4590 - (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أبي إِيَاسٍ) العسقلاني الخراساني الأصل، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجاج، قال (حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ) وفي نسخة باللام، وهو بضم الميم وكسرها، والنُّعمان _ بضم النون _ النَّخعي الكوفي (قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ) الأسديَّ مولاهم الكوفي (قَالَ آيَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا) أي في حكمها (أهْلُ الْكُوفَةِ) وسقط قوله في رواية غير أبي ذرٍّ وأبي الوقت (فَرَحَلْتُ فِيهَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما.
(فَسَألْتُهُ عَنْهَا) وقع في «تفسير الفرقان» [خ¦4763] من طريق غُنْدر عن شعبة بلفظ اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فدخلت فيه إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وفي رواية الكُشميهني بالراء والحاء المهملتين، وهي أصوب، والوجه في رواية «فدخلت» بالدال والخاء المعجمة أن يقدر
ج 19 ص 310
شيءٌ تقديره فدخلت بعد رحلتي إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وكلمة «إلى» يجوز أن تكون بمعنى عند، وعلى أصل بابها، والمعنى انتهى دخولي إليه.
وقال الكرماني يروى اختلف فقهاء أهل الكوفة جمع فقيه، وقال ولفظ فيها حينئذٍ مقدَّر فافهم.
(فَقَالَ) أي ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} ) أي قاصدًا قتله، وصورة العمد أن يقتلَه بالسَّيف أو بغيره ممَّا يفرِّق الأجزاء من الآلات التي يُقصدُ بها القتل ( {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} هِيَ) أي الآية المذكورة (آخِرُ مَا نَزَلَ) أي في هذا الباب (وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٌ) وذكر أبو جعفر النَّحَّاس أنَّ للعلماء في هذه الآية الكريمة أقوال
الأوَّل أنَّه لا توبة له، رُوي ذلك عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر، وأبي هريرة رضي الله عنهم، وعن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن وعبيد بن عُمير والحسن البصري والضَّحَّاك، وقالوا الآية محكمةٌ.
الثَّاني أنَّ له توبةً، قاله جماعةٌ من العلماء، ورُوي أيضًا عن ابن عمر وابن عبَّاس وزيد بن ثابت.
الثَّالث أنَّ أمره إلى الله تعالى تاب أو لم يتب، وعليه الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه، ومحمد بن إدريس يقول في كثيرٍ من هذا إلَّا أن يعفو الله أو معنى هذا.
الرَّابع أنَّه قال أبو مِجْلز لاحق بن حميد المعنى جزاؤه إن جازاه، وروى عاصم بن أبي النَّجود عن ابن جُبير عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه قال هو جزاؤه.
وروى ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قال في الآية هو جزاؤه إن جازاه، وذكر أبو عبد الله الموصلي الحنبلي في كتاب «الناسخ والمنسوخ» ذهب كثيرٌ من العلماء إلى أنَّ آية النِّساء منسوخةٌ، ثمَّ اختلفوا في الناسخ، فقال بعضهم نسختها آية الفرقان؛ لأنَّه قال {إِلَّا مَنْ تَابَ} [الفرقان 70] بعد ذكر الشِّرك والزنا والقتل، وقال أكثرهم نُسخت بقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء 48] .
وقد اختُلف عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أيضًا، فرُوي عنه أنَّ هذه الآية نزلت في أهل الشرك. وعنه نسختها الَّتي في النِّساء،
ج 19 ص 311
وقال أبو الحسن بن الحصار في كتابه «الناسخ والمنسوخ» الآيتان لم تتواردا على حكمٍ واحدٍ؛ لأنَّ التي في الفرقان نزلت في الكفَّار، والتي في النِّساء نزلت فيمن عقل الإيمان ودخلَ فيه فلا تعارضَ بينهما، وإنَّما نزلت آية النِّساء فيمَن قتل مؤمنًا مستحلًا لقتله متعمِّدًا للتَّكذيب من غير جهالةٍ، فتكذيبه كتكذيبِ إبليس؛ ولذلك قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما لا توبة له كما لا توبة لإبليس، وكيف يُشْكل حكم هذه الآية على عالمٍ قد بيَّنه الله عزَّ وجلَّ غاية البيان، وأخبر بأنَّه لا يغفرُ أن يُشركَ به ويغفرُ ما دون ذلك، انتهى.
وأمَّا الذين قالوا إنَّ هذه الآية محكمةٌ فاختلفوا في وجه أحكامها فذهب عكرمة إلى أنَّ المعنى مستحلًا لقتله فيستحقُّ التَّخليد لاستحلاله، وذهب بعضهم إلى أنَّها لم يلحقها ناسخٌ وهي باقيةٌ على أحكامها، وقد روى عبد بن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جريرٌ عن يحيى الجابر.
وكذا روى أحمد والطَّبري من طريق يحيى والنَّسائي وابن ماجه من طريق عمار الدُّهني كلاهما عن سالم بن أبي الجعد قال كنَّا عند ابن عبَّاس رضي الله عنهما بعد ما كُفَّ بصره، فأتاه رجلٌ فناداه يا عبد الله بن عبَّاس ما ترى في رجلٍ قتل مؤمنًا متعمِّدًا فقال جزاؤه جهنَّم خالدًا فيها وغضبَ الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذابًا عظيمًا، قال أفرأيت إن تابَ وعمل صالحًا ثمَّ اهتدى، قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما ثكلته أمه وأنَّى له التَّوبة والهدى، والَّذي نفسي بيده لقد سمعت نبيَّكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (( ثكلته أمُّه، قاتل مؤمن متعمدًا جاء يوم القيامة آخذ بيمينه أو بشماله تشخبُ أوداجه دمًا في قبل عرش الرَّحمن، يلزمه قاتله بيده الأخرى يقول سل هذه فيم قتلني ) )وايم الَّذي نفس عبد الله بيده لقد أُنزلت هذه الآية وما نسختها من آيةٍ حتَّى قُبض نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما نزل بعدها من برهان.
وقد روي هذا عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما من طرقٍ كثيرةٍ. وقال الثَّعلبي قالت الخوارج والمعتزلة المؤمن إذا قتل مؤمنًا إنَّ هذا الوعيد لاحقّ به، وقالت المرجئة نزلت هذه الآية في كافرٍ قتل مؤمنًا، فأمَّا مؤمنٌ قتل مؤمنًا لا يدخل النَّار.
ج 19 ص 312
وقالت طائفةٌ من أصحاب الحديث نزلت في مؤمنٍ قتل مؤمنًا، والوعيد عليه ثابتٌ إلَّا أن يتوبَ ويستغفر. وقالت طائفةٌ كلُّ مؤمنٍ قتل مؤمنًا فهو خالدٌ في النَّار غير مؤبَّدٍ، ويخرج منها بشفاعة الشَّافعين، وعندنا أنَّ المؤمن إذا قتل مؤمنًا لا يكفر بفعلهِ، ولا يخرج به من الإيمان إلَّا أن يقتله استحلالًا، فإن أقيد بمن قتله فذلك كفَّارةٌ له، وإن كان تائبًا من ذلك ولم يكن مقادًا بمن قتل كانت التَّوبة أيضًا كفَّارةً له، فإن خرج من الدُّنيا بلا توبةٍ ولا قودٍ، فأمره إلى الله تعالى.
والعذاب قد يكون نارًا، وقد يكون غيرها في الدُّنيا ألا ترى إلى قوله {يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} [التوبة 14] يعني بالقتل والأسر، ويُجاب عن قول الخوارج ومن معهم بأنَّ المراد بالتَّخليد المكث بطول المدَّة، ألا ترى إلى قوله تعالى {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ} [الأنبياء 34] .
ومن المعلوم أنَّ الدُّنيا تغنى، وعن قول المرجئة بأنَّ كلمة «من» في الآية عامَّة، فإن قالوا إنَّ الله لا يغضب إلَّا على كافرٍ أو خارجٍ من الإيمان. فالجواب أنَّ الآية لا توجب غضبًا عليه؛ لأنَّ معناه فجزاؤه جهنم، وجزاؤه أن يغضب عليه ويلعنه، وما ذكر الله تعالى من شيءٍ وجعله جزاء لشيء فليس ذلك واجبًا كقوله تعالى {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة 33] وربَّ محاربٍ لله ورسوله لم يحَّل عليه شيءٌ من هذه المعاني حتَّى فارق الدُّنيا، فإن قالوا قوله تعالى {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} [النساء 93] من الأفعال الماضية؟
فالجواب أنَّه قد يرد الخطابُ بلفظ الماضي، والمراد به المستقبل كقوله تعالى {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} [يس 51] {وَحَشَرْنَاهُمْ} [الكهف 47] وقد يرد المستقبل بمعنى الماضي، كقوله تعالى {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ} [البروج 8] أي إلَّا أن آمنوا. فإن قلت رويت أخبارٌ بأنَّ القاتلَ لا توبة له؟ فالجواب إن صحَّت فتأويلها إذا لم ير القتل ذنبًا، ولم يستغفرِ الله تعالى منه.
قال صاحب «التَّلويح» يدلُّ عليه ما رواه أبو الدَّرداء رضي الله عنه سمعت النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (( كلُّ ذنبٍ عسى الله أن يغفره إلَّا من مات مشركًا أو مؤمن قتل مؤمنًا متعمدًا ولم يتب ) ).
ج 19 ص 313
وقال ابن كثير في «تفسيره» وأمَّا قول معاوية رضي الله عنه «كلُّ ذنبٍ عسى الله أن يغفرهُ إلَّا الرَّجل يموت كافرًا أو الرَّجل يقتل مؤمنًا متعمدًا» فعسى للتَّرجي، فإذا انتفى التَّرجِّي في هاتين الصُّورتين لا ينفي وقوع ذلك في أحديهما وهو القتل، انتهى.
فهذا كما رأيت ذكره عن معاوية، ولم يذكر لفظ «ولم يتب» ، وأوله بهذا المعنى، والله أعلم.
وأجمع المسلمون على صحَّة توبة القاتل عمدًا، وكيف لا تصحُّ توبته، وتصحُّ توبة الكافر وتوبة من ارتدَّ عن الإسلام، ثمَّ قتل المؤمن عمدًا ثمَّ رجع إلى الإسلام.
وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كنَّا معشر أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا نشكُّ في قاتلِ المؤمن وآكل مال اليتيم وشاهد الزور وقاطع الرحم، يعني لا نشكُّ في الشَّهادة لهم بالنَّار حتَّى نزلت {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} [النساء 48] فأمسكنا عن الشَّهادة لهم.
فإن قيل ما تقول في الرَّجل الَّذي سأل أبا هريرة وابن عمر وابن عبَّاس رضي الله عنهم عن قتل العمد، فكلُّهم قالوا هل يستطيع أن يحييه؟
فالجواب إنَّ هذا يعني على وجه تعظيم القتل والزَّجر والتَّغليظ للدَّلائل الدَّالَّة على خلافهِ، وإلَّا فكلُّ ذنبٍ ممحوٌّ بالتَّوبة، وناهيك بمحو الشِّرك دليلًا، فهو في التَّغليظ كحديث (( لزوالُ الدُّنيا أهونُ عند الله من قتل رجلٍ مسلمٍ ) )وحديث (( من أعانَ على قتل مسلمٍ ولو بشطرِ كلمةٍ جاء يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه آيسٌ من رحمة الله ) )وكقوله تعالى {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران 97] ؛ أي لم يحجَّ.
وكلُّ ذلك لا يعارض نصوص الكتاب الدَّالَّة على عموم العفو فلا بدَّ من التَّخصيص بمن لم يتب أو فعله مستحلًّا، أو كون الخلود بمعنى المكث الطَّويل، فإنَّ الدَّلائل متظاهرةٌ على أنَّ عصاة المسلمين لا يدومُ عذابهم، والحقُّ أنَّه متى صدرَ عن المؤمن مثل هذا الذَّنب فمات ولم يتب فحكمه إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه، وإن يشاء عذَّبه بقدر ما يشاء، ثمَّ يخرجه إلى الجنَّة.
وقال الواحدي والأصل أنَّ الله تعالى يجوز أن يخلفَ الوعيد وإن كان لا يجوزُ أن يخلفَ الوعد.
وبهذا وردت السُّنَّة فإذن لا مدخلَ لذكر التَّوبة وتركها في الآية، ولا يُفتقرُ إخراج المؤمن من النَّار إلى دليلٍ، ولا إلى تخصيصِ عامٍّ ولا إلى تفسير الخلود بالمكث
ج 19 ص 314
الطَّويل.
وأمَّا مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنَّه حقٌّ من حقوق الآدميين وهو لا يسقطُ بالتَّوبة فلا بدَّ من أدائه، وإلَّا فلا بدَّ من الطِّلابة يوم القيامة ولكن لا يلزم من وقوع الطِّلابة وقوع المجازاة، وقد يكون للقاتل أعمالٌ صالحةٌ تصرف إلى المقتول أو بعضها، ثمَّ يفضل له أجرٌ يدخل به الجنة، أو يعوض الله المقتول من فضله بما شاء من قصور الجنَّة ونعيمها ورفع درجته ونحو ذلك، والله سبحانه أعلم وهو أكرم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه مسلمٌ في آخر الكتاب، وأبو داود في الفتن، والنَّسائي في القصاص والمحاربة والتَّفسير.