فهرس الكتاب

الصفحة 6618 من 11127

4591 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي ابن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابنُ دينار (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابنُ أبي رباح (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما)

ج 19 ص 315

في قوله تعالى ( {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ ألْقَى إِلَيْكُمُ السَّلام لَسْتَ مُؤْمِنًا} [النساء 94] ) (قال) عطاء (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَانَ رَجُلٌ) قيل هو عامرُ بن الأضبط الأشجعي، وقيل غير ذلك كما سيجيء.

(فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ) بضم الغين وفتح النون، مصغَّر غنم؛ لأنَّ الغنم اسمٌ مؤنَّث موضوعٌ للجنس يقع على الذكور والإناث وعليهما جميعًا، فإذا صغَّرتها ألحقتها الهاء، فقلت غنيمة لأنَّ أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لازمٌ (فَلَحِقَهُ الْمُسْلِمُونَ) وكانوا في سريةٍ (فَقَالَ) أي الرَّجل لهم (السَّلام عَلَيْكُمْ) وفي رواية سِماك عن عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند أحمد والتِّرمذي وحسَّنه، والحاكم وصححه مرَّ رجلٌ من بني سُلَيم بنفرٍ من الصَّحابة وهو يسوق غنمًا فسلَّم عليهم فقالوا ما سلَّم علينا إلَّا ليتعوذ منَّا فعمدوا إليه.

(فَقَتَلُوهُ وَأخَذُوا غُنَيْمَتَهُ) وفي رواية سِمَّاك (( وأتوا بغنمه إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ) (فَأنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ) يعني قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء 94] .

(إِلَى قَوْلِهِ {تبتغون عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ) أي حطامها (تِلْكَ الْغُنَيْمَةُ) أي هي تلك الغنيمة، وفي رواية غير أبي ذرٍّ بدون قوله < {تَبْتَغُونَ} >.

وفي سبب نزول هذه الآية اختلاف، فذكر الواحدي عن سعيد بن جُبير أنَّ المقداد بن الأسود خرج في سريةٍ فمرُّوا برجلٍ في غنيمةٍ له فأرادوا قتله فقال لا إله إلا الله، فقتله المقداد.

وعن أبي حدردٍ قال بعثنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سريةٍ إلى لخم [1] قبل مخرجه إلى مكَّة فمر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي، فحيَّانا بتحيَّة الإسلام فرعبنا منه، فحمل عليه محلم بن جثامة لشيءٍ كان بينه وبينه في الجاهلية فقتله واستلبه، وانتهينا إلى سيِّدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبرناه بخبره فنزلت.

وروى البزَّار من طريق حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جُبير عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في نزول هذه الآية قال بعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سريةً فيها المقداد، فلمَّا أتوا القوم وجدوهم قد تفرَّقوا وبقي رجلٌ له مالٌ كثيرٌ فقال أشهد أنَّ لا إله إلا الله، فقتله المقداد فقال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( كيف لك بلا إله إلا الله غدًا ) )وأنزل الله هذه الآية.

وذكر السُّدِّي أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث أسامة بن زيد على سريةٍ فلقي مرداس بن نهيك الضَّمري

ج 19 ص 316

فقتله، وكان من أهل فدك ولم يسلم من قومه غيره، فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( هلا شققت عن قلبه ) )فنزلت.

وقال ابن جرير حدَّثنا وكيع أخبرنا جرير عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال بعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَلِّم بن جثَّامة مبعثًا، فلقيهم عامر بن الأضبط، الحديث إلى أن قال فرماه بسهمٍ فقتله فجاء الخبر إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الحديث إلى أن قال فجاء مُحَلِّم في بردين فجلس بين يدي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليستغفر له، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لا غفرَ الله لك ) )فقام وهو يتلقَّى دموعه ببرديه، فما مضت له ساعةٌ حتَّى مات ودفنوه، ولفظته الأرض، فجاؤوا إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فذكروا له ذلك فقال (( إن الأرض تقبل من هو شرٌّ من صاحبكم، ولكن الله أرادَ أن يعظكُم من جريمتكم ) )ثمَّ طرحوه في جبلٍ وألقوا عليه من الحجارة، ونزلت {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} [النساء 94] الآية.

وقال السُّهيلي مات مُحَلِّمٌ فلم تقبله الأرض مرارًا فألقي بين جبلين قال وكان أمير السَّرية أبا الدَّرداء رضي الله عنه. وقيل اسم المقتول فديك، وقال أبو عمر مرداس بن نهيك فيه نزلت {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} لآية، وكان يرعى غنمًا له فهجمت عليه سرية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفيها أسامة بن زيدٍ وأميرها سلمة بن الأكوع.

وفي رواية غالب بن فَضَالة فلقيه أسامة فألقى إليه السَّلام، وقال السَّلام عليكم أنا مؤمن، فحسب أسامة أنَّه ألقى إليه السَّلام متعوِّذًا فقتله فأنزل الله تعالى فيه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} الآية.

وفي روايةٍ أنَّ قوم مرداس لمَّا انهزموا بقي وحده، وكان ألجأ غنمه إلى عاقول جبل فلمَّا لحقوه، قال لا إله إلا الله محمد رسول الله السَّلام عليكم فقتله أسامة بن زيد فلمَّا رجعوا نزلت الآية.

وقال أبو عمر الاختلاف في المراد بهذه الآية كثيرٌ مضطربٌ فيه جدًّا، قيل نزلت في المقداد، وقيل نزلت في أسامة بن زيد، وقيل في محلم بن جثامة، وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما نزلت في سريةٍ ولم يسمَّ أحدًا. وقيل نزلت في غالب بن فضالة اللَّيثي أو الكعبي، وقيل نزلت في رجلٍ من بني اللَّيث يُقال له فليت كان على السَّرية.

ج 19 ص 317

وقيل نزلت في أبي الدَّرداء رضي الله عنه، وهذا اضطرابٌ شديدٌ جدًّا، ومعلوم أنَّ قتله كان خطأ لا عمدًا؛ لأنَّ قائله لم يصدِّقه في قوله أنا مؤمنٌ.

وقال أبو بكر الرَّازي الحنفي في هذه الآية حكم الله تعالى بصحة إسلام من أظهر الإسلام، وأمرنا بإجرائه على أحكام المسلمين وإن كان في الغيب بخلافه.

وهذا ممَّا يحتجُّ به على توبة الزِّنديق إذا أظهر الإسلام فهو مسلمٌ قال واقتضى ذلك أيضًا أنَّ من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله أو قال أنا مسلمٌ يُحكم له بالإسلام.

ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجهُ مسلم في آخر الكتاب، وأبو داود في الحروف، والنَّسائي في السير والتَّفسير.

(قَالَ) أي عطاء بن أبي رباح (قَرَأ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (السَّلام) بألف بعد اللام وهو موصولٌ بالإسناد السَّابق. وروى عبد بن حميد في «تفسيره» عن سليمان بن حرب عن حمّاد بن زيد عن يحيى بن عبيد عن محمد عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه كان يقرأ السَّلام بالألف، ثمَّ المراد به على اختلاف القراءات فيه الانقياد وهو علامة الإسلام؛ لأنَّ معنى الإسلام في اللُّغة الانقياد، ولا يلزم من أن يقول أنا مسلمٌ الحكم بإسلام من اقتصر على ذلك وإجراء أحكام المسلمين عليه بل لابدَّ من التَّلفُّظ بالشَّهادتين، والله تعالى أعلم.

[1] كذا في الأصل وفي العمدة والتوضيح إضم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت