4670 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضم العين، من غير إضافة، واسمه في الأصل عبد الله بن [إسماعيل بن] محمد، أبو محمد الكوفي القرشي الهبَّاري، من ولد هبَّار بن الأسود (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ عُبَيْدِ اللَّه) بضم العين، هو ابنُ عبد الله بن عمر العمري (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ لَمَّا تُوُفِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتية، ابن سلول المنافق. وسلول أم عبد الله، وهو غير منصرفٍ. وقد سقط في رواية غير أبي ذرٍّ لفظ . وقال الواقدي، ثمَّ الحاكم في «الإكليل» أنَّه مات بعد منصرفهم من تبوك، وذلك في ذي القعدة سنة تسع، وكانت مدَّة مرضه عشرين يومًا، وابتداؤها من ليالٍ بقيت من شوال.
وقالوا وكان قد تخلَّف هو ومن معه عن غزوة تبوك، وفيهم نزلت {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا} [التوبة 47] . وهذا يدفع قول ابن التِّين أنَّ هذه القصَّة كانت في أوَّل الإسلام قبل تقرير الأحكام.
(جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) وكان من المخلصين وفضلاء الصَّحابة (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ فَأَعْطَاهُ) أي أعطى النَّبي صلى الله عليه وسلم قميصه عبد الله (ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ) وفي رواية الطَّبري من طريق الشَّعبي لما احتضر عبد الله جاءَ ابنه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبيَّ الله إنَّ أبي قد احتضرَ، وأحبُّ أن تشهده وتصلِّي عليه، قال (( ما اسمك ) )قال الحُبَاب _ بضم المهملة وتخفيف الموحدتين _، قال (( بل أنت عبد الله، الحُبَاب اسم شيطان ) ). وكان عبدُ الله بن عبد الله هذا قد شهدَ بدرًا وما بعدها، واستُشهدَ يوم اليمامة في خلافةِ أبي بكر رضي الله عنه.
ومن مناقبه أنَّه بلغه بعضَ مقالات أبيه، فجاءَ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم يستأذنُه في قتله، فقال (( بل أحسن
ج 19 ص 544
صحبته )) . أخرجه ابنُ منده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، بإسنادٍ حسنٍ.
هذا وكأنَّ عبد الله بن عبد الله كان يحملُ أمر أبيه على ظاهر الإسلام، فلذلك التمسَ من النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يحضرَ عنده ويصلِّي عليه، ولا سيَّما وقد وردَ ما يدلُّ على أنَّه فعلَ ذلك بعهدٍ من أبيه.
ويؤيِّد ذلك ما أخرجه عبد الرَّزَّاق عن معمر، والطَّبري من طريق سعيدٍ كلاهما عن قتادة، قال أرسل عبد الله بن أبي إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فلمَّا دخل عليه قال (( أهلكك حبُّ يهود ) )، فقال يا رسول الله، إنَّما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبِّخني، ثمَّ سأله أن يُعطيه قميصَه يُكفَّن فيه، فأجابه.
وهذا مرسلٌ مع ثقةِ رجاله، ويعضده ما أخرجه الطَّبراني من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال لمَّا مرضَ عبد الله بن أبي جاءه النَّبي صلى الله عليه وسلم، فكلَّمه فقال قد فهمت ما تقول فامننْ عليَّ فكفنِّي في قميصك، وصلِّ عليَّ، ففعل.
وكأنَّ عبد الله بن أبي أراد بذلك دفعَ العار عن ولده وعشيرته بعد موتهِ، فأظهر الرَّغبة في صلاة النَّبي صلى الله عليه وسلم عليه، ووقعت إجابته إلى سؤاله على حسب ما ظهرَ من حاله إلى أن كشفَ الله الغطاء عن ذلك. وهذا من أحسنِ الأجوبة فيما يتعلَّق بهذه القصَّة، فالنَّهي عن الاستغفار لمن مات مشركًا لا يستلزمُ النَّهي عن الاستغفار لمن مات مظهرًا للإسلام.
(فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ) كذا في رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت وابن عساكر والأصيلي بزيادة ، وسقط في رواية غيرهم (فَقَامَ عُمَرُ) أي ابن الخطَّاب رضي الله عنه (فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُصَلِّي عَلَيْهِ) وفي نسخة بإثبات همزة الاستفهام الإنكاري. وفي رواية التِّرمذي من هذا الوجه (( فقام إليه، فلمَّا وقف عليه يريد الصَّلاة عليه وثبت إليه فقال يا رسول الله أتصلِّي على ابن أبي، وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا ) )، أُعدِّد عليه قوله، يشير بذلك إلى مثل قوله {لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون 8] . وسيأتي بيانه في تفسير «المنافقين» [خ¦4900] إن شاء الله تعالى.
ج 19 ص 545
(وَقَدْ نَهَاكَ) أي والحال أنَّه قد نهاك (رَبُّكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ) كذا في هذه الرِّواية إطلاق النَّهي عن الصَّلاة، وقد استُشكل ذلك جدًّا، حتَّى قال بعضهم إنَّه وهمٌ من رواته، وعاكسه غيره، فزعم أنَّ عمر رضي الله عنه اطَّلع على نهيٍ، فأُقِرَّ [1] في ذلك.
وقال القرطبي لعلَّ ذلك وقعَ في خاطر عمر رضي الله عنه، فيكون من قبيلِ الإلهام، ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله تعالى {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة 113] . وأنت خبيرٌ بأنَّ الثَّاني أقرب من الأول. وإنَّما استُشكل ذلك؛ لأنَّه لم يتقدَّم النَّهي عن الصَّلاة على المنافقين بدليل أنَّه قال في آخر هذا الحديث قال (( فأنزل الله {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ} ) ).
قال الحافظ العسقلاني والَّذي يظهر أنَّ في رواية الباب تجوُّزًا تبينه الرِّواية التي في الباب الَّذي بعده [خ¦4672] من وجهٍ آخر عن عبيد الله بن عمر بلفظ فقال تصلِّي عليه وقد نهاك الله أن تستغفرَ لهم.
وروى عبد بن حميد والطَّبري من طريق الشَّعبي عن ابن عمر عن عمر رضي الله عنهما قال أرادَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلِّي على عبدِ الله بن أبي، فأخذت بثوبه، فقلت والله ما أمرك الله بهذا، لقد قال {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِيْنَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة 80] .
ووقع عند ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما فقال عمر أتصلِّي عليه، وقد نهاك الله أن تصلِّي عليه؟ قال (( أين؟ ) )قال قال {اسْتَغْفِرْ لَهُمُ} الآية.
وهذا مثل رواية الباب، وكأنَّ عمر رضي الله عنه فهم من الآية المذكورة ما هو الأكثر الأغلب من لسان العرب من أن (( أو ) )ليست للتَّخيير، بل للتَّسوية في عدم الوصف المذكور؛ أي أنَّ الاستغفار لهم وعدم الاستغفار سواءٌ، وهو كقوله تعالى {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [المنافقون 6] . لكنَّ الثَّانية أصرح، ولهذا ورد أنَّها نزلت بعد هذه القصَّة، وفهم عمر رضي الله تعالى عنه أيضًا من قوله {سَبْعِيْنَ مَرَّةً} أنَّها للمبالغة، وأنَّ العدد المعيَّن لا مفهوم له، بل المراد نفي المغفرة لهم، ولو كثُر الاستغفار، فيحصل له من ذلك النَّهي عن الاستغفار، فأطلقه.
وفهم أيضًا أنَّ المقصودَ
ج 19 ص 546
الأعظم من الصَّلاة على الميِّت طلب المغفرة للميِّت والشَّفاعة له، فلذلك استلزم عنده النَّهي عن الاستغفار ترك الصَّلاة، فلذلك جاء عنه في هذه الرِّواية إطلاق النَّهي عن الصَّلاة، ولهذه الأمور استنكر إرادة الصَّلاة على عبد الله بن أبي.
هذا تقريرُ ما صدر عن عمر رضي الله عنه مع ما عُرِف من شدَّة صلابته في الدِّين، وكثرة بغضهِ للكفَّار والمنافقين. وهو القائل في حقِّ حاطب بن أبي بلتعة مع ما كان له من الفضلِ كشهوده بدرًا وغير ذلك؛ لكونه كاتب قريشًا قبل الفتح دعني يا رسول الله أضربُ عنقه، فقد نافق، فلذلك أقدم على كلامه للنَّبي صلى الله عليه وسلم بما قال، ولم يلتفت إلى احتمال إجراء الكلام على ظاهره؛ لما غلبَ عليه من الصَّلابة المذكورة.
والحاصل أنَّه سوَّى بين الاستغفار وعدمه في عدم النَّفع، وعلَّل ذلك بكفرهم، وقد ثبت في الشَّرع امتناع المغفرة لمن مات كافرًا، والدُّعاء بوقوع ما عُلِم انتفاء وقوعه شرعًا أو عقلًا ممتنع.
ولا ريب أنَّ الصَّلاة على الميِّت المشرك استغفارٌ له ودعاء، وقد نهي عنه، فتكون الصَّلاة عليه منهيًّا عنها. وقال الزَّين ابن المنير وإنَّما قال عمر رضي الله عنه ذلك حرصًا على النَّبي صلى الله عليه وسلم ومشورةً، لا إلزامًا، وله عوائد بذلك. ولا يبعدُ أن يكون النَّبي صلى الله عليه وسلم كان أذن له في مثل ذلك، فلا يستلزم ما وقع من عمر رضي الله عنه أنَّه اجتهد مع وجود النَّصِّ كما تمسَّك به قومٌ في جواز ذلك، وإنَّما أشار بالَّذي ظهر له فقط.
ولهذا احتمل منه النَّبي صلى الله عليه وسلم أخذَه بثوبه، ومخاطبته له في مثل ذلك المقام حتَّى التفتَ إليه متبسِّمًا كما في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما في هذا الباب [خ¦4671] .
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ) أي بين الاستغفار وعدمه (فَقَالَ {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} [التوبة 80] وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ) وعن عبد بن حميد من طريق قتادة (( فوالله لأزيدنَّ على السَّبعين ) ). وفي حديث ابن عبَّاس عن عمر رضي الله عنهم
ج 19 ص 547
من الزِّيادة [خ¦4671] (( فتبسَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أخِّر عنِّي يا عمر، فلمَّا أكثرت عليه، قال إنِّي خُيِّرت فاخترت ) )أي بين الاستغفار وعدمه، وقد بيَّن ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما [خ¦4672] حيث ذكر الآية المذكورة.
وقوله في حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه [خ¦4671] (( لو أعلم أنِّي إن زدتُ على السَّبعين يُغْفَر له لزدت عليها ) ). وحديث ابن عمر رضي الله عنهما جازمٌ بقصة الزِّيادة.
وآكدُ منه ما روى عبد بن حميدٍ من طريق قتادة قال لمَّا نزلت {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} قال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( قد خيَّرني ربِّي فوالله لأزيدنَّ على السَّبعين ) ). وأخرجه الطَّبري من طريق مجاهدٍ مثله، والطَّبري أيضًا وابن أبي حاتم من طريق هشام بن عروة عن أبيه مثله. وهذه طرقٌ وإن كانت مراسيل فإنَّ بعضها يعضد بعضًا.
ودلَّ ذلك على أنَّه صلى الله عليه وسلم أطالَ في حال الصَّلاة عليه من الاستغفار له.
وقد ورد ما يدلُّ على ذلك، فذكر الواقدي أنَّ مجمعَ بن حارثة قال ما رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أطالَ على جنازةٍ قطُّ ما أطالَ على جنازة عبد الله بن أبي من الوقوف.
وروى الطَّبري من طريق مغيرة عن الشَّعبي قال قال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( قال الله تعالى {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِيْنَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة 80] فأنا أستغفر سبعين وسبعين وسبعين ) ).
والحاصل أنَّه صلى الله عليه وسلم حمل عدد السَّبعين على حقيقتهِ، وحملَ عمر رضي الله عنه على المبالغة كما تقدم.
وقد تمسَّك بهذه القصَّة من جعل مفهوم العدد حجَّةً، وكذا مفهوم الصِّفة من باب الأولى. ووجه الدَّلالة أنَّه صلى الله عليه وسلم فهم أنَّ ما زاد على السَّبعين بخلاف السَّبعين، فقال سأزيده على السَّبعين.
قال الخطَّابي فيه حجَّةٌ لمن رأى الحكم بالمفهوم؛ لأنَّه جعل السَّبعين بمنزلة الشَّرط، فإذا جاوزَ هذا العدد كان الحكم بخلافه.
وأجاب من أنكر القول بالمفهوم بما وقع في بقيَّة القصَّة، وليس ذلك بدافعٍ للحجَّة؛ لأنَّه لو لم يقم الدَّليل على أنَّ المقصود بالسَّبعين المبالغة؛ لكان الاستدلال بالمفهوم باقيًا.
وقال الزَّمخشري فإن قلت كيف خفيَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ السَّبعين مثل في التَّكثير، وهو أفصحُ العرب وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته. والَّذي يفهم
ج 19 ص 548
من ذكر العدد كثرة الاستغفار، كيف وقد تلاه بقوله ذلك بأنَّهم كفروا الآية، فبيَّن الصَّارف عن المغفرة لهم حين قال (( خيَّرني ربِّي وسأزيد على السَّبعين ) ). قلت إنَّه لم يخف عليه ذلك، ولكنَّه خيل بما قال إظهارًا لغاية رحمتهِ وشفقتهِ على من بُعْث إليه، كقول إبراهيم عليه السَّلام {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم 36] .
وفي إظهار النَّبي الرَّحمة والرَّأفة لطف لأمَّته، ودعاء لهم إلى ترحُّم بعضهم على بعضٍ. انتهى.
قال في «فتوح الغيب» قوله خيل؛ أي صوَّر في خياله، أو في خيال السَّامع ظاهر اللَّفظ، وهو العددُ المخصوص دون المعنى الخفيِّ، وهو التَّكثير كما أنَّ إبراهيم عليه السلام ما عدَّ عصيانه في قوله {وَمَنْ عَصَانِي} عصيان الله المراد منه عبادة الأصنام. قال وهو من أسلوبِ التَّورية، وهو أن يطلقَ لفظ له معنيان قريبٌ وبعيدٌ، فيُراد البعيد منهما.
وتعقَّب بعضُهم ذلك بأنَّه يجب عليه صلى الله عليه وسلم إظهار ما علم من الله في أمر الكفر وما ترتَّب عليه من العقاب للزَّجر، وبأنَّه يستلزمُ جواز الاستغفار للكافر مع العلم بأنَّه لا يجوز، ولذا قيل ما كان يعرف كفره، فليتأمَّل.
(قَالَ) أي عمر رضي الله عنه (إِنَّهُ مُنَافِقٌ، قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أمَّا جزم عمر رضي الله عنه بأنَّه منافقٌ، فجرى على ما كان يطَّلع عليه من أحواله، وإنَّما لم يأخذ النَّبي صلى الله عليه وسلم بقوله، وصلَّى عليه إجراءً له على ظاهر حكم الإسلام كما تقدَّم تقريره، واستصحابًا لظاهر الحكم، ولما فيه من إكرام ولده الَّذي تحققت صلاحيَّته، ولمصلحة الاستئلاف لقومه، ودفع المفسدة، وكان النَّبي صلى الله عليه وسلم في أوَّل الأمر يصبر على أذى المشركين، ويعفو ويصفح، ثمَّ أُمر بقتال المشركين، فاستمرَّ صفحه وعفوه عمَّن يظهر الإسلام. ولو كان باطنه على خلافِ ذلك لمصلحة الاستئلاف وعدم التَّنفير عنه، ولذلك قال (( لا يتحدَّث النَّاس أنَّ محمدًا يقتلُ أصحابه ) ).
فلمَّا حصل الفتح ودخلَ المشركون في الإسلام، وقلَّ أهل الكفر وذلُّوا، أُمر بمجاهرة
ج 19 ص 549
المنافقين وحملهم على حكم مُرِّ الحق، ولاسيِّما وقد كان ذلك قبل نزول النَّهي الصَّريح عن الصَّلاة على المنافقين، وغير ذلك ممَّا أُمر فيه بمجاهدتهم، وبهذا التَّقرير يندفعُ الإشكال عمَّا وقع.
وقال الخطابي إنَّما فعل النَّبي صلى الله عليه وسلم مع عبد الله بن أبي ما فعل؛ لكمال شفقتهِ على من تعلَّق بطرفٍ من الدِّين، ولتطييب قلبِ ولده عبد الله الرَّجل الصَّالح، وليتألَّف قومه من الخزرج لرئاستهِ فيهم، فلو لم يُجب سؤال ابنه وترك الصَّلاة عليه قبل ورود النَّهي الصَّريح؛ لكان سُبَّة على ابنه، وعارًا على قومه، فاستعمل أحسن الأمرين في السِّياسة إلى أن نُهيَ.
وتبعه ابن بطَّال وعبَّر بقوله ورجا أن يكون معتقدًا لبعضِ ما كان يظهرُه من الإسلام.
وتعقَّبه ابن المنير بأنَّ الإيمان لا يتبعَّض، وهو كما قال، لكن مراد ابن بطَّال أنَّ إيمانه كان ضعيفًا.
وقد مال بعضُ أهل الحديث إلى تصحيحِ إسلام عبد الله بن أبي؛ لكون النَّبي صلى الله عليه وسلم صلَّى عليه.
وذهلَ عن الوارد من الآيات والأحاديث المصرِّحة في حقِّه بما ينافي ذلك، ولم يقفْ على جوابٍ شاف في ذلك، فأقدم على الدَّعوى المذكورة، وهو محجوجٌ بإجماع من قبله على نقيض ما قال، وإطباقهِم على ترك ذكره في كتب الصَّحابة مع شهرتهِ، وذكرهم من هو دونه في الشَّرف والشُّهرة بأضعافٍ مضاعفةٍ.
وقد أخرج الطَّبري من طريق سعيد عن قتادة في هذه القصَّة قال فأنزلَ الله تعالى {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة 84] قال ذكر لنا أنَّ نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم قال (( وما يُغني عنه قميصي من الله، وإنِّي لأرجو أن يُسلم بذلك ألفٌ من قومه ) ). وقد روي أنَّ ألفًا من الخزرج أسلموا لمَّا رأوه يستشفي بثوبه، ويتوقَّع اندفاع العذاب به.
(فَأَنْزَلَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ ( {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة 84] ) زاد مسدد في حديثه عن يحيى القطَّان عن عبيد الله في آخره (( فترك الصَّلاة عليهم ) ). أخرجه ابنُ أبي حاتم عن أبيه عن مسدد وحماد بن زاذان عن يحيى، وقد أخرجه البخاري في «الجنائز» [خ¦1269] عن مسدد] بدون هذه الزِّيادة. وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( فصلَّى عليه ثمَّ انصرفَ فلم يمكث إلَّا يسيرًا حتَّى نزلت ) ).
وزاد ابن إسحاق في «المغازي» قال حدَّثني الزُّهري بسنده في ثاني حديثي الباب قال (( فما صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافقٍ بعده حتَّى قبضَه الله ) ). ومن هذا الوجه أخرجه ابنُ أبي حاتم، وأخرجه الطَّبري من وجهٍ آخر عن ابن إسحاق، فزاد فيه (( ولا قام على قبره ) ).
وروى عبد الرَّزَّاق عن مَعمر عن قتادة قال لما نزلت {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة 80] قال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( لأزيدنَّ على السَّبعين ) )فأنزل الله تعالى {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [المنافقون 6] ورجاله ثقاتٌ مع إرساله. ويحتمل أن تكون الآيتان معًا نزلتا في ذلك.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة. وقد مضى
ج 19 ص 550
الحديث في كتاب «الجنائز» ، في باب «الكفن في القميص» [خ¦1269] .
[1] كذا في الأصل وفي فتح الباري « ... على نهي خاص في ذلك»