فهرس الكتاب

الصفحة 6745 من 11127

4662 - (حَدَّثَنَا) وفي نسخة بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ) الحجبي البصري، قال (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي ابن درهم الجهضمي البصري (عَنْ أَيُّوبَ) هو السَّختياني (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابنُ سيرين (عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ) عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) ويُروى هو نفيعُ بن الحارث (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ) أي في خطبته في حجَّة الوداع بمنى في أواسط أيام التَّشريق أيها النَّاس (إِنَّ الزَّمَانَ) المراد به السَّنَة (قَدِ اسْتَدَارَ) المراد بالاستدارة انتقال الزَّمان إلى هيئته الأولى (كَهَيْئَتِهِ) أي استدارة كهيئته؛ أي مثل حالته ووضعه الَّذي كان قبل النَّسيء لا زائدًا في العدد، ولا مغيرًا كلَّ شهرٍ عن موضعه.

(يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) وذلك أنَّ العرب كانوا يؤخِّرون المحرم إلى صفر، وهو النَّسيء ليقاتلوا فيه، ويفعلون ذلك سنةً بعد سنة، فينتقل المحرم من شهر إلى شهر حتَّى يجعلوه في جميع شهور السَّنة.

والحاصل أنَّه عاد الحجُّ إلى ذي الحجَّة وبطل النَّسيء، وهو تأخيرُ حرمة الشَّهر إلى شهرٍ آخر، ورفضوا خصوص الأشهر، فكانوا يستحلُّون القتال في المحرم لطول مدَّة التَّحريم بتوالي ثلاثة أشهرٍ محرمة، ثمَّ يحرمون صفرًا مكانه، فكأنَّهم يقترضونه ثمَّ يوفونه. وقيل كانوا يحلُّون المحرم مع صفر من عامٍ ويسمُّونهما صفرين، ثمَّ يحرِّمونهما من عامٍ قابل ويسمُّونهما محرمين.

وقيل بل كانوا ربَّما احتاجوا إلى صفر أيضًا فأحلُّوه، وجعلوا مكانه ربيعًا، ثمَّ يدور كذلك التَّحريم والتَّحليل بالتَّأخير على السَّنَة كلِّها إلى أن جاءَ الإسلام ووافق الحجُّ ذا الحجة، ورجع التَّحريم إلى المحرم، واستقام حساب السَّنَة ورجع إلى الأصل الموضع

ج 19 ص 524

يوم خلق الله السَّموات والأرض، وقد وقع تاسع ذي الحجَّة في الوقت الَّذي حلَّت فيه الشَّمس برج الحمل حيث يستوي اللَّيل والنَّهار. ووقع في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند ابن مَرْدويه إنَّ الزَّمان قد استدارَ فهو اليوم كهيئة يوم خلق السَّموات والأرض.

(السَّنَةُ) أي العربيَّة الهلاليَّة (اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا) على ما توارثوهُ من إبراهيم وإسماعيل عليهما السَّلام، وذلك بعدد البروج الَّتي تدور الشَّمس فيها السَّنة الشَّمسيَّة، وإنَّما جُعل الاعتبار بدور القمر؛ لأنَّ ظهوره في السَّماء لا يحتاج إلى حسابٍ ولا إلى كتابٍ بل هو أمرٌ ظاهر يشاهد بالبصر بخلاف شهر الشَّمس، فإنَّه يحتاج معرفته إلى حسابٍ فلم يحوجنا إلى ذلك كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إنَّا أمَّةٌ أميَّةٌ لا نكتب ولا نحسب، الشَّهر هكذا وهكذا ) )الحديث.

واعلم أنَّ السَّنَة والحول والعام ألفاظٌ مترادفة معناها واحدٌ، كما هو ظاهر كلام كثيرٍ من اللُّغويين، وهي مشتملةٌ على ثلاثمائة وأربعة وخمسين يومًا، وخمس أو سدس يوم، كذا ذكره صاحب «المهذب» من الشَّافعيَّة قال لأنَّ شهرًا منها ثلاثون، وشهرًا تسع وعشرون إلَّا ذا الحجة، فإنَّه تسع وعشرون وخمس يوم أو سدس يوم.

واستشكله بعضهم وقال لا أدري ما وجه زيادة الخمس أو السُّدس، وصحح بعضهم أنَّ السَّنة الهلاليَّة ثلاثمائة وخمسة وخمسون يومًا، وجزم به ابنُ دحية في كتاب «التنوير» ، وذلك مقدار قطع البروج الاثني عشر التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وفرَّق بعضهم بين السَّنة والعام فيكونان متباينين، فقال إنَّ العام من أوَّل المحرم إلى آخر ذي الحجة، والسَّنة من كلِّ يومٍ إلى مثله من القابل، نقله ابن الخباز في «شرح اللمع» له.

وسُمِّي العام عامًا؛ لأنَّ الشَّمس عامت فيه حتَّى قطعت جملة الفلك؛ لأنَّها تقطعُ الفلك كلَّه في السَّنة مرَّةً، وتقطع في كلِّ شهرٍ برجًا من البروج الاثني عشر، وإنَّما علَّق الله تعالى على الشَّمس أحكام اليوم من الصَّلاة والصِّيام حيث كان ذلك مشاهدًا بالبصر لا يحتاج إلى حسابٍ ولا إلى كتاب، فالصَّلاة تتعلَّق بطلوع الفجر، وطلوع الشَّمس وزوالها، وصيرورة

ج 19 ص 525

ظلِّ كلِّ شيءٍ مثله بعد ما زالت الشَّمس، وبغروب الشَّمس.

والسَّنة القمرية أقل من الشَّمسية بمقدار معلوم، وبسبب ذلك النُّقصان تنتقل الشُّهور القمريَّة من فصل إلى آخر، فيقع الحجِّ تارةً في الشِّتاء وتارةً في الصَّيف.

وذكر الطَّبري أنَّهم كانوا يجعلون السَّنة ثلاثة عشر شهرًا، ومن وجهٍ آخر يجعلونها اثني عشر شهرًا وخمسة وعشرين يومًا، فتدور الأيام والشُّهور كذلك. وقول من قال إنَّ حجَّة الصِّدِّيق رضي الله عنه سنة تسع كانت في ذي القعدة فيه نظرٌ؛ لأنَّ الله تعالى قال {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} [التوبة 3] وإنَّما كان ذلك في حجَّة أبي بكرٍ رضي الله عنه، فلو لم تكن في ذي الحجة لما قال تعالى {يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} فتدبَّر.

(مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) لعظم حرمتها، وحرمة الذَّنب فيها، أو لحرمة القتال فيها (ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ) أي متتابعات، وهو تفسير الأربعة الحرم. قال ابن التِّين الصَّواب ثلاثة متواليات؛ يعني لأنَّ المميز الشَّهر قال ولعلَّه أعاد على المعنى؛ أي ثلاث مُدَدٍ متواليات، انتهى.

أو باعتبار العدَّة مع أنَّ الَّذي لا يُذكر التَّمييز بعده يجوز فيه التَّذكير والتأنيث، وقد وقع في رواية أبي ذرٍّ .

(ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ) بفتح القاف والحاء وكسرهما، لكن المشهور في القَعدة الفتح، والحِجَّة الكسر (وَرَجَبُ مُضَرَ) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة، وهي القبيلةُ المشهورة، وإنَّما أضيف إليهم لأنَّهم كانوا متمسِّكين بتعظيمه ولم يغيِّروه عن مكانه دون غيرهم، ورجب من التَّرجيب وهو التَّعظيم، ويجمع على أرجابٍ ورجاب ورجبات.

(الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) والمراد بجمادى جمادى الآخرة، وقد يذكر ويؤنث، فيُقال جمادى الأول والأولى، وجمادى الآخر والآخرة، ويُجمع على جماديات كحبارى وحباريات. وسُمِّي بذلك لجمود الماء فيه، وكأنَّه حين وضع أوَّلًا اتَّفق جمود الماء فيه، وإلَّا فالشهورُ تدور.

ثمَّ قوله «الَّذي بين جمادى وشعبان» تأكيد وتصحيح لقول مضر، ونفي لقول ربيعة أنَّ رجبًا هو الشَّهر الَّذي بين شعبان وشوال وهو اليوم رمضان، وكان من العرب من يجعل في رجب وشعبان ما ذُكِر في المحرم وصفر، فيحلون

ج 19 ص 526

رجبًا، ويحرمون شعبان، وإنَّما كانت الأشهر الحرم أربعة ثلاثة سردٍ وواحد فرد لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحرَّم قبل شهر الحجِّ شهر ليسار فيه إلى الحجِّ وهو ذو العقدة؛ لأنَّه يقعدون فيه عن القتال، وحرم ذو الحجة؛ لأنَّهم يوقعون فيه الحج، ويشتغلون بأداء المناسك، وحرَّم بعده شهر آخر وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحرم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار لمن يقدم إليه من أقصى الجزيرة فيزوره ثمَّ يعود إلى وطنه آمنًا.

وقد تمسَّك من قال بأنَّها من سنتين بقوله (( ثلاثٌ متواليات ذو القعدة وذو الحجَّة والمحرم وواحدٌ فرد وهو رجب ) ).

وقد روي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا (( أوَّلهن رجب ) )لكن في إسناده ضعفٌ، وعن أهل المدينة أنَّها من سنتين، وأوَّلها ذو القعدة ثمَّ ذو الحجة ثمَّ المحرم [ثم رجب آخرها] ، وعن أهل الكوفة أنَّها من سنةٍ واحدةٍ أوَّلها المحرم ثمَّ رجب ثمَّ ذو القعدة ثمَّ ذو الحجة.

واختلف أيُّها أفضل؟ فقال بعض الشَّافعيَّة رجب، وضعَّفه النَّووي وغيره. وقيل المحرم، قاله الحسن ورجَّحه النَّووي، وقيل ذو الحجَّة روي عن سعيد بن جبير وغيره، وقال بعضُهم إذا رأيت العرب السَّادات قد تركوا العادات وحرموا الغارات، قالوا محرم، وإذا ضعفت أبدانهم واصفرَّت ألوانهم، قالوا صفر، وإذا زهرت البساتين وظهرت الرَّياحين، قالوا ربيعان، وإذا قلَّت الثِّمار وجمد الماء، قالوا جماديَّان وإذا هاجت الرِّياح وجرت الأنهار وترجبت الأشجار قالوا رجب، وإذا بانت الفضائل وتشعَّبت القبائل قالوا شعبان، وإذا حمي الفضاء وطغى جمر الغضاء قالوا رمضان، وإذا انكشفت السَّحاب وظهر الذُّباب وشالت النُّوق الأذناب، قالوا شوال، وإذا قعد التُّجَّار عن الأسفار، قالوا ذو القعدة، وإذا قصدوا الحجَّ من كلِّ فجٍّ وأظهر العج والثج، قالوا ذو الحجة.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، وقد مضى في أوائل كتاب «بدء الخلق» . [خ¦3197]

ج 19 ص 527

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت