4657 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابنُ منصور أبو يعقوب الكوسج المروزي، كذا جزم به الحافظ المزي قال(حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ
ج 19 ص 514
إِبْرَاهِيمَ)أي ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف، قال (حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كَيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوفٍ، كما في نسخة (أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أخبره أن أبا بكر رض الله عنه بَعَثَهُ، فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ) بتشديد الميم؛ أي جعله أميرًا (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فِي رَهْطٍ) وهو ما دون العشرة من الرَّجال.
(يُؤَذِّنُ) وفي رواية أبي ذرٍّ (فِي النَّاسِ) أي بمنى (أَنْ لاَ يَحُجَّنَّ) بنون التأكيد الثقيلة (بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. فَكَانَ حُمَيْدٌ يَقُولُ يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ، مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، فإنَّه نادى بإذن أبي بكر رضي الله عنه يوم النَّحر، وقد تقدم في أوائل «الصلاة» [خ¦369] من رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن ابن أخي ابن شهاب عن عمِّه فله فيه طريقان، وسياقه عن ابن أخي ابن شهابٍ موافقٌ لسياق عقيل، وأمَّا رواية صالحٍ فوقع في آخرها فكان حميدٌ يقول يوم النَّحر يوم الحجِّ الأكبر من أجل حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهذه الزِّيادة قد أدرجها شعيبٌ عن الزُّهري، كما تقدَّم في «الجزية» [خ¦3177] ، ولفظه عن أبي هريرة رضي الله عنه «بعثني أبو بكر رضي الله عنه فيمن يُؤذِّن يوم النَّحر بمنى لا يحجُّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ، ويوم الحجِّ الأكبر يوم النَّحر، وإنَّما قيل الأكبر، من أجل قول النَّاس الحجِّ الأصغر، فنبذ أبو بكرٍ رضي الله عنه إلى النَّاس في ذلك العام، فلم يحجَّ عام حجَّة الوداع التي حج فيها النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مشركٌ» ، انتهى.
وقوله يوم الحجِّ الأكبر هو يوم النَّحر، هو قول حُميد بن عبد الرَّحمن استنبطه من قوله تعالى {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} [التوبة 3] ومن مناداة أبي هريرة رضي الله عنه بذلك بأمر أبي بكر يوم النَّحر، فدلَّ على أنَّ المرادَ بيوم الحجِّ الأكبر يوم النَّحر، وسياق رواية شعيبٍ يوهم أنَّ ذلك ممَّا نادى به أبو هريرة رضي الله عنه، وليس كذلك فقد تظافرت الرِّوايات عن أبي هريرة رضي الله عنه بأنَّ الَّذي كان ينادي به هو ومن معه من قبل أبي بكرٍ رضي الله عنه شيئان منع حجِّ المشركين ومنع طواف العريان،
ج 19 ص 515
وأنَّ عليًّا رضي الله عنه أيضًا كان ينادي بهما، وكان يزيد من كان له عهدٌ فعهده إلى مدَّته، وأن لا يدخل الجنَّة إلَّا مسلمٌ، وكأن هذه الأخيرة كالتوطئة لأن لا يحج البيت مشرك، وأمَّا التي قبلها فهي الَّتي اختصَّ عليٌّ بتبليغها.
ولهذا قال العلماء إنَّ الحكمة في إرسال عليٍّ رضي الله عنه بعد أبي بكرٍ أنَّ عادة العرب جرت بأن لا ينقض العقد إلَّا من عقده، أو هو منه بسبيلٍ من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم ولهذا قال (( لا يُبلغ عنِّي إلَّا أنا أو رجلٌ من أهل بيتي ) )ورواية أحمد والنَّسائي من طريق محرر بن أبي هريرة عن أبيه قال كنت مع عليٍّ حين بعثه رسول الله إلى مكَّة ببراءة، وكنا ننادي أنَّه لا يدخل الجنَّة إلَّا نفسٌ مسلمةٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ، ومن كان بينه وبين رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عهدٌ فأجله أربعة أشهرٍ، فإذا مضت فإنَّ الله بريءٌ من المشركين ورسوله، ولا يحجُّ بعد العام مشركٌ، فكنت أنادي حتَّى صحل صوتي.
وقوله وإنَّما قيل الأكبر. .. إلى آخره، اختلف في المراد بالحجِّ الأصغر، فالجمهور على أنَّه العمرة، وصل ذلك عبد الرَّزَّاق من طريق عبد الله بن شداد أحد كبار التَّابعين، ووصله الطَّبريُّ عن جماعةٍ، وقيل يوم الحجِّ الأصغر يوم عرفة، ويوم الحج الأكبر يوم النَّحر؛ لأنَّ فيه تتكمَّل بقيَّة المناسك، وقيل لأنَّ أهل الجاهليَّة كانوا يقفون بعرفة، وكانت قريش تقفُ بمزدلفة، فإن كان صبيحة النَّحر وقف الجميع بمزدلفة، فقيل له الأكبر لاجتماع الكلِّ فيه.
وقوله فنبذ أبو بكر. .. إلى آخره هو أيضًا مرسلٌ من قول حُميد بن عبد الرَّحمن، والمراد أنَّ أبا بكر رضي الله عنه أفصح لهم بذلك. وقيل إنما لم يقتصر النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على تبيلغِ أبي بكرٍ رضي الله عنه ببراءة؛ لأنَّها تضمَّنت مدح أبي بكرٍ رضي الله عنه، فأراد أن يسمعوها من غير أبي بكر.
قال الحافظُ العسقلاني وهذه غفلةٌ من قائله حمله عليها ظنُّه أنَّ المرادَ تبليغ براءة كلِّها، وليس الأمر كذلك لما تقدَّم، وإنَّما أُمر بتبليغ أوائلها. واستدلَّ به على أنَّ حجَّة أبي بكرٍ رضي الله عنه كانت في ذي الحجَّة على خلاف المنقول عن مجاهدٍ وعكرمة بن خالد، كما تقدَّم النقل عنهما بذلك
ج 19 ص 516
في «المغازي» [خ¦4363] .
ووجه الدَّلالة أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه قال بعثني أبو بكرٍ رضي الله عنه في تلك الحجَّة يوم النَّحر، وهذا لا حُجَّة فيه لأنَّ قول مجاهدٍ إن ثبت، فالمراد بيوم النَّحر الَّذي هو صبيحة يوم الوقوف سواءٌ كان الوقوف وقع في ذي القعدة أو في ذي الحجَّة.
نعم روى ابن مردويه من طريق عَمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال كانوا يجعلون عامًا شهرًا، وعامًا شهرين، يعني يحجُّون في شهر واحدٍ مرَّتين في سنتين، ثمَّ يحجُّون في الثَّالث في شهرٍ آخر غيره قال فلا يقع الحج في أيَّام الحج إلَّا في كلِّ خمسٍ وعشرين سنة، فلمَّا كان حجُّ أبي بكرٍ رضي الله عنه وافقَ ذلك العام شهر الحجِّ فسمَّاه الله الحج الأكبر.