4592 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الأويسي المدني، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن
ج 19 ص 318
عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف، التَّابعي، فإنَّه رأى عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، أنَّه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) الصَّحابي رضي الله عنه كذا قال صالح، وتابعه عبد الرَّحمن بن إسحاق عن ابن شهاب عند الطَّبري، وخالفهم معمر، فقال عن ابن شهابٍ عن قبيصة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت أخرجه أحمد.
(أنَّهُ رَأى مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ) أي ابن أبي العاص أمير المدينة الَّذي صار بعد ذلك خليفة (فِي الْمَسْجِدِ) قال (فَأقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأخْبَرَنَا) قال الكرماني وفيه رواية الصَّحابي عن التَّابعي؛ لأنَّ سهلًا صحابي ومروان تابعي. وقال التِّرمذي في هذا الحديث رواية رجلٍ من الصَّحابة، وهو سهلُ بن سعدٍ رضي الله عنه عن رجلٍ من التَّابعين وهو مروان بن الحكم، لم يسمع من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو من التَّابعين.
قال الحافظُ العسقلاني لا يلزم من عدم السَّماع عدم الصُّحبة، والأولى ما قال فيه البُخاري لم ير النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد ذكره ابنُ عبد البر في «الصحابة» لأنَّه وُلِد في عهد النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل عام أحد، وقيل عام الخندق، وثبت عن مروان أنَّه قال لما طلب الخلافة فذكروا له ابن عمر رضي الله عنهما فقال ليس ابن عمر بأفقه منِّي، ولكنه أسنُّ منِّي، وكانت له صحبةٌ، فهذا اعترافٌ منه بعدم صحبته، وإنَّما لم يسمع من النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإن كان سماعه منه ممكنًا؛ لأنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفى أباه إلى الطَّائف، ولم يرده إلَّا عثمان رضي الله عنه لما استُخلف، وقد تقدَّمت روايته عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كتاب «الشروط» [خ¦2731] مقرونةً بالمسور بن مخرمة، وتقدَّم التَّنبيه هناك أيضًا على أنَّها مرسلة، والله الموفق.
(أنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ) رضي الله عنه (أخْبَرَهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمْلَى عَلَيْهِ لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) بدون قوله تعالى {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} ، وفي رواية قَبيصة عن زيد بن ثابت رضي الله عنه كنتُ أكتب لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفي رواية خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه إنِّي لقاعدٌ إلى جنب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ أُوحي إليه، وغشيته السَّكينة، فوضع فخذه على فخذي، قال زيد والله ما وجدت شيئًا أثقل منها قط.
وفي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الذي في الباب بعد هذا [خ¦4594] لما نزلت قال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ادعوا فلانًا، فجاءه ومعه الدَّواة واللوح والكتف ) ). وفي الرِّواية الأخرى عنه في الباب أيضًا [خ¦4593] دعا زيدًا فكتبها، فيُجمع بينهما بأن المراد بقوله «لما نزلت» لما كادت أن تنزلَ لتصريح رواية خارجة بأن نزولها بحضرة زيد.
(فَجَاءَهُ) أي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) واسمه عبد الله، وقيل عمرو، وفي رواية قَبيصة عن زيد بن ثابت رضي الله عنه فجاء عبد الله ابن أم مكتوم، وفي رواية التِّرمذي من حديث البراء رضي الله عنه
ج 19 ص 319
جاء عمرو ابن أم مكتوم.
وقد نبَّه التِّرمذي على أنَّه يُقال له عبد الله وعمرو، واسم أبيه زائدة، وأمُّ مكتوم أمه واسمها عاتكة، وقد تقدَّم شيء من خبره في كتاب «الأذان» [خ¦617] .
(وَهْوَ) أي والحال أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يُمِلُّهَا) بضم أوله وكسر الميم وتشديد اللام، هو مثل يمليها، كما في قوله تعالى {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} [البقرة 282] . وقال ابنُ الأثير وفي حديث زيد أنَّه أملَّ عليه (( لا يستوي القاعدون من المؤمنين ) )، يُقال أَمْلَلَتُ عليه الكتاب وأَمْلَيْتُه إذا ألقيته على الكاتب ليكتبه، ولعل الياء منقلبةٌ من إحدى اللامين.
(عَلَيَّ، قَالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ بالفاء (يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ أسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ) أي لو استطعت، وعبَّر بالمضارع إشارةً إلى الاستمرار، واستحضارًا لصورة الحال (وَكَانَ أعْمَى) هذا تفسير ما في حديث البراء [خ¦4593] «فشكا ضرارته» ، وفي الرِّواية الأخرى [خ¦4594] عنه فقال «أنا ضريرٌ» ، وفي رواية خارجة فقام حين سمعها ابنُ أم مكتوم، وكان أعمى، فقال يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد ممن هو أعمى وأشباه ذلك؟ وفي رواية قبيصة فقال إنِّي أحبُّ الجهادَ في سبيل، ولكن بي من الزَّمانة ما ترى ذهب بصري.
(فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ) أي فثقلت فخذه عليَّ من ثقل الوحي (حَتَّى خِفْتُ أنْ تُرَضَّ) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد الضاد المعجمة، على البناء للمفعول من الرَّضِّ وهو الدَّقُّ؛ أي أن تُدقَّ (فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ) بضم المهملة وتشديد الراء؛ أي كُشف (عَنْهُ) وأزيل يُقال سَرَرْتُ الثَّوب وسَرَّيْته إذا خلعته، والتَّشديد فيه للمبالغة؛ أي أزيل عنه ما نزلَ به من برحاء الوحي.
(فَأنْزَلَ اللَّهُ {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} ) وهو العمى وأشباهه من الآفات المانعة من الجهاد. وفي رواية قَبيصة ثمَّ قال اكتب (( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضَّرر ) )، وزاد في رواية خارجة بن زيد قال زيد بن ثابت فوالله لكأنِّي أنظرُ إلى مُلْحَقها عند صَدْعٍ كان
ج 19 ص 320
في الكتف.
وقد سبق الحديث في «الجهاد» ، في باب «قول الله تعالى {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} » [النساء 95] [خ¦2832] .
ومطابقته للترجمة ظاهرة.