4602 - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال (حَدَّثَنَا أبِي) هو حفصُ بن غياث النَّخعي الكوفي، قال (حَدَّثَنَا الأعْمَشُ) سليمان بن مهران، قال (حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ) هو النَّخعي (عَنِ الأسْوَدِ) أي ابن يزيد النَّخعي، وهو خالُ إبراهيم، أنَّه (قَالَ كُنَّا فِي حَلْقَةِ) بسكون اللام (عَبْدِ اللَّهِ) هو ابنُ مسعود رضي الله عنه (فَجَاءَ حُذَيْفَةُ) أي ابن اليمان رضي الله عنه (حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ خَيْرٍ مِنْكُمْ) أي ابتلوا به، والخيريَّة باعتبار أنَّهم كانوا من طبقة الصَّحابة فهم خيرٌ من طبقة التَّابعين، لكنَّ الله تعالى ابتلاهم
ج 19 ص 338
فارتدُّوا ونافقوا فذهبت الخيريَّة عنهم، ومنهم من تاب فعادت إليه الخيريَّة، ومقصود حذيفة رضي الله عنه أنَّ جماعةً من المنافقين صلحوا واستقاموا، فكانوا خيرًا من أولئك التَّابعين لمكان الصُّحبة والصَّلاح، فكأنَّه حذَّر الذين خاطبهم، وأشار إليهم أن لا يغتروا، فإنَّ القلوب تتقلَّب، فحذَّرهم من أن يُنزعَ منهم الإيمان؛ لأنَّ الأعمالَ بالخواتيم.
(قَالَ الأسْوَدُ) أي ابن يزيد متعجَّبًا من كلام حذيفة رضي الله عنه (سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء 145] فَتَبَسَّمَ عَبْدُ اللَّهِ) أي ابن مسعود رضي الله عنه متعجِّبًا من حذيفة رضي الله عنه، وممَّا قام به من قول الحقِّ وما حذر منه (وَجَلَسَ حُذَيْفَةُ) رضي الله عنه.
(فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ) أي ابن مسعودٍ رضي الله عنه (فَتَفَرَّقَ أصْحَابُهُ، فَرَمَانِي) أي قال الأسود فرماني حذيفة رضي الله عنه (بِالْحَصَا) أي ليستدعيني (فَأتَيْتُهُ) ويُروى (فَقَالَ حُذَيْفَةُ) رضي الله عنه (عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ) أي من اقتصاره على الضَّحك (وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْتُ) أي والحال أنَّه قد عرف ما قلت لهم من الحقِّ (لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ ثُمَّ تَابُوا، فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) أي ثمَّ رجعوا عن النِّفاق فتاب الله عليهم.
ويُستفاد من حديث حذيفة رضي الله عنه أنَّ الكفر والإيمان والنِّفاق والإخلاص كلُّ ذلك بخلق الله تعالى كما هو مذهب أهل السُّنَّة، ويُستفاد منه أيضًا قبول توبة الزِّنديق وصحَّتها على ما عليه الجمهور. ومن هذا قال أبو حنيفة رحمه الله إذا أتيت بزنديقٍ فاستتبه فإن تاب قُبلت توبته، وكذلك قوله تعالى {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء 146] يدلُّ على صحَّة توبة الزِّنديق وقبولها، فإنَّها مستثناة من المنافقين.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه النَّسائي في التَّفسير أيضًا.