4620 - (حَدَّثَنَا أبُو النُّعْمَانِ) هو محمد بن الفضل السَّدوسي، ولقبه عارم، قال (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي ابن درهمٍ الجهضمي، قال (حَدَّثَنَا ثَابِتٌ) هو ابنُ أسلم البُناني (عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّ الْخَمْرَ الَّتِي أُهْرِيقَتِ) بضم الهمزة وسكون الهاء على البناء للمفعول، وفي رواية أبي ذرٍّ بضم الهاء من غير همزة (الْفَضِيخُ) بالضاد والخاء المعجمتين مرفوع خبر إن، وهو المتَّخذ من البُسْر كما مر قريبًا [خ¦4617] .
قال المصنِّف رحمه الله (وَزَادَنِي مُحَمَّدٌ الْبِيْكَنْدِيُّ، عَنْ أبِي النُّعْمَانِ) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وسقط في رواية غيره ، ومراده أنَّ البيكندي سمعه من شيخه أبي النُّعمان بالإسناد المذكور فزاد فيه زيادة، والحاصل أنَّ البُخاري سمع الحديث من أبي النُّعمان مختصرًا، ومن محمَّد بن سلام البيكندي عن أبي النُّعمان مطولًا، وتصرَّف الزَّركشي فيه غافلًا عن زيادة أبي ذرٍّ فقال القائل وزادني هو الفربري، ومحمد هو البُخاري.
وليس كما ظنَّ رحمه الله، ولم يقف الكرمانيُّ أيضًا على هذا فقال (محمَّد) قال الغسَّاني هو محمد بن يحيى الذُّهلي فوهِم.
(قَالَ) أي أنسٌ رضي الله عنه (كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أبِي طَلْحَةَ) الأنصاري رضي الله عنه (فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، فَأمَرَ) أي النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مُنَادِيًا) قال الحافظُ العسقلاني لم أر التَّصريح باسمه (فَنَادَى) بتحريمها، قال الحافظُ العسقلاني والوقت الَّذي وقع فيه ذلك زعم الواحدي أنَّه عقب قول حمزة رضي الله عنه إنَّما أنتم عبيد لأبي.
وحديث جابرٍ رضي الله عنه يردُّ عليه، والَّذي يظهر أنَّ تحريمها كان عام الفتح سنة ثمانٍ؛ لما روى أحمد من طريق عبد الرَّحمن بن وَعْلَة قال سألت ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن بيع الخمر فقال كان لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 19 ص 383
صديقٌ من ثقيفٍ أو دوس، فلقيه يوم الفتح براوية خمرٍ يُهديها إليه، فقال (( يا فلان أما علمت أنَّ الله حرَّمها ) )فأقبل الرَّجل على غلامه، فقال بعها، فقال (( إنَّ الَّذي حرَّم شربها حرَّم بيعها ) ).
وأخرجه مسلمٌ من وجهٍ آخر عن ابن وعلة نحوه، لكن ليس فيه تعيين الوقت، وروى أحمد من طريق نافع بن كَيسان الثَّقفي عن أبيه أنَّه كان يتَّجر في الخمر، وأنَّه أقبل من الشَّام، فقال يا رسول الله إنِّي جئتك بشرابٍ جيِّدٍ فقال يا كَيسان إنَّها حُرِّمت بعدك، قال فأبيعها؟ قال (( إنَّها قد حُرِّمت وحُرِّم ثمنها ) ). وروى أحمد وأبو يعلى من حديث تميم الدَّاري أنَّه كان يُهدي لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلَّ عامٍ راوية خمرٍ، فلمَّا كان عام حُرِّمت جاء براوية فقال (( أشعرت أنَّها قد حُرِّمت بعدك؟ قال أفلا أبيعها وأنتفع بثمنها؟ فنهاه ) ).
ويُستفاد من حديث كيسان تسمية المبهم في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ومن حديث تميم تأييد الوقت المذكور فإنَّ إسلام تميم كان بعد الفتح.
(فَقَالَ أبُو طَلْحَةَ) أي لأنسٍ رضي الله عنه (اخْرُجْ فَانْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ؟ قَالَ) أي أنس رضي الله عنه (فَخَرَجْتُ) أي فسمعت ثمَّ عدت إلى أبي طلحة (فَقُلْتُ) أي له (هَذَا مُنَادٍ يُنَادِي ألا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ) أي حرَّمها الله على لسان رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَقَالَ لِي اذْهَبْ فَأَهْرِقْهَا) بهمزة مفتوحة فهاء ساكنة مجزوم على الأمر.
وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بفتح الهاء من غير همز، وفي رواية أبي ذرٍّ أيضًا عن الكشميهني بهمزة مفتوحة فراء مكسورة (قَالَ) أي أنسٌ رضي الله عنه (فَجَرَتْ) أي فأرقتها فجرت؛ أي سالت (فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ) أي طرقها (قَالَ) أي أنسٌ رضي الله عنه (وَكَانَتْ خَمْرُهُمْ يومئذ الْفَضِيخَ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ) قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على اسم القائل
ج 19 ص 384
(قُتِلَ قَوْمٌ وَهْيَ فِي بُطُونِهِمْ) وفي رواية الإسماعيلي عن ابن ناجية عن أحمد بن عبدة، ومحمد بن موسى عن حمَّاد في آخر هذا الحديث قال حماد فلا أدري هذا في الحديث؛ أي عن أنسٍ أو قاله ثابت؛ أي مرسلًا يعني قوله فقال بعض القوم إلى آخر الحديث، وكذا عند مسلمٍ عن أبي الرَّبيع الزَّهراني عن حمَّادٍ نحو هذا.
وقد تقدَّم عند المصنِّف في «المظالم» [خ¦2464] من طريق عفَّان عن حمّاد كما وقع عنده في هذا الباب، وأخرجه ابن مردويه من طريق قَتَادة عن أنسٍ رضي الله عنه بطوله، وفيه الزِّيادة المذكورة.
وروى النَّسائي والبيهقي من طريق ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال نزل تحريم الخمر في ناسٍ شربوا، فلمَّا ثملوا عبثوا، فلمَّا صحوا جعل بعضهم يرى الأثر بوجه الآخر، فنزلت، فقال ناسٌ من المتكلِّفين هي رجسٌ، وهي في بطن فلانٍ، وقد قُتل بأحد، فنزلت {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا} إلى آخرها.
وروى البزَّار من حديث جابرٍ رضي الله عنه أنَّ الَّذين قالوا ذلك كانوا من اليهود. وروى أصحاب السُّنن من طريق أبي ميسرة عن عمر رضي الله عنه أنَّه قال اللهمَّ بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت [الآية التي في البقرة، (قل فيهما إثم كبير) فقرئت عليه، فقال اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شاميًا فنزلت] التي في النِّساء {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء 43] فقرئت عليه، فقال اللَّهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيا، فنزلت الَّتي في المائدة {فَاجْتَنِبُوهُ} إلى قوله {مُنْتَهُونَ} [المائدة 91] فقال عمر رضي الله عنه انتهينا انتهينا.
وصحَّحه عليُّ بن المديني والتِّرمذي.
وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه نحوه دون قصَّة عمر رضي الله عنه، لكن قال عند نزول آية البقرة فقال النَّاس ما حُرِّم علينا وكانوا يشربون حتَّى أمَّ رجلٌ أصحابه في المغرب فخلط في قراءته فنزلت الآية التي في النِّساء، فكانوا يشربون ولا يقرب الرَّجل الصَّلاة حتَّى يفيق، ثمَّ نزلت آية المائدة فقالوا يا رسول الله ناسٌ قُتلوا في سبيل الله وماتوا على فرشهم وكانوا يشربونها، فأنزل الله تعالى {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ} [النساء 93] الآية، فقال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 19 ص 385
(( لو حُرِّم عليهم لتركوه كما تركتموه ) ).
وفي «مسند الطيالسي» من حديث ابن عمر رضي الله عنهما نحوه، وقال في الآية الأولى قيل حُرِّمت الخمر فقالوا دعنا يا رسول الله ننتفع بها، وفي الثَّانية قيل حُرِّمت الخمر فقالوا إنَّا لا نشربها قُرْب الصَّلاة، وقال في الثَّالثة فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( حُرِّمت الخمر ) ).
قال ابن التِّين وغيره في حديث أنسٍ رضي الله عنه وجوب قبول [خبر] الواحد والعمل به في النَّسخ وغيره، وفيه عدم مشروعيَّة تخليل الخمر؛ لأنَّه لو جاز لما أراقوها، وفيه نظرٌ كما سبق [خ¦4617] ، ثمَّ في رواية عبد العزيز بن صهيب أنَّ رجلًا أخبرهم أنَّ الخمر حُرِّمت فقال أرق يا أنس.
وفي رواية ثابتٍ عن أنسٍ رضي الله عنه [خ¦4620] أنَّهم سمعوا المنادي فقال أبو طلحة اخرجْ يا أنس انظر ما هذا الصَّوت، وظاهرهما التَّعارض؛ لأنَّ الأول يُشعر بأنَّ المنادي بذلك شافههم، والثَّاني يُشعر بأنَّ الَّذي نقل لهم ذلك غير أنسٍ. فنقل ابن التِّين عن الدَّاودي أنَّه قال لا اختلاف بين الرِّوايتين؛ لأنَّ الآتي أخبر القوم مشافهةً بذلك، ويمكن الجمع بوجهٍ آخر وهو أنَّ المنادى غير الَّذي أخبرهم، أو أنَّ أنسًا لمَّا أخبرهم عن المنادي جاء المنادي أيضًا في أثره فشافههم.
(قَالَ فَأنْزَلَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ ( {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة 93] ) والمعنى والله تعالى أعلم بيان أنَّه لا جناح عليهم فيما طعموه إذا ما اتَّقوا المحارم، والحكم عامٌّ وإن اختصَّ السَّبب، فالجناح مرتفعٌ عن كلِّ من يطعم شيئًا من المستلذَّات إذا ما اتَّقى الله فيما حرَّم عليه منها ودام على الإيمان أو ازداد إيمانًا عند من يقول به.
وفي «فتوح الغيب» والمعنى ليس المطلوب من المؤمنين الزهادة عن المستلذَّات وتحريم الطَّيِّبات، وإنَّما المطلوب منهم التَّرقِّي في مدارج التَّقوى والإيمان إلى مراتب الإخلاص ومعارج القدس والكمال وذلك بأن يثبتوا على الاتِّقاء عن الشِّرك، وعلى الإيمان بما يجبُ الإيمان به، وعلى الأعمال الصَّالحة لتحصل الاستقامة التَّامَّة فيتمكَّن بالاستقامة من التَّرقِّي إلى مرتبة المشاهدة ومعارج أن تعبدَ الله كأنَّك تراه، وهو المعنى بقوله
ج 19 ص 386
(( وأحسنوا ) )وبها يمنح الزُّلفى عند الله ويحققه أنّ {اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة 195] .
وقيل التَّفسير باتِّقاء الشِّرك لا يلائم صيغة الكلام، وقوله {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي باشروا الأعمال الصَّالحة واتَّقوا الخمر والميسر بعد تحريمهما، أو داوموا على التَّقوى والإيمان، ثمَّ اتقوا سائر المحارم، أو ثبتوا على التَّقوى وأحسنوا أعمالهم، أو أحسنوا إلى النَّاس بالمواساة معهم، والإنفاق عليهم من الطَّيِّبات.
وقيل التَّقوى عن الكفر والكبائر والصَّغائر، وأضعف ما قيل فيه أنَّه للتَّكرار والتَّأكيد.
وقال القاضي ويحتمل أن يكون هذا التِّكرار باعتبار الأوقات الثَّلاثة، أو باعتبار الحالات الثلاث [استعمال الإنسان التقوى] القسطلاني والإيمان بينه وبين نفسه، وبينه وبين النَّاس، وبينه وبين الله، ولذلك بدَّل الإيمان بالإحسان في الكرَّة الثَّالثة إشارةً إلى ما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تفسيره، أو باعتبار المراتب الثلاث المبدأ والوسط والمنتهى، أو باعتبار ما يتَّقي، فإنَّه ينبغي أن يترك المحرَّمات توقِّيًا من العذاب والشُّهبات تحرُّزًا عن الوقوع في الحرامِ وبعض المباحات تحفُّظًا للنَّفس عن الخسَّة وتهذيبًا لها عن دنس الطَّبيعة، انتهى.
وختم الكلام يُشعر بأنَّ من فعل ذلك من المحسنين، وأنَّه يستجلبُ المحبَّة الإلهيَّة، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد مضى الحديث في «المظالم» ، في باب «صب الخمر في الطريق» [خ¦2464] .