فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 11127

36 - (حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ) بالحاء المهملة والراء المفتوحتين والياء المشددة، اسم بلفظ النسبة (ابْنُ حَفْصٍ) هو أبو علي بن حفص بن عمر العتكي، نسبة إلى العتيك بن الأسد القَسْمَلي _ بفتح القاف وسكون السين المهملة وفتح الميم _، نسبة إلى قَسْملة، وهو معاوية بن عَمرو بن دوس، أو إلى القساملة قبيلة من الأزد سموا بذلك؛ لجمالهم البصري. روى عنه البخاري وانفرد به عن مسلم، وروى أبو داود والنسائي عن رجل عنه. مات سنة ثلاث أو ست وعشرين ومائتين.

(قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد _ بالمثناة التحتية _ هو أبو بشر، ويقال أبو عبدة العبدي، نسبة إلى عبد القيس مولاه البصري، الثقفي نسبة إلى ثقيف.

قال يحيى وأبو حاتم وأبو زرعة ثقة. وقال ابن سعد ثقة كثير الحديث. مات سنة سبع وسبعين ومئة. روى له البخاري ومسلم، وفي طبقته عبد الواحد بن زيد بصريٌّ أيضًا، لكنه ضعيف ولم يخرج عنه في (( الصحيحين ) )شيء.

(قَالَ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ) بضم المهملة وتخفيف الميم، ابن القعقاع بن شبرمة أخي عبد الله بن شبرمة الكوفي، الضَّبي، نسبة إلى ضبَّة بن أد بن طابخة. روى عنه الثوري والأعمش وغيرهما، قال أبو يحيى ثقة. وقال أبو حاتم صالح الحديث. روى له الجماعة.

(قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) بضم الزاي وسكون الراء، واختلف في اسمه

ج 1 ص 291

وأشهرها هرم، وقيل عبد الرحمن، وقيل عَمرو، وقيل عبد الله (ابْنُ عَمْرِو) وفي رواية زيادة بضم الموحدة وفتح الجيم، نسبة إلى بُجَيلة بنت صعب بن سعد، سمع جدَّه وأبا هريرة وغيرهما. قال يحيى ثقة. روى له الجماعة.

(قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه. ومن لطائف هذا الإسناد أنَّه خالٍ عن العنعنة ليس فيه إلا التَّحديث والسماع. ومنها أن رواته ما بين بصريٍّ وكوفي. ومنها أنَّ فيه اسمًا على صورة النسبة وربما يظنُّ من لا إلمام له بالحديث أنَّه نسبة.

وقد أخرج متنه البخاري في (( الجهاد ) ) [خ¦2123] أيضًا [خ¦2787] ، وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا مع نوع اختلاف في اللَّفظ.

(يَقُولُ عَنِ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلم قَالَ) أي أنَّه قال (انْتَدَبَ اللَّهُ) وفي رواية ، وقوله اِنْتَدب بكسر الهمزة وسكون النون وفتح التاء المثناة، من قولهم ندبه لأمر فانتدبَ له؛ أي دعاه له فأجاب إليه، فهاهنا كأنّ الله تعالى جعل جهاد العباد في سبيل الله سؤالًا ودعاء للرجع بنيل أجر، أو غنيمة، أو إدخاله الجنَّة. وقيل معناه سارعَ بثوابه وحسن جزائه، وقيل معناه تكفَّل بالمطلوب، ويدلُّ عليه رواية المؤلِّف في أواخر الجهاد بلفظ (( تكفَّل الله ) ) [خ¦3123] وكذا في رواية عن مسلم، وفي أخرى عنه بلفظ (( تضمن الله ) )أي أوجب تفضلًا؛ أي حقَّق وأحكم أن ينجزَ ذلك لمن أخلص وهو موافقٌ لقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة 111] .

وفي رواية الأَصيلي بمثناة تحتية مهموزة بدل النون، من المأدبة، بفتح الدال وضمها، اسم الطَّعام من الأدب، وهو الدعاء إلى الطَّعام، يقال أدَّبهم يأدِّبهم، بكسر الدال.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وهو تصحيفٌ وقد وجَّهوه بتكلف لكن إطباق الرُّواة على خلافه.

وتعقبَه محمود العيني بأنه لم يقل أحدٌ من الشُّراح ولا من الرواة الكبار أنَّ هذا تصحيف، ولا أطبقت الرواة على خلافه، وقد رأيتُ ما قالت المشايخ فيه، والدَّعوى بلا برهان لا تُقَبل، هذا وقد عزاها القاضِي عياض إلى رواية القابسي.

(لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ) أي في سبيل الله حال كونه (لاَ يُخْرِجُهُ إِلاَّ إِيمَانٌ بِي) بالرفع على أنَّه فاعل يخرج، والاستثناء مفرَّغ، وفي رواية مسلم والإسماعيلي (( إلا إيمانًا ) )بالنصب.

وقال النَّووي هو مفعول له، وتقديره لا يخرجه مخرج إلَّا إيمانًا بي، وكأنَّ السياق يقتضي أن يقول به، ففيه التفات من الغيبة إلى التكلم.

وقال ابنُ مالك في (( التوضيح ) )هو على تقدير اسم فاعل كأنَّه قال انتدبَ الله لمن خرجَ في سبيله قائلًا لا يخرجه. .. إلى آخره وهو ليس بسديدٍ؛ لأنَّ صاحب الحال على ذلك التَّقدير هو الله تعالى، والظَّاهر أنَّه

ج 1 ص 292

هو الضَّمير في خرج، فافهم.

(وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي) وفي بعض النسخ بالنصب على ما تقدَّم فيما عطف عليه. وقال الكرماني أو تصديق، وفي بعض النسخ بالواو الواصلة، واستشكل الفاصلة بأنَّه لا بدَّ من الأمرين الإيمان بالله، والتَّصديق برسل الله.

وأجاب بأنَّ معناها امتناع الخلو مع إمكان الجمع بينهما؛ أي لا يخلو عن أحدهما وقد يجتمعان بل يلزم الاجتماع؛ لأنَّ الإيمان بالله مستلزمٌ لتصديق رسله، وكذا التَّصديق بالرسل يستلزمُ الإيمان بالله.

وتعقَّبه محمود العيني بأنَّ كلمة أو لا تدلُّ على ما ذكره، وفيه أنَّه لا يدعي أنها تدلُّ على لزوم الاجتماع، كما لا يخفى على من تأمَّل في سياق العبارة، هذا وقد يجاب أيضًا بأن الفاصلة بمعنى الواصلة.

وقال الحافظ العسقلاني لم يثبتْ في شيءٍ من الرِّوايات بلفظ الفاصلة.

(أَنْ أُرْجِعَهُ) بفتح الهمزة، من رجع، وهو يجيء متعديًا ولازمًا، فمصدر الأول الرَّجع، ومصدر الثاني الرُّجوع، وهاهنا متعدٍّ كما في قوله تعالى {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ} [التوبة 83] وأن مصدرية، والأصل بأن أرجعه إلى مسكنه؛ أي برجعه إليه.

(بِمَا) أي بالذي (نَالَ) أي أصابه من النَّيل (مِنْ أَجْرٍ) مجرَّد إن لم يكن غنيمة (أَوْ) أجر مع (غَنِيمَةٍ) إذا كانت (( فأو ) )لمنع الخلو، أو بمعنى الواو، كما قيل في قوله تعالى {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء 12] معناه أو وصية ودين، وعبَّر بالماضي في قوله نال؛ لتحقق وعده تعالى.

(أَوْ أُدْخِلَهُ) بضم الهمزة والنصب عطفًا على أرجعه (الْجَنَّةَ) أي عند موته، كما قال تعالى في حق الشهداء {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران 169] ، أو المراد هو الإدخال عند دخول السَّابقين المقرَّبين بلا حسابٍ ولا عذابٍ ولا مؤاخذة بذنوب تكون الشَّهادة مكفِّرة لها؛ كما روى مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم (( القتلُ في سبيل الله يكفِّر كلَّ شيءٍ إلا الدَّين ) ).

فالحاصل أنَّ للمجاهد حالتين الشَّهادة والسَّلامة فالجنَّة للحالة الأولى، والأجر والغنيمة للحالة الثانية. فإن قيل الأجر ثابتٌ للشَّهيد أيضًا، فكيف يكون السَّالم والشَّهيد مفترقين في أن لأحدهما الأجر، وللآخر الجنة مع أنَّ الجنة أيضًا أجر؟

أُجيب بأن هذا أجرٌ خاصٌّ، والجنة أجرٌ أعلى منه فهما متغايران، أو أن القسيمين هما الرجع والإدخال لا الأجر والجنة، فمعنى الحديث أنَّ الله تعالى ضَمِن أن للخارج للجهاد خيرًا بكلِّ حالٍ فإما أن يستشهدَ فيدخل الجنة، وإمَّا أن يرجعَ بأجر فقط، أو أجر وغنيمة، ثم حضَّ النبي صلى الله عليه وسلم

ج 1 ص 293

على الجهاد ثانيًا فقال

(وَلَوْلاَ) هي الامتناعيَّة لا التَّحضيضية (أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ) جواب لولا (خَلْفَ سَرِيَّةٍ) بل كنت أخرج معها بنفسي؛ لعظم أجرها.

والسَّرِيَّة بتخفيف الراء وتشديد الياء، قطعةٌ من الجيش يبلغُ أكثرها إلى أربعمائة، والمعنى امتنع عدم القعود وهو القيام؛ لوجود المشقَّة، وسببُ المشقَّة صعوبة تخلفهم بعده وأن لا قدرة لهم على المسير معه؛ لضيق حالهم، ولا قدرةَ له على حملهم.

(وَلَوَدِدْتُ) بكسر الدال الأولى، عطف على قوله ما قعدت، واللام للتأكيد، قيل ويجوز أن تكون اللام فيه جواب قسم محذوفٍ؛ أي والله لوددت؛ أي أحببتُ (أَنِّي أُقْتَلُ) بصيغة المجهول، وفي رواية .

(فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا) بضم الهمزة على صيغة المجهول (ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ) بصيغة المجهول فيهنَّ، وختم بقوله (( ثمَّ أقتل ) )والقرار إنما هو على حالة الحياة؛ لأنَّ المراد الشهادة فختم الحال عليها، أو لأنَّ الإحياء للجزاء معلومٌ فلا حاجة إلى ودادته؛ لأنَّه ضروري الوقوع. قيل لا مشقَّة على الأمة في ودادة ذلك؛ لأنَّ غاية ما في الباب وجوب المتابعة في تلك الودادة وليس فيها مشقة.

وأُجيب بأنا لا نسلِّم عدم المشقَّة، ولئن سلَّمنا فربَّما ينجرُّ إلى تشريع مودوده فتصير سببًا للمشقَّة، فتأمَّل. وقيل إنَّ تمنِّيه عليه السلام أن يقتلَ يقتضي تمني وقوع الكفر لغيره، وهو ممنوعٌ للقواعد المقرَّرة. وأُجيب بأنَّ مراده صلى الله عليه وسلم تمنِّى الحالة الرَّفيعة وهي الشَّهادة لا تمنِّي المعصية للقاتل.

قال النَّووي وفي الحديث فوائد منها فضل الجهاد والشَّهادة في سبيل الله. ومنها تمنِّي الشَّهادة وتعظيم أجرها. ومنها تمنِّي الخير والحثِّ على حسن النية. ومنها بيان شدَّة شفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته بهم. ومنها استحباب طلب القتل في سبيل الله. ومنها جواز قول الإنسان وددت حصول كذا من الخير، الذي يعلم أنه لا يحصل. ومنها أنه إذا تعارض مصلحتان بدئ بأهمها، وأنه يترك بعض المصالح لمصلحةٍ أرجح منها، أو لخوف مفسدةٍ ترد عليها. ومنها أنَّ الجهاد فرضُ كفاية لا فرض عين. ومنها السَّعي في زوال المكروه والمشقَّة عن المسلمين، قال وقالوا وهذا الفضل وإن كان ظاهره

ج 1 ص 294

أنَّه في قتال الكفَّار، لكنَّه يدخل فيه من خرج في سبيل الله في قتال البُغاة، وفي إقامة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر ونحوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت