكان طائفة الَّذين (لَمْ يُصَلُّوا) فيكونون في وجه العدوِّ (وَلاَ يُسَلِّمُونَ) بل يستمرُّون في الصَّلاة (وَيَتَقَدَّمُ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا) أي والإمام قارئٌ منتظرٌ لهم (فَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ يَنْصَرِفُ الإِمَامُ) أي من صلاته بالتَّسليم (وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَيَقُومُ كُلُّ وَاحِدة مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية .

(فَيُصَلُّونَ لأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً بَعْدَ أَنْ يَنْصَرِفَ الإِمَامُ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ) وفي رواية أبي الوقت (مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) وهذه الكيفيَّة اختارها الحنفيَّة (فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ، صَلَّوْا) حينئذٍ، حال كونهم (رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا) عَلَى دَوَابِّهِمْ وزاد مسلم (( يومئ إيماء ) ) (مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا. قَالَ مَالِكٌ) الإمام (قَالَ نَافِعٌ لاَ أُرَى) بضم الهمزة؛ أي لا أظنُّ (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلاَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وقد وقع في «صلاة الخوف» [خ¦943] من حديثه التَّصريح برفعه، وفي بعض النُّسخ ذكر هذا الحديث بعد قوله (( وقال ابن جُبير. .. إلى قوله وهذا مثل عمل المؤمن ) )وليس له فيما أرى وجهٌ.

والحديث قد مرَّ في «صلاة الخوف» بوجوه مختلفة عن ابن عمر رضي الله عنهما

ج 19 ص 140

وغيره [خ¦943] .

ومطابقته للترجمة ظاهرةٌ.

(وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ) هو سعيد بن جُبير في تفسير قوله تعالى {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ} [البقرة 255] ( {كُرْسِيُّهُ} [البقرة 255] عِلْمُهُ) يعني أنَّ المراد من قوله {كُرْسِيُّهُ} علمه، تسمية للصفة باسم مكان صاحبها مجازًا، ومنه قيل للعلماء الكراسي، وفي تفسيره بذلك إشارة إلى أنَّه لا كرسيَّ في الحقيقة ولا قاعد، وإنَّما هو مجازٌ عن علمه تعالى، وقيل يعبَّر به عن السِّرِّ قال

~مَالِي بِأَمْرِكَ كُرْسِيٌّ أُكَاتِمُهُ وَلاَ بِكُرْسِيِّ عِلْمِ اللَّهِ مَخْلُوقُ

وقد يعبَّر به عن الملك لجلوسه عليه تسمية للحال باسم المحلِّ، وتفسير ابن جُبير هذا وصله ابنُ أبي حاتم حدَّثنا أبو سعيد الأشجِّ أخبرنا ابن إدريس، عن مطرِّف بن طريف عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جُبير في قوله تعالى {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ} قال علمه.

وأخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم من وجهٍ آخر عن سعيد بن جُبير فزادا فيه عن ابن عبَّاس، وأخرجه العقيلي من وجهٍ آخر عن سعيد بن جُبير عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لكن قال إنَّ رفعه خطأ، وقال ابنُ جرير قال قوم الكرسيُّ موضع القدمين، ثمَّ رواه عن أبي موسى والسُّدِّي والضَّحَّاك ومسلم البطين، وقال شجاعُ بن مخلد في «تفسيره» أخبرنا أبو عاصم، عن سفيان، عن عمَّار الدُّهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جُبير عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال سُئل النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قول الله تعالى {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ} قال كرسيُّه موضعُ قدميه، والعرش لا يقدرُ قدره إلَّا الله تعالى، وكذا أورد هذا الحديث الحافظ أبو بكر من طريق شجاع بن مخلد الفلَّاس، فذكره.

قال الحافظُ ابن كثير وهو غلطٌ، وقد رواه وكيعٌ في «تفسيره» حدثنا سفيان عن عمَّار الدُّهني عن مسلم البَطين عن سعيد بن جُبير عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال الكرسيُّ موضع القدمين، والعرشُ لا يُقدِّر أحدٌ قدره، انتهى.

قال العيني أرادَ بقوله غلط أنَّ رفعَه غلط، وليتَ شعري ما الفرقُ بين كونه موقوفًا وبين كونه مرفوعًا في هذا الموضع؛ لأنَّ هذا لا يعلم إلَّا من جهة الوقف.

وقال الزَّمخشري الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد، ثمَّ ذكرَ أربعة أوجهٍ فليطلبها الطَّالب في موضعها، وكان تفسيره أوَّلًا من حيث اللُّغة.

ج 19 ص 141

وقال قومٌ هو جسمٌ بين يدي العرش، وروي ذلك عن السُّدِّي أيضًا وهو محيطٌ بالسَّموات السَّبع، وفي حديث أبي ذرٍّ الغفاري عند ابن مردويه أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( والَّذي نفسي بيدهِ ما السَّموات السَّبع والأرضون السَّبع إلَّا كحلقةٍ ملقاة بأرض فلاةٍ، وإن فضل العرش على الكرسي كفضلِ الفلاة على تلك الحلقة ) )وزعم بعضُ أهل الهيئة من الإسلاميِّين أنَّ الكرسيَّ هو الفلك الثَّامن، وهو فلكُ الثَّوابت، والتَّاسع هو الأطلسُ وردَّ ذلك عليهم آخرون.

(يُقَالُ {بَسْطَةً} [البقرة 247] زِيَادَةً وَفَضْلًا) أي يُقال في تفسير قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} [البقرة 247] وذلك أنَّ الله تعالى أمر شمويل أو يوشع أو شمعون حين طلب قومه ملكًا يقاتلون به في سبيل الله أن يقول لهم (( إنَّ الله قد بعث لكم طالوت ملكًا، قالوا أنَّى يكون له الملك علينا ونحن أحقُّ بالملك منه ولم يؤت سعةً من المال ) )؛ لأنَّه كان فقيرًا سقاء أو دباغًا، فقال (( إنَّ الله اصطفاهُ عليكم وزاده بسطةً ) )؛ أي زيادةً وفضلًا في العلم؛ أي وافرَ العلم قويًّا على مقاومة العدوِّ ومكابدةِ الحرب، وفي الجسم وكان رجلًا جسيمًا إذا مدَّ الرَّجل القائم يدهُ ينال رأسَه، وهو تفسير أبي عبيدة قال في قوله تعالى {بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} أي زيادة وفضلًا وكثرة.

وجاء عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما نحوه ذكره ابنُ أبي حاتم من طريق السُّدِّي عن أبي مالكٍ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال في قوله تعالى {وَزَادَهُ بَسْطَةً} أي فضيلةً، وسقط في رواية أبي ذرٍّ لفظ إلى قوله .

( {أَفْرِغْ} [البقرة 250] أَنْزِلْ) أشار به إلى تفسيره في قوله تعالى {قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} [البقرة 250] وفسَّره بقوله «أنزل» ؛ أي أنزل علينا صبرًا، وهكذا فسَّره أبو عبيدة.

( {وَلاَ يَؤُودُهُ} [البقرة 255] لاَ يُثْقِلُهُ) أشار به إلى تفسيره في قوله تعالى {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} [البقرة 255] وفسَّره بقوله «لا يُثقله» ، وهو تفسير ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما. وذُكر مثله عن جماعةٍ من التَّابعين، ولسقوط ما قبله من رواية أبي ذرٍّ

ج 19 ص 142

صار كأنَّه من كلام سعيد بن جُبير لعطفه على تفسير الكرسيِّ. قال الحافظُ العسقلاني ولم أره عنه منقولًا.

(آدَنِي أَثْقَلَنِي) هو ماضي يؤد، يقال آدني هذا الأمر؛ أي أثقلني (وَالآدُ) بالمدِّ مخففًا كالأول (وَالأَيْدُ الْقُوَّةُ) وسقط في اليونينية الألف واللام في القوَّة، وهو كلام أبي عبيدة قال في قوله تعالى {وَلَا يَؤودُهُ} ؛ أي لا يُثقله، تقول آدني هذا الأمر أثقلني، وتقول ما آدك فهو لي آيد؛ أي ما أثقلك، فهو لي مثقل، وقال في قوله تعالى {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ} [ص 17] ؛ أي ذا القوَّة، وقال أبو زيد آد الرجل يئيد أيدًا، والأيد والآد بالمدِّ القوة، وأصل آد أيد، قلبت الياء ألفًا لتحرُّكها وانفتاحِ ما قبلها.

(السِّنَةُ النُّعَاسٌ) وفي رواية أبي ذرٍّ بدون الألف واللام، أشار به إلى ما في قوله تعالى {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة 255] كذا فسَّره ابن عبَّاس رضي الله عنهما فيما أخرجه ابنُ أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما. والسِّنة ما يتقدَّم النَّوم من الفتور الَّذي يُسمَّى النُّعاس، ويقال له الوسن أيضًا.

( {يَتَسَنَّهْ} [البقرة 259] يَتَغَيَّرْ) أشار به إلى قوله عزَّ وجلَّ {فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} [البقرة 259] وفسَّره بقوله «يتغير» ، أخرجه ابنُ أبي حاتم من وجهين عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما. وعن السُّدِّي مثله قال لم يحمض التِّين والعنب، ولم يتخمَّر العصير بل هما حلوان كما هما، والهاء في {يَتَسَنَّهْ} أصليَّة، أو هاء سكت من السنه لامه هاء أو واو، وقيل أصله يتسنَّن من الحمأ المسنون، فقلبت نونه حرف علَّة، كما في تقضي البازي، ويجوز أن يكون المعنى لم يمرَّ عليه السُّنون التي مرَّت عليه، يعني هو بحاله كما كان كأنَّه لم يلبث مائة سنةٍ، وفي قراءة عبد الله (( لم يتسن ) )، وقرأ أبي (( لم يَتسَّنَّه ) )بإدغام التاء في السين، وعبَّر بالأفراد، ولم يقل لم يتسنا مع أنَّ المذكور الطَّعام والشَّراب؛ لأنَّهما كالجنس الواحد، أو أعاد الضَّمير إلى الشَّراب؛ لأنَّه أقرب مذكورٍ، وثمَّة جملةٌ أخرى حذفت لدلالة هذه عليها؛ أي انظر إلى طعامك لم يتسنَّه، أو سكت عن تغيُّر الطعام، تنبيهًا بالأدنى على الأعلى؛ لأنَّه إذا لم يتغيَّر الشَّراب مع سرعة التَّغيُّر إليه فعدمُ تغيُّر الطَّعام أولى.

( {فَبُهِتَ} [البقرة 258] ذَهَبَتْ حُجَّتُهُ)

ج 19 ص 143

أشار به إلى تفسيره في قوله تعالى {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} وفسَّره بقوله «ذهبت حجَّته» ؛ أي حجَّة نمروذ عليه اللعنة، وهو كلام أبي عبيدة قال في قوله {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} انقطع وذهبت حجَّته، وبُهِت على البناء للمفعول، وقرئ على البناء للفاعل؛ أي فغلب إبراهيم عليه السَّلام الكافر. وقرأ أبو حيوة بفتح الباء وضم الهاء.

( {خَاوِيَةٌ} [البقرة 259] لاَ أَنِيسَ فِيهَا) أشار به إلى قوله تعالى {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [البقرة 259] ذكره ابن أبي حاتم بنحوه من طريق سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة في قوله {وَهِيَ خَاوِيَةٌ} قال ليس فيها أحدٌ، قيل هذا المارُّ عزيرٌ عليه السَّلام رواه ابن أبي حاتم عن عليٍّ رضي الله عنه، وقيل هو أرميا بن حلقيا، وقيل الخضر، وقيل حِزْقيل بن بورا، والقرية هي القدس، وهو المشهور.

( {عُرُوشُهَا} [البقرة 259] أَبْنِيَتُهَا) ثبت هذا والذي بعده في رواية غير أبي ذرٍّ، وقد ذكره ابنُ أبي حاتم من طريق الضَّحَّاك والسُّدِّي بمعناه، وفي التَّفسير {عَلَى عُرُوشِهَا} أي ساقطةٌ سقوفها وجدرانها على عرصاتها، وذلك حين خربه بخت نصر.

(((نُنْشِرُهَا ) ) [البقرة 259] ) بالراء (نُخْرِجُهَا) أشار به إلى قوله تعالى (( وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِرُهَا ) )وفسَّره بقوله «نُخرجها» ، أخرجه ابن أبي حاتم من طريق السُّدِّي في قوله تعالى (( كَيْفَ نُنْشِرُهَا ) )بقول نُخرجها، و (( نُنْشِرُهَا ) )بضم النون الأولى، وقرأ الحسن بفتحها من نشرَ الله الموتى بمعنى أنشرهم، وقرأ ابن عامر والكوفيون بالزاي؛ يعني يُحركها ويرفع بعضها إلى بعضٍ للتَّركيب، قال السُّدِّي وغيره تفرَّقت عظام حماره حوله يمينًا وشمالًا، فنظر إليها فبعث الله ريحًا فجمعتها من كلِّ مكانٍ ذهب به الطَّير والسِّباع فاجتمعت فركبَ بعضها في بعضٍ، وهو ينظر حتَّى صار حمارًا قائمًا من عظامٍ لا لحم فيه ولا دم، ثمَّ كساه الله تعالى لحمًا وعصبًا وعروقًا وجلدًا وبعث ملكًا فنفخ في منخري الحمار، فنهقَ بإذن الله تعالى، وذلك كلُّه بمرأى من عزير عليه السَّلام.

( {إِعْصَارٌ} [البقرة 266] رِيحٌ عَاصِفٌ تَهُبُّ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، كَعَمُودٍ فِيهِ نَارٌ) أشار به إلى قوله تعالى {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ} [البقرة 266] وفسَّره بقوله «ريح عاصف إلى آخره» ، وثبت هذا لأبي ذرٍّ عن الحمويي وحدَه، وهو كلام أبي عبيدة قال في قوله تعالى {إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} قال الإعصار ريحٌ عاصف إلى آخره وهي الَّتي يُقال لها الزَّوبعة، كما قاله الزَّجاج. ويُقال الإعصار

ج 19 ص 144

الرِّيح التي تستديرُ في الأرض، ثمَّ تسطع نحو السَّماء كالعمودِ، وروى ابنُ أبي حاتم عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال الإعصار ريحٌ فيها سَمومٌ شديدةٌ. وقيل الإعصار ريحٌ شديدةٌ فيه نار، ومعنى {فَاحْتَرَقَتْ} ؛ أي ما في جنَّته من نخيلٍ وأعناب، والمعنى تمثيل حال من يفعلُ الأفعال الحسنة، ويضمُّ إليها ما يحبطها من المنِّ والأذى، والرِّياء في الحسرة والأسف إذا كان يوم القيامة واشتدَّت حاجته إليها وجدها محبطةً بحال من هذا شأنه، نعوذ بالله تعالى من ذلك.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما ( {صَلْدًا} [البقرة 264] لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ) أشار به إلى قوله تعالى {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا} [البقرة 264] وصله ابن جرير من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

وأخرجه ابنُ أبي حاتم عن أبي زُرعة حدثنا منجاب بن الحارث أنبأنا بشر، عن أبي رَوق، عن الضَّحَّاك عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما بلفظ فتركه يابسًا خاسئًا لا يُنبت شيئًا، وفي التَّفسير قال الضَّحَّاك والذي يُتبع صدقته منًا أو أذى مثله كمثل صفوان، وهو الصَّخر الأملس عليه التُّراب {فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} هو المطرُ الشَّديد {فَتَرَكَهُ صَلْدًا} ؛ أي أملس يابسًا لا شيءَ عليه من ذلك التُّراب بل قد ذهب كلُّه، وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحلُّ عند الله، وإن ظهرَ لهم أعمال فيما يرى النَّاس كالتُّراب، وسقطَ من هنا إلى آخر الباب من رواية أبي ذرٍّ.

(وَقَالَ عِكْرِمَةُ {وَابِلٌ} [البقرة 265] مَطَرٌ شَدِيدٌ. الطَّلُّ النَّدَى، وَهَذَا مَثَلُ عَمَلِ الْمُؤْمِنِ) أشار به إلى قوله تعالى {فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} [البقرة 265] وفسر الوابل، بالمطر الشَّديد والطَّل بالنَّدى، وهذا تجوُّزٌ منه، والمعروف أنَّ الطَّلَّ هو المطرُ الصَّغير القطر، والفاء في {فَطَلٌّ} جواب الشرط، ولا بدَّ من تقدير بعدها لتكمل جملة الجواب؛ أي فطلٌّ يصيبها، فالمحذوف الخبر، وجاز الابتداء بالنكرة؛ لأنَّها في جواب الشرط، ووصله عبد بن حميد عن رَوْح بن عبادة عن عثمان بن غياث سمعتُ عكرمة بهذا، وفي التَّفسير فإن لم يصبها وابلٌ فمطر ضعيف القطر، ومعنى قوله «وهذا مثل عمل المؤمن» أنَّه يزداد عند الله إذا كان بالإخلاص، ويذهب إذا كان بالرِّياء وإن ظهر له فيما يرى الناس.

( {يَتَسَنَّهْ} [البقرة 259] يَتَغَيَّرْ) تقدَّم تفسيره عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وأمَّا عن عكرمة فذكره ابن أبي حاتم من روايته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت