فهرس الكتاب

الصفحة 6645 من 11127

4606 - (حَدَّثَنَي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة، العبدي البصري أبو بكر بُنْدار، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هو ابنُ مهدي، قال(حَدَّثَنَا

ج 19 ص 350

سُفْيَانُ)هو الثَّوري (عَنْ قَيْسٍ) هو ابنُ مسلم (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) أي ابن عبد شمس البجلي الأحمسي الكوفي، رأى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغزا في خلافة أبي بكرٍ رضي الله عنه، وكذا في خلافة عمر رضي الله عنه ثلاثًا وثلاثين أو ثلاثًا وأربعين غزوة، ومات سنة ثلاث وثمانين.

(قَالَتِ) أي أنَّه قال قالت (الْيَهُودُ) وفي رواية أبي العُمَيس عن قيس في كتاب «الإيمان» [خ¦45] أنَّ رجلًا من اليهود، وقد تقدَّم هناك تسميته وأنَّه كعب الأحبار، واحتمل أن يكون الرَّاوي حيث أفرد السَّائل أراد تعيينه، وحيث جمع أرادَ اعتبار من كان معه على رأيه، وأُطلقَ على كعبٍ هذه الصِّيغة تنبيهًا على أنَّ سؤاله عن ذلك وقع قبل إسلامه؛ لأنَّ إسلامه كان في خلافة عمر رضي الله عنه على المشهور أو أُطلقَ عليه ذلك باعتبار ما مضى.

(لِعُمَرَ) أي ابن الخطَّاب رضي الله عنه (إِنَّكُمْ) أي يا معشر المسلمين (تَقْرَؤونَ آيَةً، لَوْ نَزَلَتْ فِينَا) أي معشر اليهود (لاتَّخَذْنَاهَا عِيدًا) نسر به لكمال الدِّين وزاد في «الإيمان» [خ¦45] قال أيُّ آيةٍ؟ قال {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة 3] .

(فَقَالَ عُمَرُ إِنِّي لأَعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ، وَأيْنَ أُنْزِلَتْ) قال في «المغني» وحيث للمكان اتِّفاقًا، وقال الأخفش وقد ترد للزمان، وهنا للمكان خاصَّةً، وأين للزمان فلا تكرار.

وقال في «الصحاح» إذا قلت أين زيد؟ فإنَّما تسأل عن مكانه، فحينئذٍ يكون حيث هنا للزَّمان، وأين للمكان فلا تكرار أيضًا، والغالب كون «حيث» في محل نصب على الظرفية، أو خفض بمن، ويلزمها الإضافة إلى الجملة اسميَّة كانت أو فعليَّة، وإلى الفعليَّة أكثر. وفي رواية عبد الرَّحمن بن مهدي «حيث أنزلت وأيُّ يومٍ أنزلت» . وقال الكرماني يُروى «حين أنزلت وأين أنزلت» . وتعقَّبه العيني بأنَّه حينئذٍ يلزم التكرار، وفيه نظرٌ فإنَّ عبارة الكرماني هكذا، وفي بعضها حيث أنزلت، والأوَّل أولى لئلا يتكرَّر المكان انتهى، فافهم.

(وَأيْنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أُنْزِلَتْ) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذرٍّ ،

ج 19 ص 351

وفي رواية أحمد وأين رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين أنزلت أنزلت يوم عرفة بتكرار أنزلت؛ أي أنزلت (يَوْمَ عَرَفَةَ) وهي أوضحُ، فيكون «يوم» منصوبًا على الظرفية بأنزلت المذكور على هذه الرِّواية، وبأنزلت المقدَّر على رواية البُخاري، ويُروى بالرفع؛ أي يوم النُّزول يوم عرفة، فافهم.

(وَإِنَّا) بكسر الهمزة وتشديد النون (وَاللَّهِ بِعَرَفَةَ) إشارةٌ إلى المكان إذ عرفة تطلقُ على عرفات، وكذا هو في رواية الجميع، وعند أحمد ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واقفٌ بعرفة، وكذا في رواية مسلم، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق محمد بن بشَّار شيخ البُخاري (قَالَ سُفْيَانُ) هو الثَّوري بالإسناد السَّابق (وَأَشُكُّ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أمْ لَا) وقد تقدم في «الإيمان» [خ¦45] من وجهٍ آخر عن قيس بن مسلم الجزم بأنَّ ذلك كان يوم الجمعة، وسيأتي الجزم بذلك من رواية مِسْعر عن قيس في كتاب «الاعتصام» [خ¦7268] .

( {الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ) وهذا الحديث قد مرَّ في كتاب «الإيمان» [خ¦45] ، وقد تقدَّم فيه بيان مطابقة جواب عمر رضي الله عنه للسُّؤال؛ لأنَّه سُئِل عن اتِّخاذه عيدًا فأجاب بنزولها بعرفة يوم جمعة. ومحصِّله أنَّ في بعض الرِّوايات «وكلاهما بحمد الله لنا عيد» .

وقال الكرماني أجاب بأنَّ النُّزول كان يوم عرفة، ومن المشهور أنَّ اليوم الَّذي بعدُّ عرفة هو عيد للمسلمين، فكأنَّه قال جعلناه عيدًا بعد إدراكنا استحقاق ذلك اليوم التَّعيُّد [1] فيه، قال وإنَّما لم يجعله يوم النزول؛ لأنَّه كان بعد العصر، ولا يتحقق العيد إلَّا من أوَّل النَّهار، ولهذا قال الفقهاء رؤية الهلال نهارًا يكون لليلة المستقبلة، انتهى.

وقال الحافظُ العسقلاني والتَّنصيص على أنَّ تسمية يوم عرفة يوم عيدٍ مغن عن هذا التَّكلُّف، فإنَّ العيد مشتقٌّ من العَوْد قيل له ذلك؛ لأنَّه يعود في كلِّ عامٍ. وقد نقل الكرماني عن الزَّمخشري أنَّ العيد هو السُّرور العائد، وأقرَّ ذلك، فالمعنى إنَّ كلَّ يومٍ شُرع تعظيمه يُسمَّى عيدًا، انتهى.

ويُمكن أن يُقال هو عيدٌ لبعض النَّاس دون بعض، وهو للحجاج خاصَّةً، ولهذا يُكره لهم صومه بخلاف غيرهم فيستحبُّ، ويوم العيد لا يصام.

وقد تقدَّم في شرح هذا الحديث في كتاب «الإيمان» [خ¦45] بيان من

ج 19 ص 352

روى في حديث الباب أنَّ الآية نزلت يوم عيدين، وأنَّه عند التِّرمذي من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنها، وأمَّا تعليله لترك جعله عيدًا بأنَّ نزول الآية كان بعد العصر، فلا يمنع أن يتَّخذ عيدًا أو يُعَظّم ذلك اليوم من أوَّله لوقوع موجب التَّعظيم في أثنائه، والتَّنظير الَّذي نظر به ليس بمستقيمٍ؛ لأنَّ مرجع ذلك من جهة سير الهلال والعجب خفاء ذلك عليه، والله تعالى أعلم.

وفي الحديث بيان ضعف ما أخرجه الطَّبري بسندٍ فيه ابن لهيعة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ هذه الآية نزلت يوم الاثنين، وضَعَّف ما أخرجه من طريق العوفي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ اليوم المذكور ليس بمعلومٍ.

واستدلَّ بهذا الحديث على مزية الوقوف بعرفة يوم الجمعة على غيره من الأيَّام؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما يختار لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأفضل، ولأنَّ الأعمال تشرف بشرف الأزمنة كالأمكنة، ويوم الجمعة أفضل أيَّام الأسبوع، وقد ثبت في «صحيح مسلمٍ» عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( خير يومٍ طلعت فيه الشَّمس يوم الجمعة ) )الحديث ولأنَّ في يوم الجمعة السَّاعة المستجاب فيها الدُّعاء، ولاسيما على قول من قال إنَّها بعد العصر. وأمَّا ما ذكره رزين في «جامعه» مرفوعًا (( خير يومٍ طلعت فيه الشَّمس يوم عرفة. .. [2] يوم جمعة، وهذا أفضل من سبعين حجَّةً في غيرها ) )فهو حديثٌ لا يعرف حاله.

قال الحافظُ العسقلاني لأنَّه لم يذكر صحابيه ولا من خرجه، بل أدرجه في حديث «الموطأ» الَّذي ذكره مرسلًا عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، وليست الزِّيادة المذكورة في شيءٍ من «الموطآت» ، فإن كان له أصلٌ احتمل أن يُراد بالسَّبعين التَّحديد أو المبالغة، وعلى كلٍّ منهما يثبت المزية بذلك، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.

[1] في الكرماني (للتعييد) وفي الفتح (التعبد)

[2] بياض في الأصل وفي الفتح (وافق) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت