فهرس الكتاب

الصفحة 6570 من 11127

4566 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الحمصي، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة الحمصي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب، أنَّه قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) أي ابن العوَّام رضي الله عنه (أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) أي ابن حارثة الكلبي مولى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ، عَلَى قَطِيفَةٍ) بفتح القاف وكسر الطاء المهملة، وهي كساءٌ غليظٌ (فَدَكِيَّةٍ) بفتح فاء ودال مهملة، صفتها؛ أي منسوبةً إلى فدك، بلدةٌ مشهورةٌ على مرحلتين أو ثلاثٍ من المدينة (وَأَرْدَفَ) بالواو في اليونينية، وفي الفرع بالفاء (أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَرَاءَهُ) حال كونه (يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ) بضم المهملة وتخفيف الموحدة، الأنصاري، أحد النُّقباء (فِي بَنِي الْحَارِثِ) أي في منازل بني الحارث (ابْنِ الْخَزْرَجِ) وهم قومُ سعد بن عبادة، وفيه جواز الإرداف، وعيادة الكبير الصَّغير، وعدم امتناع الكبير عن ركوب الحمير، وإظهار التَّواضع، وجواز العيادة راكبًا.

وقال المهلَّب في هذا أنواعٌ من التَّواضع، وقد ذكر ابن منده أسماء الأرداف فبلغ نيفًا وثلاثين شخصًا.

(قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بكسر القاف بعدها تحتية ساكنة (حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ) بالتنوين (ابْنُ سَلُولَ) بألف ورفع ابن لأنَّه صفة عبد الله لا صفة أبي؛ لأنَّ سلول اسم أمِّ عبد الله

ج 19 ص 229

غير منصرفٍ (وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ) أي قبل أن يُظهرَ الإسلام، ولو لم يُسلم قط (فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلاَطٌ) بفتح الهمزة وسكون المعجمة، جمع خِلط _ بالكسر _؛ أي أنواعٌ مختلطةٌ، وكلمة إذا للمفاجأة (مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ) بالجر بدل من المشركين، ويجوز أن يكون عطف بيان (وَالْيَهُودِ) بالجر عطفٌ على عبدة الأوثان.

وقال الحافظُ العسقلاني يجوز أن يكون معطوفًا على البدل او على المبدل منه وهو الأظهرُ؛ لأنَّ اليهود مقرونٌ بالتَّوحيد. نعم من لازم قول من قال منهم عزير ابن الله، تعالى الله عزَّ وجلَّ عن قولهم فقد أشرك بالله.

وقال العيني الأظهر أن يكون عطفًا على البدل؛ لأنَّ المبدل منه في حكم السقوط.

(وَالْمُسْلِمِينَ) كذا وقع مكررًا فلا محلَّ له هنا؛ لأنَّه ذكر أولًا فلا فائدة في ذكره ثانيًا. وقال الكرماني لعلَّ في بعض النُّسخ كان أولًا وفي بعضها آخرًا فجمع الكاتب بينهما، وقال بعضهم الأولى حذف أحدها ولم يبيِّن أيهما أولى بالحذف، وحذف الثَّاني أولى كما لا يخفى. وقد سقط الثَّاني من رواية مسلم وغيره.

(وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ) بفتح الراء وتخفيف الواو والحاء المهملة، ابن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجي الأنصاري الشَّاعر أحد السَّابقين، شهد بدرًا، واستشهد بمؤتة، وكان ثالث الأمراء بها في جمادى الأولى سنة ثمان، وقد شهد العقبة نقيبًا (فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ) فعل ومفعول (عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ) بالرفع فاعله، والعَجَاجة _ بفتح العين المهملة وتخفيف الجيمين _ الغبار (خَمَّرَ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الميم؛ أي غطَّى (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ لاَ تُغَبِّرُوا) بالموحدة (عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ) قال صاحب «التوضيح» لعلَّه نوى به المسلمين، ويُؤخذ منه جواز السَّلام على المسلمين إذا كان معهم كفَّار وينوي حينئذٍ بالسَّلام المسلمين (ثُمَّ وَقَفَ، وَنَزَلَ) عن الدَّابَّة، وفيه جواز استمرار الوقوف اليسير على الدَّابَّة فإن طال نزلَ كفعله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقيل لبعض التابعين أنَّه نهى عن الوقوف على متن الدَّابَّة، قال أرأيت لو صيَّرتها سائبة أما كان يجوز لي ذلك

ج 19 ص 230

قيل له نعم قال فأيُّ فرقٍ بينهما، أراد لا فرق بينهما.

(فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ) بالفاء في اليونينية، وفي [الفرع] بالواو (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ) أي للنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَيُّهَا الْمَرْءُ، إِنَّهُ لاَ أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ) بفتح الهمزة وفتح السين والنون، أفعل تفضيل، وهو اسم «لا» وخبرها محذوف؛ أي لا أحسن كائن ممَّا تقول. وقال الحافظُ العسقلاني ويجوز في أحسن الرفع على أنَّه خبر «لا» ، والاسم محذوف؛ أي لا شيء أحسنُ مما تقول.

وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بضم الهمزة وكسر السين وضم النون، وما بميم واحدة من أحسن يحسن، وفي روايةٍ أخرى بحذف الألف لكن بفتح السين وضم النون على أنَّها لام القسم، كأنَّه قال أحسن من هذا أن تقعدَ في بيتك، حكاه القاضي عياض عن أبي عليٍّ واستحسنه.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ هذا غلطٌ صريحٌ بل اللام فيه لام الابتداء دخلت على أحسن الذي هو أفعلُ تفضيل، وليس للام القسم فيه مجال قال ولم يكتف هذا المغالط بهذا الغلط الفاحش حتَّى نسبَه إلى القاضي عياض. وأنت خبيرٌ بأنَّه نسب هذه الرِّواية إليه لا توجيهه بما وجهه به، فافهم.

وحكى ابن الجوزي تشديد السين المهملة بغير نون، من الحس؛ أي لا أعلم منه شيئًا.

(إِنْ كَانَ حَقًّا) شرط قدم جزاؤه، أو مقدر بقرينة ما سبقه، والأول مذهب الكوفيين، والثَّاني مذهب البصريين (فَلاَ تُؤْذِينَا بِهِ) بالياء قبل النون، وفي رواية أبي ذرٍّ بحذف الياء على الجزم كما هو الأصل (فِي مَجْلِسِنَا) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ بالجمع (ارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ) أي إلى منزلك (فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَاغْشَنَا) بهمزة وصل وفتح الشين المعجمة (بِهِ فِي مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ. فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ) عطف اليهود على المشركين وإن كانوا داخلين فيهم تنبيهًا على زيادة شرِّهم (حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ) بمثلثة من ثار يثور إذا قام بسرعةٍ وانزعاج؛ أي قاربوا أن يثب بعضُهم على بعض فيقتتلوا، وعبارة ابن التين (( يتبادرون ) ) (فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ) بالخاء والضاد المعجمتين؛ أي يسكتهم

ج 19 ص 231

(حَتَّى سَكَنُوا) بالنون من السكون، كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذرٍّ عن المستملي بالمثناة الفوقية، من السكوت. وقال الحافظُ العسقلاني وعند الكُشميهني بالمثناة.

(ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَابَّتَهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا سَعْدُ) وفي رواية مسلم أي سعد (أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ) بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة الأولى وبعد الألف موحدة أخرى (يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ) وهي كنيتُه، وكنَّاه النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تلك الحالة لكونه كان مشهورًا بها، أو لمصلحة التَّأليف فليست الكنية للتَّكرمة مطلقًا، بل قد تكون للشُّهرة وغيرها.

(قَالَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، اعْفُ عَنْهُ، وَاصْفَحْ عَنْهُ، فَوَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ، لَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ) وفي رواية أبي ذرٍّ بإسقاط الهمزة وتشديد الزاي (ولَقَدِ اصْطَلَحَ) ويُروى بدون الواو، ووجهه أنَّه بدل أو عطف بيان وتوضيح، أو حرف العطف محذوف (أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ) بضم الموحدة وفتح المهملة مصغرة، كذا في رواية الحمويي. وقال القاضي عياض في غير «صحيح مسلم» بفتح الباء وكسر الحاء مكبرة. وفي رواية أبي ذرٍّ عن المستملي والكشميهني بفتح الموحدة وسكون المهملة يريد أهل المدينة النَّبويَّة.

وقال الحافظُ العسقلاني وهذا اللَّفظ_ يعني لفظ البحيرة مصغرًا ومكبرًا_ يُطلق على القرية وعلى البلد، والمراد به هنا المدينة النَّبويَّة هذا، وأمَّا البحرة بدون الياء فهي الأرض والبلد، والبحار القرى، يُقال هذه بحرتنا؛ أي بلدتنا.

وقال بعض المفسِّرين المراد بقوله تعالى {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الروم 41] القرى والأمصار.

وقال الطَّبري كلُّ قريةٍ لها نهرٌ جارٍ فالعربُ تسمِّيها بحرة. وقال ياقوت بحرةٌ على لفظ

ج 19 ص 232

تأنيث البحر من أسماء مدينة سيدنا رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبالبحرين قريةٌ لعبد القيس، يُقال لها بحرة. وأيضًا بحرة موضع ليَّةٍ من الطَّائف.

وقال البكري لِيَّة _ بكسر أوله وتشديد المثناة التحتية _ وهي أرضٌ من الطَّائف على أميال يسيرة، وهي على ليلةٍ من قرن، ولما سار رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد حُنين إلى الطَّائف سلك على نخلة اليمامة، ثمَّ على قرن، ثمَّ على المليح، ثمَّ على بحرة الرعاء من لِيَّة، فابتنى في بحرةٍ مسجدًا وصلى فيه.

وقال ياقوت البحيرة تصغير بحرة يرادُ به كلُّ مجمعٍ ماءٍ مستنقعٍ لا اتِّصال له بالبحر الأعظم غالبًا، ثمَّ ذكر بحيرات عديدة، ثمَّ قال في آخرها والبحيرة كورةٌ بمصر قرب إسكندرية.

(عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ) أي على أن يجعلوه ملكًا، وكان من عادتهم إذا ملكوا إنسانًا توَّجوه؛ أي جعلوا على رأسه تاجًا (فَيُعَصِّبُوه بِالْعِصَابَةِ) أي فيعمِّموه بعمامة الملوك، كذا في رواية أبي ذرٍّ، ووقع في أكثر نسخِ البُخاري (( يعصبوه ) )بدون الفاء، فيكون بدلًا من قوله «يتوِّجوه» ، ويُروى بالفاء والنون على تقدير فهم يعصِّبونه.

وقال الحافظُ العسقلاني ووقع في غير رواية البُخاري (( فيعصبونه ) )؛ أي بالنون والتَّقدير فهم يعصبونه أو فإذا هم يُعصِّبونه، قال القسطلَّاني ولعلَّه لم يقف على رواية الأكثرين بالنون.

وقال الكرماني أي يجعلونَه رئيسًا لهم ويسوِّدونه عليهم، وكان الرَّئيس معصبًا لما يعصب برأيهِ من الأمور. وقيل كان الرُّؤساء يعصبون رؤوسهم بعصابةٍ لا تنبغي لغيرهم يمتازون بها. وعند ابنِ إسحاق لقد جاءنا الله بك، وإنَّا لنُنظم له الخرز لنُتوِّجه.

واعلم أنَّه قال في «المصابيح» على تقدير رواية (( فيعصبونه ) )بالفاء والنون يلزمُ الجمع بين إعمال أن وإهمالها في كلامٍ واحدٍ، ويجوز ذلك على ضعفٍ كما في قوله

~أَنْ تَقْرَآنِ عَلَى أَسْمَاءَ وَيْحَكُمَا مِنِّيْ السَّلَامَ وَأَنْ لَا تُشْعِرَا أَحَدا

فعلى هذا لا حاجة إلى تقدير فهم هذا، وقال القسطلاني وقع في غير ما نسخة من النُّسخ المقابلة على اليونينية المصحَّحة بحضرة إمام

ج 19 ص 233

النُّحاة في عصرهِ ابن مالك مع جمعٍ من الحفَّاظ والأصول المعتمدةِ (( فيعصبوه ) )بالفاء وحذف النون.

(فَلَمَّا أَبَى اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ شَرِقَ) بفتح المعجمة وكسر الراء وبالقاف (بِذَلِكَ) أي غصَّ ابن أُبي بذلك الحقِّ، وهو كنايةٌ عن الحسد، وذلك لأنَّه حسد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان سبب كفره ونفاقهِ يُقال غصَّ الرَّجل بالطَّعام وشرق بالماء وشجي بالعظم إذا اعترض شيءٌ من ذلك في حلقهِ فمنع الإساغة، وفي رواية أبي ذرٍّ بدون لفظ الجلالة لدَلالة الأولى (فَذَلِكَ) أي فذلك الحقُّ الذي أتيت به (فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ مِنْهُ) أي الَّذي رأيته منه قوله وفعله القبيحين (فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وكان العفو منه قبل أن يؤذنَ له في القتال، كما يذكره في الحديث.

(وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الأَذَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَتَسْمَعُنَّ} ) خطابٌ للمؤمنين ( {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا} [آل عمران 186] الآيَةَ) أي اقرأ الآية بتمامها، وتمامها قوله تعالى {وَإِنْ تَصْبِرُوا} أي على ذلك {وَتَتَّقُوا} أي مخالفة أمر الله {فَإِنَّ ذَلِكَ} يعني الصَّبر والتَّقوى {مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} أي من معزومات الأمور التي يجب العزم عليها، أو ممَّا عزم الله عليه؛ أي أمر به وبالغَ فيه، والعزم في الأصل ثبات الرَّأي على الشَّيء نحو إمضائه؛ أي لا بدَّ لكم أن تصبروا وتتَّقوا، خوطب المؤمنون بذلك ليوطنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من الأذى والشَّدائد والصَّبر عليها.

وقال ابن كثير يقول تعالى للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدرٍ مسليًا لهم عمَّا ينالهم من الأذى من أهل الكتاب والمشركين وآمرًا لهم بالصَّبر والصَّفح حتى يفرج الله تعالى.

قال الحافظُ العسقلاني

ج 19 ص 234

قوله «وكان النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه يعفون» إلى آخره هذا حديثٌ آخر أفرده ابن أبي حاتم في «التَّفسير» عن الَّذي قبله وإن كان الإسناد متَّحدًا، وقال في آخره وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتأوَّل في العفو ما أمره الله به حتَّى أذن الله فيهم، فكلُّ من قام بحقٍّ أو أمر بمعروفٍ أو نهى عن منكرٍ، فلا بدَّ أن يؤذى فما له دواءٌ إلَّا الصَّبر في الله والاستعانة به والرُّجوع إليه، وقد أخرج مسلمٌ الحديث الذي قبله مقتصرًا عليه، ولم يخرج شيئًا من هذا الحديث الآخر.

(وَقَالَ اللَّهُ {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة 109] إِلَى آخِرِ الآيَةِ) زاد أبو نعيم في «مستخرجه» من وجهٍ آخر عن أبي اليمان بالإسناد المذكور ما يظهر به المناسبة، وهو قوله تعالى {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا} (وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَوَّلُ الْعَفْو) وفي رواية أبي ذرٍّ (مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ) أي في قتالهم؛ أي فترك العفو عنهم، وليس المراد أنَّه تركه أصلًا بل بالنِّسبة إلى ترك القتال أولًا ووقوعه أخيرًا، وإلَّا فعفوه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن كثيرٍ من المشركين واليهود بالمنِّ والفداء وصفحه عن المنافقين مشهورٌ في الأحاديث والسِّير.

(فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدْرًا، فَقَتَلَ اللَّهُ بِهِ صَنَادِيدَ) جمع صنديد، وهو السَّيِّد الكبير في القوم (كُفَّارِ قُرَيْشٍ، قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ) بالتنوين (ابْنُ سَلُولَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الأَوْثَانِ) من عطف الخاص على العام، وفائدتُه الإيذان بأنَّ إيمانهم كان أبعد، وضلالهم أشدُّ (هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ) أي ظهر وجهه (فَبَايَعُوا الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الإِسْلاَمِ فَأَسْلَمُوا) وقوله بصورة الجملة الماضية، ويحتمل أن يكون بلفظ الأمر، وفي رواية أبي ذرٍّ والأصيلي .

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه البُخاري في «الجهاد» مختصرًا [خ¦2987] ، وفي «اللباس» [خ¦5964] ، و «الأدب» [خ¦6207] ، و «الطب» [خ¦5663] ، و «الاستئذان» [خ¦6254] ، وأخرجه مسلم في المغازي، والنَّسائي في الطب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت