فهرس الكتاب

الصفحة 6679 من 11127

4628 - (حَدَّثَنَا أبُو النُّعْمَانِ) بضم النون، محمد بن الفضل الملقَّب بعارم، قال (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي ابن درهم الجهضمي (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} [الأنعام 65] . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعُوذُ بِوَجْهِكَ) زاد الإسماعيلي من طريق حمَّاد بن زيد عن عمرو (( بوجهك الكريم ) ) (قَالَ {أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ} ) وسقط في رواية أبي ذرٍّ (قَالَ) أي النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَعُوْذُ بِوَجْهِكَ) أي بذاتك زاد الإسماعيلي (( الكريم ) )أيضًا.

( {أوْ يَلْبِسَكُمْ} ) أي يخلطكم في ملاحم القتال ( {شِيَعًا} ) فرقًا، واحدها شيعة، وفي رواية الطَّبري من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله شيعًا، قال الأهواء المختلفة، وقد تقدم آنفًا، وقال مجاهد أهواءٌ متفرِّقة، وهو ما كان فيهم من الفتن والاختلاف، وقال بعضُهم هو ما فيه النَّاس الآن من الاختلاف والأهواء وسفك الدِّماء.

( {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} ) قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما وغير واحدٍ يعني يُسلِّط بعضكم على بعضٍ بالعذاب والقتل؛ أي يُقاتل بعضكم بعضًا.

(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا أهْوَنُ، أوْ) شكٌّ من الراوي (هَذَا أيْسَرُ) لأنَّ الفتن بين المخلوقين وعذابهم أهونُ من عذاب الله تعالى، فابتليت هذه الأمَّة بالفتن ليكفَّر بها عنهم، واسم الإشارة

ج 19 ص 419

إشارةٌ إلى قوله {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} [الأنعام 65] .

وقد وقع في «الاعتصام» [خ¦7313] هاتان أهون أو أيسر؛ أي خصلة الالتباس وخصلة إذاقة بعضهم بأس بعضٍ، وقد روى ابن مردويه من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما ما يُفسِّر به حديث جابرٍ رضي الله عنه، ولفظه عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( دعوت الله أن يرفعَ عن أمَّتي أربعًا، فرفع عنهم ثنتين، وأبى أن يرفعَ عنهم اثنتين، دعوت الله أن يرفعَ عنهم الرَّجم من السَّماء، والخسف من الأرض، وأن لا يلسبهم شيعًا، ولا يذيق بعضهم بأس بعضٍ، فرفع عنهم الخسف والرَّجم، وأبى أن يرفع عنهم الأُخْريين ) ).

ويستفاد من هذه الرِّواية المراد بقوله {مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} ويُستأنس له أيضًا بقوله تعالى {أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} [الإسراء 68] ووقع أصرح من ذلك عند ابن مردويه من حديث أبيِّ بن كعبٍ رضي الله عنه قال في قوله تعالى {عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} قال الرَّجم {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} الخسف، وقد سبق أيضًا [خ¦4628 قبل] . وروى ابن أبي حاتم من طريق السُّدِّي عن شيوخه أيضًا أنَّ المرادَ بالعذاب من فوق الرَّجم، ومن تحت الخسفِ، وأخرج من طريق ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ المراد بالفوق أئمَّة السُّوء، وبالتَّحت خدم السُّوء. وقيل المراد بالفوق حبس المطر، وبالتحت منع الثَّمرات، والأوَّل هو المعتمد.

قيل وفي الحديث دليلٌ على أنَّ الخسف والرَّجم لا يقعان في هذه الأمَّة، وفيه نظرٌ. فقد روى أحمد والطَّبري من حديث أبيِّ بن كعبٍ رضي الله عنه في هذه الآية {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} [الأنعام 65] الآية قال هنَّ أربع، وكلهنَّ واقعٌ لا محالة، فمضت اثنتان بعد وفاة نبيهم بخمس وعشرين سنةً ألبسوا شيعًا، وذاق بعضهم بأس بعضٍ، وبقيت اثنتان واقعتان لا محالة الخسف والرَّجم.

لكنَّه أُعلَّ هذا الحديث بأنَّ أبي بن كعب لم يدرك خمسًا وعشرين سنةً من الوفاة النَّبويَّة، فكأنَّ حديثه انتهى عند قوله «لا محالة» ، والباقي من كلام بعض الرُّواة. وأُعلَّ أيضًا بأنَّه ٌمخالف لحديث جابرٍ رضي الله عنه وغيره.

وأجيب بأنَّ طريق الجمع أنَّ الإعاذة المذكورة

ج 19 ص 420

في حديث جابرٍ رضي الله عنه وغيره مقيَّدٌ بزمانٍ مخصوصٍ، وهو زمان وجود الصَّحابة والقرون الفاضلة، وأمَّا بعد ذلك فيجوز وقوع ذلك فيهم. وقد روى أحمد والتِّرمذي من حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه قال سُئل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن هذه الآية {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ} [الأنعام 65] إلى آخرها فقال أمَّا إنَّها كائنةٌ ولم يأت تأويلها بعد، وهذا يحتمل أن لا يُخالف حديث جابرٍ رضي الله عنه بأنَّ المرادَ بتأويلها ما يتعلَّق بالفتن ونحوها. وعند أحمد بإسنادٍ صحيحٍ من حديث صُحَار _ بضم الصاد وبالحاء المخففة المهملتين _ العبدي رفعه قال (( لا تقوم السَّاعة حتَّى يُخسف بقبائل ) )الحديث. ولابن أبي خيثمة من طريق هشام بن الغازي بن ربيعة الجُرشيّ عن أبيه عن جدِّه رفعه (( يكون في أمَّتي الخسف والقذف والمسخ ) )الحديث.

ويحتمل في طريق الجمع أيضًا أن يكون المراد أنَّ ذلك لا يقع لجميعهم وإن وقع لأفرادٍ منهم غير مقيَّدٍ بزمانٍ كما في خصلة العدوِّ الكافر والسَّنَة العامَّة، فإنَّه ثبت في «صحيح مسلم» من حديث ثوبان رفعه في حديث أوَّله (( إنَّ الله زوى لي مشارق الأرض ومغاربها، وسيبلغ مُلْك أمَّتي ما زُوي لي منها ) )الحديث، وفيه (( وإنِّي سألت ربِّي أن لا يُهلك أمَّتي بسَنَة عامة، وأن لا يُسلِّط عليهم عدوًّا من غير أنفسهم، وأن لا يلبسهم شيعًا ويذيقَ بعضهم بأس بعضٍ، فقال يا محمَّد إنِّي إذا قضيتُ قضاء فإنَّه لا يُردُّ، وإنِّي أعطيتك لأمتك أنِّي لا أهلكهم بسنَةٍ عامة، وأن لا أُسلِّط عليهم عدوًّا من غيرهم فيستبيح بيضتهم حتَّى يكون بعضهم يهلك بعضًا ) ).

وأخرج الطَّبري من حديث شداد نحوه بإسنادٍ صحيحٍ، فلمَّا كان تسليط العدوِّ الكافر قد يقع على بعض المؤمنين لكنَّه لا يقع عمومًا، كذلك الخسف والقذف، ويؤيِّد هذا الجمع ما روى الطَّبري من مرسل الحسن قال لما نزلت {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ} الآية سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربَّه فهبطَ جبريل عليه السَّلام فقال يا محمد إنَّك سألت ربَّك أربعًا

ج 19 ص 421

فأعطاك اثنتين ومنعك اثنتين، لن يأتيهم عذابٌ من فوقهم أو من تحت أرجلهم فيستأصلهم كما استأصلَ الأمم الذين كذَّبوا أنبيائهم، ولكنَّه يلبسهم شيعًا، ويذيقَ بعضهم بأس بعضٍ. وهذان عذابان لأهل الإقرار لكتاب والتَّصديق بالأنبياء، انتهى.

وكان من قوله وهذان ... إلى آخره من كلام الحسن.

وقد وردت الاستعاذة من خصالٍ أخرى منها

عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند ابن مردويه مرفوعًا (( سألت ربِّي لأمَّتي أربعًا فأعطاني اثنتين ومنعني اثنتين، سألته أن يرفع عنهم الرَّجم من السَّماء والغرق من الأرض فرفعهما ) )الحديث.

ومنها حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عند مسلمٍ مرفوعًا (( سألت ربِّي أن لا يُهلك أمَّتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يُهلكهم بالسَّنة فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها ) ).

وعند الطَّبري من حديث جابر بن سَمُرة رضي الله عنه نحوه، ولكن بلفظ (( أن لا يهلكوا جوعًا ) )، وهذا ممَّا يُقوِّي الجمع المذكور، فإنَّ الغرق والجوع قد يقعُ لبعضٍ دون بعضٍ، لكن الَّذي حصل منه الأمان أن يقع عامًا. وعند التِّرمذي وابن مردويه من حديث خباب نحوه، وفيه (( وأن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا ) )وكذا في حديث نافع بن خالدٍ الخزاعي عن أبيه عند الطَّبري. وعند أحمد من حديث أبي بضرة نحوه، لكن قال بدل خصلة الإهلاك أن لا يجمعهم على ضلالة.

وكذا للطَّبري من مرسل الحسن. ولابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( سألت ربِّي لأمَّتي أربعًا فأعطاني ثلاثًا ومنعني واحدةً، سألته أن لا يُكفر أمتي جملةً فأعطانيها، وسألته أن لا يُظهر عليهم عدوًّا من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يُعذِّبهم بما عذَّب به الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعلْ بأسهم بينهم فمنعنيها ) ).

وللطَّبري من طريق السُّدِّي مرسلًا نحوه، ودخل في قوله (( بما عذَّب به الأمم قبلهم ) )الغرق كقوم نوحٍ وفرعون، والهلاك بالريح كعاد، والخسف كقوم لوط وقارون، والصَّيحة كثمود وأصحاب مدين،

ج 19 ص 422

والرَّجم كأصحاب الفيل وغير ذلك ممَّا عُذِّبت به الأمم عمومًا، وإذا جمعت الخصال المستعاذ منها في هذه الأحاديث التي سيقت بلغت نحو العشرة.

وفي حديث الباب أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سأل رفع الخصلتين الأخريين، فأُخبر بأنَّ ذلك قد قُدِّر من قضاء الله، وأنَّه لا يُرَّد. وأمَّا ما زاده الطَّبري من طريق أبي الزُّبير عن جابر رضي الله عنه في حديث الباب بعد قوله قال «هذا أيسر» قال «ولو استعاذه لأعاذه» فهو محمولٌ على أنَّ جابرًا رضي الله عنه لم يسمع بقيَّة الحديث، وحفظه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وغيره. ويحتمل أن يكون قائل ولو استعاذه إلى آخره بعض رواته دون جابرٍ رضي الله عنه، والله تعالى أعلم.

وقد أخرج حديث الباب البُخاري في «التوحيد» أيضًا [خ¦7406] ، وأخرجه النَّسائي في التَّفسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت