4625 - (حَدَّثَنَا أبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسي، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج قال (أخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ) النَّخعي الكوفي (قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ) الأسدي مولاهم الكوفي (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا أيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ) أي مجموعون يوم القيامة (إِلَى اللَّهِ) تعالى، حال كونكم (حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا) بضم الغين المعجمة وسكون الراء، جمع أغرل، وهو الَّذي لم يُختن بمعنى الأقلف، والغرلة القلفة التي تُقطع من ذكر الصَّبي.
قال ابن عبد البر يُحشر الآدمي عاريًا ولكلٍّ من الأعضاء ما كان له يوم ولد فمن قُطعَ له شيءٌ يرد حتَّى الأقلف. وقال أبو الوفاء بن عقيل حشفة الأقلف موقاةٌ بالقلفة، فلمَّا أزالوها في الدُّنيا أعادها الله في الآخرة ليذيقها من حلاوة فضله.
وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله (ثُمَّ قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني ( {كَمَا بَدَأْنَا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} إِلَى آخِرِ الآيَةِ [الأنبياء 104] ) .
وفي «شرح المشكاة» فإن قيل سياق الآية في إثبات الحشر والنَّشر؛ لأنَّ المعنى نوجدكم عن العدم كما أوجدناكم أولًا عن العدم، فكيف يُستشهد بها للمعنى المذكور؟
أُجيب بأنَّ سياق الآية دلَّ على إثبات الحشر، وإشارتها على المعنى المراد من الحديث فهو من باب الإدماج.
(ثُمَّ قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَلا) بفتح الهمزة والتخفيف للاستفتاح (وَإِنَّ أوَّلَ الْخَلائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ) الخليل عليه الصَّلاة والسَّلام؛ لأنَّه أوَّل من عُري في ذات الله تعالى حين أرادوا إلقاءه في النَّار، ولا يلزم من أوَّليته لذلك تفضيله على سيِّدنا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 19 ص 402
لأنَّا نقول إذا استأثر الله عبدًا بفضيلةٍ على آخر، واستأثر المستأثر عليه على المستأثر بتلك الفضيلة بغيرها أفضل منها كانت الفضيلة له، فحلَّة نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي يُكساها بعد الخليل عليه السَّلام حلَّةٌ خضراء، وهي حلَّة الكرامة بقرينة إجلاسه عند ساق العرش فهي أعلى وأكمل فينجبر بنفاستها على ما فات من الأوليَّة، ولا خفاء أنَّ منصب الشَّفاعة حيث لا يؤذن لأحدٍ غير نبيِّنا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه لم يبقَ سابقة لأولي السَّابقة، ولا فضيلةَ لذوي الفضائل، وكم له من فضائل مختصَّة به لم يسبق إليها ولم يشارك فيها.
(أَلا) بالتخفيف أيضًا (وَإِنَّهُ يُجَاءُ) بضم الياء وفتح الجيم (بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) أي جهة النَّار (فَأقُولُ يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي) بضم الهمزة وفتح المهملة، مصغَّر أصحاب، والتصغير يدلُّ على التقليل، والمراد أنَّهم تأخَّروا عن بعض الحقوق وقصَّروا فيها، أو من ارتدَّ من جفاة الأعراب، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بالتكبير (فَيُقَالُ إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ) هو عيسى ابن مريم عليهما السَّلام ( {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} [المائدة 117] ) وزاد أبو ذرٍّ < {وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} >، وهذا موضع التَّرجمة على ما لا يخفى.
(فَيُقَالُ) ويُروى (إِنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أعْقَابِهِمْ مُنْذُ) بالنون، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بدون النون (فَارَقْتَهُمْ) قال الخطابي لم يرد به خواص أصحابه الذين لزموه وعرفوا بصحبته فقد صانهم الله، وعصمَهم من التَّبديل والارتداد عن الدِّين إذ لم يرتدَّ أحدٌ من الصَّحابة، وأمَّا الَّذي وقع من التَّأخُّر عن بعض الحقوق، فإنَّما وقع من بعض جفاة الأعراب، وإنَّما ارتدَّ قومٌ من جفاة الأعراب من المؤلَّفة قلوبهم ممَّن لا بصيرة له في الدِّين أيضًا، وذلك لا يوجبُ قدحًا في الصَّحابة المشهورين رضي الله عنهم أجمعين.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد مضى في «مناقب إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام» [خ¦3349] وسيأتي في «الرقاق» أيضًا إن شاء الله تعالى [خ¦6524] .