4548 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسندي، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هو ابنُ همام، قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد الأزدي مولاهم البصري (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهابٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ) أي يصيح (صَارِخًا) نصب على المصدر نحو قمت قائمًا (مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا) أي عيسى عليه السَّلام فحفظهما الله تعالى ببركة دعوة أمِّهما حيث قالت {إِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران 36] ولم يكن
ج 19 ص 179
لمريم عليها السَّلام ذريَّةٌ غير عيسى عليه السَّلام.
وزاد في باب «صفة إبليس» [خ¦3286] ذهب يطعنُ فطعنَ في الحجاب، والمراد به الجلدة التي يكون فيها الجنين وهي المشيمة. ونقل العينيُّ عن القاضي عياض أشار إلى أنَّ جميعَ الأنبياء عليهم السَّلام ليشاركون عيسى عليه السَّلام في ذلك.
قال القُرطبي وهو قولُ مجاهدٍ، وقد طعنَ الزَّمخشري في معنى هذا الحديث وتوقَّف في صحَّته، فقال إن صحَّ هذا الحديث فمعناه أنَّ كلَّ مولودٍ يطمعُ الشَّيطان في إغوائه إلَّا مريم وابنها، فإنَّهما كانا معصومين، وكذلك كلُّ من كان في صفتهما لقوله تعالى {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر 40] قال واستهلال الصَّبي صارخًا من مسِّه تخييلٌ وتصويرٌ لطمعه فيه، كأنَّه يمسُّه ويضربُ بيده عليه، ويقول هذا ممَّن أغويه، ونحوه من التَّخييل قول ابن الرُّومي
~لِمَا تُؤْذِنُ الدُّنْيَا بِهِ مِنْ صُرُوْفِهَا يَكُونُ بُكَاءُ الطِّفْلِ سَاعَةَ يُولَدُ
وأمَّا حقيقة المسِّ والنَّخس كما يتوهَّمه أهل الحشو فكلا ولو ملك [1] إبليس على النَّاس نخسهم لامتلأت الدُّنيا صراخًا، انتهى.
وقال المحقق التَّفتازاني طعن أوَّلًا في الحديث بمجرَّد أنَّه لم يوافق هواه وإلَّا فأيُّ امتناعٍ في أن يمسَّ الشَّيطان المولود حين يولد بحيث يصرخُ كما ترى وتسمع، ولا يكون ذلك في جميعِ الأوقات حتَّى يلزمَ امتلاء الدُّنيا بالصُّراخ، ولا تلك المسَّة للإغواء. وكفى بصحَّة هذا الحديث رواية الثِّقات وتصحيح الشَّيخين له من غير قدحٍ من غيرهما.
وقال غيره الحملُ على طمع الشَّيطان في الإغواء صرفٌ للكلام عن ظاهرهِ، وتكذيبٌ لظاهر الخبر مع أنَّه لا مانعَ في العقل منه، وكيف يكون المحافظة عنده على قول ابنِ الرُّومي أولى من رعاية ظاهرِ كتاب الله وسنَّة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وهو هذيانٌ ما أنزلَ الله به من سلطان.
وقال صاحب «الانتصاف» الحديث مدوَّنٌ في الصحاح فلا يعطِّله الميل إلى برهات الفلاسفة، والانتصار بقول ابن الرُّومي
ج 19 ص 180
سوء أدبٍ يجب أن يجتنبَ عنه.
وقال الطِّيبي قوله (( ما من مولودٍ إلَّا والشَّيطان يمسه ) )كقوله تعالى {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} [الحجر 4] في أن الواو داخلة بين الصفة والموصوف لتأكيد اللُّصوق، فتفيد الحصر مع التأكيد، فإذن لا معنى لقوله كلُّ من كان في صفتهما، ولا يبعدُ اختصاصهما بهذه الفضيلة من دون الأنبياء عليهم السَّلام، وأمَّا قوله {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر 40] فجوابه أن يُقال أي بعد أن يُمكنه الله من المسِّ مع أن الله تعالى يعصمُهم من الإغواء، وأمَّا الشِّعر فهو من باب جنسِ التَّعليل فلا يصلحُ للاستشهاد.
وقال الحافظُ العسقلاني والَّذي يقتضيهِ لفظ الحديث لا إشكالَ في معناه ولا مخالفة لما ثبتَ من عصمةِ الأنبياء عليهم السَّلام، بل ظاهر الخبر أنَّ إبليسَ ممكن من مسِّ كلِّ مولودٍ عند ولادته، لكن من كان من عبادِ الله المخلَصين لم يضرُّه ذلك المسُّ أصلًا، واستثنى من المخلَصين مريم وابنها، فإنَّه ذهب يمسُّه على عادتهِ فحيل بينه وبين ذلك، فهذا وجه الاختصاص، ولا يلزمُ منه تسلُّطه على غيرهما من المخلَصين، وأمَّا قوله لو ملك إبليس ... إلى آخره فلا يلزم من كونه جعل له ذلك عند ابتداء الوضع أن يستمرَّ ذلك في حقِّ كلِّ أحدٍ.
وقد أورد الإمام الرَّازي هذا الإشكال وبالغ في تقريره على عادته، وأجمل الجواب فما زاد في تقريره أنَّ الحديث خبرٌ واحدٌ ورد على خلاف الدَّليل؛ لأنَّ الشَّيطان إنَّما يُغوي من يعرف الخير والشَّرَّ، والمولود بخلاف ذلك، وأنَّه لو ممكِّن من هذا القدر لفعل أكثر من ذلك من إهلاكٍ وإفسادٍ، وأنَّه لا اختصاص لمريم وعيسى بذلك دون غيرهما إلى آخر كلام الزَّمخشري، ثمَّ أجاب بأنَّ هذه الوجوه محتملةٌ، ومع الاحتمال لا يجوز دفع الخبر، انتهى.
(ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاقْرَؤُوا) بالواو، وفي رواية أبي ذرٍّ (إِنْ شِئْتُمْ {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم} [آل عمران 36] ) وفيه شيءٌ من حيث إنَّ سياق الآية يدلُّ على أنَّ دعاء حنَّة أم مريم بإعاذتها وذرِّيتها من الشَّيطان المفسَّر في الحديث بأن يعصمَها من مسِّ الشَّيطان عند ولادتهما
ج 19 ص 181
متأخِّرٌ عن وضعها مريم، والَّذي يظهرُ أن تكون حنَّة علمت أنوثة مريم قبل تمام وضعها عند بروزها إلى ما يعلم منه ذلك، فقالت حينئذٍ إنِّي وضعتها أنثى وإنِّي أعيذها، فاستجيب لها، ثمَّ تكامل وضعها فأراد الشَّيطان التَّمكُّن من مريم، فمنعه الله منها ببركة دعاء أمِّها، والتَّعبير بالبعض عن الكلِّ سائغٌ شائعٌ، وليس في الآية دليلٌ على أنَّه تعالى استجاب دعاءها بل الضَّمير في قوله تعالى {فَتَقَبَّلَهَا} لمريم؛ أي فرضي بها ربُّها في النَّذر مكان الذِّكر، نعم الحديث يدلُّ على الاستجابة، وقد مرَّ الحديث في «أحاديث الأنبياء عليهم السَّلام» في باب «قول الله تعالى {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ} [مريم 16] » . [خ¦3431]
[1] كذا في الفتح، وفي القسطلاني والكشاف (سلط)