4658 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) العَنَزيّ الزَّمن، قال (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن سعيد القطَّان، قال (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي خالدٍ، قال (حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ) الجهني أبو سليمان الكوفي المخضرم (قَالَ كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ) رضي الله عنه (فَقَالَ مَا بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الآيَةِ إِلاَّ ثَلاَثَةٌ) كذا وقع مبهمًا عند البخاري، ووافقه النَّسائي وابن مَرْدويه كلاهما على الإبهام إلَّا أنَّ إيرادَ البخاري ذلك هنا يومئ إلى أنَّ المراد الآية المسوقة هنا. وقد روى الطَّبري من حديث حبيب بن حسَّان عن زيد بن وهب قال كنَّا عند حذيفة فقرأ هذه الآية {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} [التوبة 12] قال ما قوتل أهل هذه الآية بعد.
ولكنَّ الإسماعيليَّ اعترضَ بما رواه من حديث سفيان بن عُيينة عن إسماعيل بن أبي خالدٍ عن زيد بن وهب سمعت حذيفة يقول ما بقي من المنافقين من أهل هذه الآية {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة 1] إلَّا أربعة أنفسٍ إنَّ أحدهم لشيخٌ كبيرٌ.
ثمَّ قال الإسماعيلي إن كانت الآية ما ذكر في خبر ابن عيينة فحقُّ هذا الحديث أن يخرجَ في سورة الممتحنة، والمراد بكونهم لم يقاتلوا أنَّ قتالهم لم يقع لعدمِ وقوع الشَّرط وهو النَّكث والطَّعن، فلمَّا لم يقع ذلك منهم لم يقاتلوا.
وقوله «إلَّا ثلاثة» ، سُمِّي منهم في رواية أبي بشر عن مجاهد أبو سفيان بن حرب. وفي رواية مَعمر عن قتادة أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وأبو سفيان وسهيل بن عَمرو، وردَّ هذا بأنَّ أبا جهل وعتبة قُتلا ببدرٍ، وإنَّما ينطبق التَّفسير على من نزلت الآية المذكورة وهو حيٌّ فيصحُّ في أبي سفيان وسهيل بن عَمرو، وقد أسلما جميعًا. وقال البرماويُّ كالكرماني أي ثلاثةٌ آمنوا، ثمَّ ارتدُّوا وطعنوا في الإسلام من ذوي الرِّياسة والتَّقدُّم.
(وَلاَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ) الذين يُظهرون الإسلام ويبطنون الكفر (إِلاَّ أَرْبَعَةٌ) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على تسميتهم
ج 19 ص 518
انتهى. وقد كان حذيفة صاحب سرِّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شأن المنافقين يعرفهم دون غيره (فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ) قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على اسمه (إِنَّكُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بنصب أصحابَ بدل من الضَّمير في إنكم، أو منادى مضاف حذفت منة الأداة (تُخْبِرُونَا) وفي نسخة بنونين على الأصل؛ لأنَّ النون لا تحذف إلَّا لناصب أو جازم، والأولى لغةٌ فصيحةٌ لبعض العرب، وزاد الاسماعيلي (( عن أشياء ) ).
(فَلاَ نَدْرِي) ويُروى (فَمَا بَالُ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يَبْقُرُونَ) بالموحدة والقاف؛ أي يَنْقُبون من البقر وهو الشقُّ. قال الخطَّابي وأكثر ما يكون البقر [1] في الخشب والصُّخور. وقال ابنُ الجوزي معناه يفتحون يُقال بقرت الشَّيء إذا فتحته، وفي رواية غير أبي ذرٍّ من التَّبقير، وفي نسخة بالنون بدل بالموحدة وضم القاف (بُيُوتَنَا، وَيَسْرِقُونَ أَعْلاَقَنَا) بفتح الهمزة وبالعين المهملة، جمع عِلق _ بكسر المهملة _ وهو الشَّيء النَّفيس، سُمِّي بذلك لتعلُّق القلب به، والمعنى يسرقون نفائسَ أموالنا.
وقال الخطَّابي كلُّ شيءٍ له قيمةٌ أو له في نفسه قدرٌ فهو علق، وبخط الدِّمياطي بالغين المعجمة مضبوطة، وحكاه ابنُ التين أيضًا ثمَّ قال لا أعلم له وجهًا، وتعقَّبه العيني بأنَّ له وجهًا، وهو أنَّ الأغلاقَ جمع غَلَق بفتح الغين المعجمة واللام، وفي «المغرب» الغلق بالتحريك والمغلاق، هو ما يغلق ويفتح بالمفتاح، والغلق أيضًا الباب، فيكون المعنى يسرقون الأغلاق؛ أي مفاتيح الأغلاق، ويفتحون الأبواب، ويأخذون ما فيه من الأشياء، أو يكون المعنى يسرقون الأبواب وتكون السَّرقة كنايةً عن قعلها وأخذها ليتمكَّنوا من الدُّخول فيها.
(قَالَ) أي حذيفة رضي الله عنه (أُولَئِكَ) أي الَّذين يبقرون ويسرقون (الْفُسَّاقُ) قال الكرماني لا الكفَّار ولا المنافقون (أَجَلْ) أي نعم (لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلاَّ أَرْبَعَةٌ، أَحَدُهُمْ) أي أحد الأربعة (شَيْخٌ كَبِيرٌ) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسمه.
(لَوْ شَرِبَ الْمَاءَ الْبَارِدَ لَمَا وَجَدَ بَرْدَهُ) لذهاب شهوته، وفساد معدته، فلا يُفرِّق بين الألوان والطُّعوم.
وقال التَّيمي يعني عاقبه الله في الدُّنيا ببلاءٍ
ج 19 ص 519
لا يجد معه ذوق الماء ولا طعم برودته، انتهى.
وحاصل معنى هذا الحديث أنَّ حذيفة بن اليمان رضي الله عنه كان صاحب سرِّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شأن المنافقين، وكان يعرفهم ولا يعرفهم غيره بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من البشر، وكان النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسرَّ إليه بأسماء عدَّةٍ من المنافقين وأهل الكفر الَّذين نزلت فيهم الآية.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( ما بقيَ من أصحاب هذه الآية ) )على ما مرَّ.
[1] كذا في العمدة، وفي الفتح (وأكثر ما يكون النقر ... يعني بالنون) .