4580 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية غير أبي ذرٍّ بالإفراد (الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح الصاد المهملة وسكون اللام وآخره مثناة فوقية، الخَاركي _ بخاء معجمة _ البصري، قال (حَدَّثَنَا أبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ إِدْرِيسَ) هو ابنُ يزيد الأَوْدي _ بفتح الهمزة وسكون الواو _ والد عبد الله بن إدريس الفقيه الكوفي، وإدريس ثقةٌ عندهم، وما له في البُخاري سوى هذا الحديث، ووقع في رواية الطَّبري عن أبي كريب عن أبي أسامة حدَّثنا إدريس بن يزيد.
(عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ) بفتح الصاد المهملة وكسر الراء المشددة، اليامي الهمداني، ووقع في «الفرائض» [خ¦6747] عن إسحاق بن إبراهيم عن أبي أسامة عن إدريس حدثنا طلحة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) في قوله تعالى ( {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} . قَالَ وَرَثَةً) هذا متَّفقٌ عليه بين أهل التَّفسير من السَّلف، أسنده الطَّبري عن مجاهدٍ وقَتَادة والسُّدِّي وغيرهم ثمَّ قال وتأويل الكلام ولكلِّكم أيها الناس جعلنا عصبةً يرثونه ممَّا ترك والده والأقربون، وذكروا غير ذلك من وجوه الإعراب، وقد تقدَّم بعضها في أول الباب، وأوضح من ذلك كلِّه أن يُضافَ إليه كلُّ ما تقدَّم في الآية التي قبلها وهو قوله {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} ثمَّ قال {وَلِكُلٍّ} أي من الرِّجال والنِّساء {جَعَلْنَا} أي قدرنا {نَصِيبًا} أي ميراثًا {مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} أي بالحلف أو الموالاة أو المؤاخاة، (( فآتوهم نصيبهم ) )خطاب لمن يتولَّى ذلك؛ أي مَن ولي على ميراث أحدٍ فليعط لكلِّ من يرثه نصيبه، وعلى هذا المعنى المتَّضح ينبغي أن يقعَ الإعراب، ويُترك ما عداهُ من التَّعسُّف، قاله الحافظ العسقلاني. فليتأمَّل.
(((وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أيْمَانُكُمْ ) )) أي عاقدت ذووا أيمانكم وذووا أيمانهم، قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما (كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرُ) وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت بزيادة مثناة تحتية مشددة(الأنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي
ج 19 ص 279
رَحِمِهِ)أي أقربائه (لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ) أي بين المهاجرين والأنصار، هكذا حملها ابن عبَّاس رضي الله عنهما على من آخى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بينهم، وحملها غيره على أعمِّ من ذلك، فأسند الطَّبري عنه قال كان الرَّجل يُحالف الرَّجل ليس بينهما نسبٌ، ويرث أحدهما الآخر فنُسخ ذلك. ومن طريق سعيد بن جُبير قال كان الرَّجل يُعاقد الرَّجل فيرثه، وعاقد أبو بكرٍ مولى فورثه.
(فَلَمَّا نَزَلَتْ {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} [النساء 33] نُسِخَتْ) بضم النون على البناء للمفعول؛ أي وراثة الحليف بآية {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} هكذا وقع في هذه الرِّواية أنَّ ناسخَ ميراث الحليف هذه الآية.
وروى الطَّبري من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال كان الرَّجل يُعاقد الرَّجل فإذا مات ورثه الآخر، فأنزلَ الله عزَّ وجلَّ {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا} [الأحزاب 6] يقول إلَّا أن توصوا لأوليائكم الَّذين عاقدتم.
ومن طريق قَتَادة كان الرَّجل يُعاقد الرَّجل في الجاهليَّة فيقول دمي دمك وترثني وأرثك، فلمَّا جاء الإسلام أُمروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السُّدس، ثمَّ نُسخ ذلك بالميراث، فقال {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأنفال 75] .
ومن طرقٍ شتَّى عن جماعةٍ من العلماء كذلك، وهذا هو المعتمدُ، وبه قال الحسن وعكرمة وابن المسيَّب، ويحتمل أن يكون النَّسخ وقع مرتين، الأولى حيث كان المعاقد يرث وحدَه دون العصبة، فنزلت {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} [النساء 33] وهي آيةُ الباب فصاروا جميعًا يرثون، وعلى هذا يتنزلُ حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ثمَّ نسخ ذلك آية الأحزاب، وخُصَّ الميراث بالعصبة، وبقيَ للمعاقد النَّصر والإرفاد ونحوهما.
وعلى هذا يتنزَّل بقية الآثار، وقد تعرَّض له ابن عبَّاس رضي الله عنهما في حديثه أيضًا لكن لم يذكر النَّاسخ الثَّاني، ولا بدَّ منه، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ قَالَ) أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى (((وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أيْمَانُكُمْ ) )
ج 19 ص 280
مِنَ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ) هكذا وقع فيه، وسقط منه شيء بيَّنه الطَّبري في روايته عن أبي كريب عن أبي أسامة بهذا الإسناد، ولفظه ثمَّ قال (( والَّذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) )من النَّصر والرِّفادة والنَّصيحة، فالجار والمجرور يتعلَّق بقوله {فَآتُوهُمْ} لا بعاقدت، ولا بأيمانكم، والرِّفادة _ بالكسر وتخفيف الفاء _ الإعانة بالعطيَّة.
(وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ) أي بين المتعاقدين (وَيُوصِي) بكسر الصاد (لَهُ) أي للحليف؛ لأنَّ ميراثه لما نُسخ جازت الوصيَّة له. وقد مضى الحديث بعينه سندًا ومتنًا في «الكفالةِ» في باب «قول الله تعالى {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} » [خ¦2292] ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ.
(سَمِعَ أبُو أُسَامَةَ) هو حمَّاد بن أسامة (إِدْرِيسَ) هو ابنُ يزيدٍ الأودي (وَسَمِعَ إِدْرِيسُ طَلْحَةَ) أي ابن مصرف، لم يقع هذا إلَّا في رواية المستملي والكُشميهني، وأشار بهذا إلى أنَّ كلَّ واحدٍ من أبي أسامة وإدريس قد صرَّح بالتَّحديث، وصرَّح بذلك الحاكم في «مستدركه» ثمَّ قال صحيحٌ على شرط الشَّيخين، وقال الحافظُ العسقلاني وقع هذا في رواية المستملي وحدَه وتبعَه العينيُّ.