4610 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني، قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصَارِيُّ) أحدُ شيوخ البُخاري، روى عنه هنا بواسطة، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) هو عبد الله بن عون بن أرطبان المزني البصري، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَلْمَانُ) بفتح السين وسكون اللام مكبَّرًا، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بضم السين مصغَّرًا، والصَّواب هو الأوَّل، كما ذكره ابن طاهر وعبد الغني المقدسي (أبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أبِي قِلابَةَ) بكسر القاف،
ج 19 ص 364
عبد الله بن زيد.
(عَنْ أبِي قِلابَةَ) الجرمي البصري (أنَّهُ كَانَ جَالِسًا خَلْفَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) وكان قد أبرز سريره للنَّاس ثمَّ أذن لهم فدخلوا، وفي الرِّواية المتقدمة في «المغازي» [خ¦4193] خلف سريره (فَذَكَرُوا) أي القَسَامة (وَذَكَرُوا) له شأنها، وقد بيَّن البُخاري هذا في كتاب «الدِّيات» [خ¦6899] وهو أنَّ عمر بن عبد العزيز أبرز سريره للنَّاس يومًا ثمَّ أذن لهم فدخلوا فقال لهم ما تقولون في القَسَامة؟ قالوا نقول في القسامة القود بها حقٌّ، وهذا معنى قوله (فَقَالُوا) أي نقول فيها القود (وَقَالُوا قَدْ أقَادَتْ بِهَا الْخُلَفَاءُ) يُقال أقاد القاتل بالقتيل إذا قتله به، وفي الرِّواية المتقدمة في «المغازي» [خ¦4193] أنَّ عمر بن عبد العزيز استشار النَّاس يومًا فقال ما تقولون في هذه القَسَامة؟ فقالوا حقٌّ قضى بها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقضت بها الخلفاء قبلك.
(فَالْتَفَتَ) أي عمر بن عبد العزيز (إِلَى أبِي قِلابَةَ، وَهْوَ خَلْفَ ظَهْرِهِ) أي والحال أنَّه خلف ظهره (فَقَالَ) أي عمر بن عبد العزيز (مَا تَقُولُ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ) وهو المكنَّى بأبي قلابة (أوْ) شكٌّ من الرَّاوي (مَا تَقُولُ يَا أبَا قِلابَةَ) سمَّاه باسمه أو بكنيته، وزاد في «الدِّيات» [خ¦6899] من طريق الحجَّاج بن أبي عثمان عن أبي رجاء فقال لي ما تقول يا أبا قِلابة؟ ونصبني للنَّاس، فقلتُ يا أمير المؤمنين عندك رؤوس الأجناد وأشراف العرب، أرأيت لو أنَّ خمسين رجلًا منهم شهدوا على رجلٍ مُحْصَنٍ بدمشق أنَّه قد زنى ولم يروه أكنت ترجمه؟ قال لا، قلت أرأيت لو أنَّ خمسين منهم شهدوا على رجلٍ بحمص أنَّه قد سرق أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال لا.
(قُلْتُ) القائل أبو قلابة زاد في «الديات» أيضًا قوله والله (مَا عَلِمْتُ نَفْسًا حَلَّ قَتْلُهَا فِي الإِسْلامِ، إِلا رَجُلًا) ويُروى بالرفع (زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ، أوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، أوْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وقد سقطت التَّصلية في رواية أبي ذرٍّ، وزاد في «الديات» [خ¦6899] (( وارتد عن الإسلام ) ) (فَقَالَ عَنْبَسَةُ) بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الموحدة والسين المهملة، هو ابنُ سعيد بن العاص بن أميَّة
ج 19 ص 365
أبو خالدٍ القرشي الأموي أخو يحيى وعَمرو الأشدق، سمع أبا هريرة رضي الله عنه، روى عنه، الزُّهري في «غزوة خيبر» عند البُخاري [خ¦4238] وسمع أنسًا في «الحدود» [الديات 6899] روى عنه أبو قِلابة حديث العرنيين عند مسلم.
(حَدَّثَنَا أنَسٌ) أي ابن مالك رضي الله عنه (بِكَذَا وَكَذَا) يعني بقصَّة القسامة، وحديث العرنيين، وفي «الدِّيات» [خ¦6899] (( أوليس قد حدث أنس بن مالك أنَّ نفرًا من عكل ) )الحديث.
(قُلْتُ) وفي رواية أبي ذرٍّ ، والقائل هو أبو قلابة (إِيَّايَ حَدَّثَ أنَسٌ) رضي الله عنه، وفي «الدِّيات» [خ¦6899] فقلت أنا أحدثكم بحديث أنس حدَّثني أنسٌ أنَّ نفرًا من عُكْل ثمانيةٌ قدموا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبايعوه على الإسلام فاستوخموا الأرض. الحديث.
(قَالَ) أي أنس رضي الله عنه (قَدِمَ قَوْمٌ) أي من عُكْل أو عُرَينة، وقد مرَّ آنفًا أنَّهم كانوا ثمانية، وكان ذلك سنة ستٍّ (عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمُوهُ) أُريد به المبايعة على الإسلام كما صرَّح به في الرِّواية المذكورة الآن (فَقَالُوا قَدِ اسْتَوْخَمْنَا هَذِهِ الأرْضَ) أي استثقلنا المدينة ولم يوافق هواؤها أبداننا وكانوا قد سقموا، يُقال استوخمت البلد إذا لم يوافق بدنك، وأصله من الوخمِ وهو ثقالة الطَّعام في المعدة، يُقال وخم الطَّعام إذا ثقل فلم يُستمرأ فهو وخيم.
قال ابن الأثير في حديث العُرنيين فاستوخموا المدينة؛ أي استثقلوها ولم يوافق هواؤها أبدانهم.
(فَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هَذِهِ نَعَمٌ) أي إبل (لَنَا تَخْرُجُ) في محل النصب على الحال (فَاخْرُجُوا فِيهَا) فإن قيل قد قال في رواية أخرى أخرجوا إلى إبل الصَّدقة.
فالجواب أنَّه إنَّما قال ذلك تجوُّزًا باعتبار أنَّه كان حاكمًا عليها أو كانت له نَعَمٌ ترعى مع إبل الصَّدقة، ويؤيِّد ذلك قوله «تخرج» وكان نعمه في ذلك الوقت بالمدينة، وكان يريد إرسالها إلى الموضع الَّذي ترعى فيه إبل الصَّدقة فخرجوا صحبة النَّعم.
(فَاشْرَبُوا) ويُروى بالواو (مِنْ ألْبَانِهَا وَأبْوَالِهَا) للتَّداوي فليس فيه دليلٌ على الإباحة في غير حال الضَّرورة، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما فيما رواه ابن المنذر أنَّ في أبوال الإبل شفاءٌ للذربة بطونهم، والذَّرب فساد
ج 19 ص 366
المعدة، فلا دلالة فيه على الطَّهارة (فَخَرَجُوا فِيهَا، فَشَرِبُوا مِنْ أبْوَالِهَا وَألْبَانِهَا، وَاسْتَصَحُّوا) بفتح الصاد المهملة وتشديد الحاء المهملة؛ أي حصلت لهم الصِّحَّة من ذلك الداء، والسين فيه للصَّيرورة (وَمَالُوا عَلَى الرَّاعِي) يسار (فَقَتَلُوهُ، وَاطَّرَدُوا النَّعَمَ) بتشديد الطاء، من طرد فنقل إلى باب الافتعال وأدغم؛ أي ساقوها سوقًا شديدًا (فَمَا يُسْتَبْطَأُ مِنْ هَؤُلاءِ) على البناء للمفعول من الاستبطاء من البطء، الَّذي هو نقيض السرعة، وكلمة «ما» استفهامية؛ أي فأيُّ شيءٍ يستبطأ من هؤلاء العكليين، وفيه معنى التَّعجب أيضًا.
وفي كتاب «الدِّيات» في هذا الحديث [خ¦6899] وأيُّ شيءٍ أشدُّ ممَّا صنع هؤلاء ارتدُّوا عن الإسلام وقتلوا وسرقوا. وفي رواية بالقاف بدل الطاء ومعناه ما يترك من هؤلاء، وهو استفهام أيضًا، وفيه أيضًا معنى التَّعجب، وأصله من استبقيت شيئًا؛ أي تركت بعضًا.
(قَتَلُوا النَّفْسَ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وفي رواية حُميد عن أنس رضي الله عنه (( وهربوا محاربين ) ) (وَخَوَّفُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ) أي عَنْبسة متعجِّبًا من قول أبي قِلابة (سُبْحَانَ اللَّهِ) قال أبو قِلابة (فَقُلْتُ) لعنبسة (تَتَّهِمُنِي) أي فيما رويته من حديث أنسٍ رضي الله عنه، ويوضح هذا ما جاء في كتاب «الديات» [خ¦6899] ، فقال عنبسة بن سعيد يعني عند رواية أبي قلابة الحديث والله إنْ سمعتُ كاليوم قط! فقلت أتردُّ عليَّ حديثي يا عنبسة؟ (قَالَ) لا ولكن جئت بالحديث على وجهه، كذا في «الدِّيات» [خ¦6899] (حَدَّثَنَا بِهَذَا أنَسٌ. قَالَ) أي أبو قِلابة كذا قيل، والأظهر أنَّ قائله هو الرَّاوي كذا قيل، والأظهر هو الأول كما لا يخفى.
(وَقَالَ) أي عنبسة (يَا أهْلَ كَذَا) أي يا أهل الشَّام؛ لأنَّ وقوع ذلك كان بها، وفي الرِّواية الآيتة في «الدِّيات» يا أهل الشَّام، كذا قال الحافظُ العسقلاني، وتعقَّبه القسطلاني بأن قال لم أراه، فلعلَّه سهوٌ (إِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا أَبْقَى اللَّهُ) بفتح الهمزة والقاف مبنيًا للفاعل (هَذَا) أي أبا قلابة (فِيكُمْ، أَوْ مِثْلُ هَذَا) شكٌّ من الراوي، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي ، برفع مثل
ج 19 ص 367
وضم همزة أُبقِي على البناء للمفعول، وفي رواية الكُشميهني ، وفي نسخة بإسقاط الهمزة، وفي «الديات» [خ¦6899] (( والله لا يزال هذا الجند بخير ما عاش هذا الشيخ بين أظهرهم ) ).
وقد مرَّ هذا الحديث في «الطهارة» في «أبوال الإبل» [خ¦233] ، وفي «المغازي» [خ¦4192] .
ومطابقته للترجمة تُؤخذ من معناه.