فهرس الكتاب

الصفحة 664 من 11127

399 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ) بتخفيف الجيم، الغُدَاني _ بضم الغين المعجمة وتخفيف المهملة وبالنون _، وقد تقدَّم في باب «وجوب الصلاة في الثياب [خ¦351] » .

(قَالَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق، وقد مرَّ في باب «من ترك بعض الاختيار» [خ¦126] (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، جدُّ إسرائيل.

(عَنِ الْبَرَاءِ) بتخفيف الراء (بْنِ عَازِبٍ) رضي الله عنه، وقد مرَّ في باب «الصلاة» من «الإيمان» [خ¦40] . ورجال هذا الإسناد مابين بصري وكوفي. وقد أخرج متنه المؤلف في باب «الصلاة» من «الإيمان» [خ¦40] ، و «التفسير» [خ¦4486] ، وفي «خبر الواحد» أيضًا [خ¦7252] .

وأخرجه مسلم في «الصلاة» ، وكذا الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

(قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى نَحْوَ) أي جهة (بَيْتِ الْمَقْدِسِ) أي بالمدينة، والمَقْدِس _ بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال _، ويجوز أيضًا _ بضم الميم وفتح القاف والدال المشددة _ (سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا) الشك من البراء، كذا وقع بالشك عند البخاري.

ورواه أبو عَوانة في (( صحيحه ) )من رواية أبي نُعيم، فقال ستة عشر، من غير شك، وكذا في رواية مسلم من رواية الأحوص، والنسائي من رواية زكريا بن أبي زائدة، ووقع في رواية أحمد والطبراني عن ابن عباس (( سبعة عشر ) ).

ونصَّ النَّووي على صحة (( ستة عشر ) )، والقاضي على صحة (( سبعة عشر ) )، وهو قول أبي إسحاق وابن المسيب ومالك بن أنس.

والجمع بينهما أنَّ من جزم بستة عشر أخذ من شهر القدوم وشهر التحويل شهرًا، وألغى الأيام الزائدة فيه، ومن جزم بسبعة عشر عدَّهما معًا، ومن شكَّ تردَّد فيهما؛ وذلك أنَّ قدوم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب في السنة الثانية على الصحيح [1] ، وبه جزم الجمهور.

وجاءت فيه روايات أخرى، ففي (( سنن ) )

ج 3 ص 161

أبي داود وابن ماجه (( ثمانية عشر شهرًا ) ). وحكى المحبُّ الطبري ثلاثة عشر شهرًا، ورواية أخرى سنتين، وأغرب منها تسعة أشهر، وعشرة أشهر، وهما شاذتان.

(وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ) وفي رواية (أَنْ يُوَجَّهَ) بضم أوله وفتح الجيم المشددة؛ أي يؤمر بالتوجه (إِلَى الْكَعْبَةِ) .

جاء بيان ذلك فيما أخرجه الطبري وغيره، من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (( لما هاجر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة، واليهود أكثر أهلها، يستقبلون بيت المقدس، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فنزلت {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ} الآية [البقرة 144] ) ).

ومن طريق مجاهد، قال (( إنَّما كان يحب أن يتحول إلى الكعبة؛ لأنَّ اليهود قالوا يخالفنا محمد، ويتبع قبلتنا ) ). فنزلت الآية.

وظاهر حديث ابن عباس هذا أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة، لكن أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يصلي بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه.

والجمع بينهما ممكن بأن يكون أُمِرَ لما هاجر أن يستمر على الصلاة لبيت المقدس.

وأخرج الطبري من طريق ابن جريج، قال أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس، وهو بمكة، فصلى ثلاث حجج، ثم هاجر، فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرًا، ثم وجهه الله إلى الكعبة.

(فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَ {قَدْ نَرَى [2] تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} ) تَرَدُّدَ وجهِك في جهة السماء مطلعًا للوحي، وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقع في روعه، ويتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة؛ لأنَّها قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام، وذلك يدل على كمال أدبه حيث انتظر، ولم يسأل.

(فَتَوَجَّهَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد نزول الآية؛ لأنَّ تمام الآية {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة 144] ، والمراد بالمسجد الحرام الكعبة زادها الله شرفًا وتعظيمًا.

(نَحْوَ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ، وَهُمُ الْيَهُودُ مَا) أي أيُّ شيء (وَلاَّهُمْ) أي صرفهم {عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} ؟ يعني بيت المقدس.

والقبلة في الأصل الحال التي عليها الإنسان من الاستقبال، فصارت عرفًا للمكان الذي يتوجه إليه للصلاة.

(قُلْ) يا محمد! صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 3 ص 162

{لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} لا يختص به مكان دون مكان بخاصية ذاتية، تمتنع إقامة غيره مقامه، وإنما العبرة بارتسام أمره، لا بخصوص المكان {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وهو ما ترتضيه الحكمة، وتقتضيه المصلحة من التوجه إلى بيت المقدس تارة، وإلى الكعبة أخرى.

(فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ) واسمه عباد بن بشر، قاله ابن بشكوال، وقال أبو عمر هو عباد بن نَهِيك _ بفتح النون وكسر الهاء _.

(ثُمَّ خَرَجَ) الرجل من المسجد النبوي أو غيره، أعني مسجد بني سلمة (بَعْدَ مَا صَلَّى) أي بعد صلاته، أو بعد الذي صلى، وفي رواية بالجمع، ؛ أي بعض أولئك الرجال بعد ما صلى.

(فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي صَلاَةِ الْعَصْرِ نَحْوَ) أي جهة (بَيْتِ الْمَقْدِسِ) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني .

ووقع في (( تفسير ابن أبي حاتم ) )من طريق نويلة بنت أسلم صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء، فصلينا سجدتين؛ أي ركعتين ثم جاءنا من يخبرنا أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد استقبل البيت الحرام.

وقد اختلفت الرواية في الصلاة التي تحولت القبلة عندها، وكذا في المسجد، فظاهر حديث البراء هذا أنَّها الظهر.

وذكر محمد بن سعد في (( الطبقات ) )قال يقال إنَّه صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثمَّ أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام، فاستدار إليه، ودار معه المسلمون.

ويقال زار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أم بشر بن البراء بن معرور، في بني سلمة، فصنعت لهم طعامًا، فحانت الظهر، فصلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابه ركعتين في مسجد بني سلمة، ثم أمر فاستدار إلى الكعبة، واستقبل الميزاب، وحول الرجالَ مكان النساء، والنساءَ مكان الرجالّ، فسمِّي مسجدَ القبلتين.

قال ابن سعد قال الواقدي هذا أثبت عندنا.

وأخرج ابن أبي داود بسند ضعيف، عن عمارة، قال كنا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في إحدى صلاتي العشاء، حين صُرفت القبلة فدار، ودرنا معه في ركعتين.

وأخرج البزار، من حديث أنس رضي الله عنه انصرف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن بيت المقدس، وهو يصلي الظهر بوجهه إلى الكعبة.

وللطبراني نحوه من وجه آخر، عن أنس، وفي كل منهما ضعف.

(فَقَالَ) أي ذلك الرجل (هُوَ يَشْهَدُ) أراد به نفسه، وعبَّر عنها بلفظ الغيبة على سبيل التجريد، أو على طريقة الالتفات، وهذا كما تقول العبد يحبك، ويشتاق إليك،

ج 3 ص 163

أو نقل كلامه بالمعنى، ويؤيده الرواية المتقدمة في باب الصلاة من الإيمان، بلفظ أشهد [خ¦40] .

(أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ فَتَحَرَّفَ الْقَوْمُ، حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَعْبَةِ) ثم إنَّه وقع هنا صلاة العصر، وجاء في روايةٍ عن ابن عمر، عند البخاري [خ¦4488] ومسلم والنسائي صلاة الصبح، والتوفيق بينهما أنَّ هذا الخبر وصل إلى قوم، كانوا يصلون في نفس المدينة صلاة العصر، ثم وصل إلى أهل قباء في صبح اليوم الثاني؛ لأنَّهم كانوا خارجين عن المدينة؛ لأنَّ قباء من جملة سوادها، وفي حكم رساتيقها، وقد اسُتقصي الكلام فيه في باب الصلاة من الإيمان [خ¦40] .

ومن فوائد هذا الحديث جواز نسخ الأحكام، وهو عند الجمهور، وطائفةٌ لا يقولون به، ولا يعبأ بهم. ومنها نسخ السنة بالقرآن، وهو أيضًا عند الجمهور، وللشافعية فيه قولان. ومنها جواز قبول خبر الواحد. ومنها وجوب الصلاة إلى القبلة، والإجماع على أنَّها الكعبة. ومنها جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين. ومنها أنَّ النسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه.

وأمَّا أنَّه نسخ بالمقطوع لا بالمظنون، وأنَّ استقبال بيت المقدس كان ثابتًا بالقرآن أو بالسنة، فقد سبق تحقيقه في باب الصلاة من الإيمان [خ¦40] ، مع مباحث أخرى.

[1] في هامش الأصل وقيل كان ذلك في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين، ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مسجد بني سلمة وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحول في الصلاة، واستقبل الميزاب وحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال، فسمي المسجد مسجد القبلتين. كشاف.

[2] في هامش الأصل {قَدْ نَرَىَ} ربما نرى ومعناه كثرة الرؤية كقوله قد أترك القرن مصفرًا أنامله، {تقَلُّبَ وَجْهِكَ} تردد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتوقعُ من ربه أن يُحوله إلى الكعبة؛ لأنَّها قبلة أبيه إبراهيم وأدعى للعرب إلى الإيمان؛ لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم، ولمخالفة اليهود، فكان يُراعي نزول جبريل والوَحي بالتحويل {فَلَنُوَليَنَّكَ} فلنُعطينك ولنُمَكِّننك {قِبْلَةً} أي من استقبالها، من قولك وَليته كذا إذا جعَلته واليًا له أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس {تَرضَاهَا} تحبّها وتميلُ إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمَرتها ووافقت مشيئة الله وحكمته {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسجدِ الحَرَامِ} نحوَه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت