4672 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ويُروى (إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ) بلفظ الفاعل، من الإنذار القرشيِّ الحزامي المدني، قال (أَخْبَرَنَا) ويُروى (أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) اللَّيثي أبو ضمرة المدني (عَنْ عُبَيْدِ اللَّه) بضم العين، هو ابنُ عبد الله بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما شقيق سالم (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، أَنَّهُ قَالَ) وسقط لفظ في رواية أبي ذرٍّ (لَمَّا تُوُفِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) زاد في الرِّواية السَّابقة [خ¦4670] من طريق أبي أسامة عن عبيد الله (( فسأله أن يُعطيَه قميصه يُكفِّن فيه أباه ) ).
(فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ، وَأَمَرَهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ
ج 19 ص 553
بالفاء بدل الواو (أَنْ يُكَفِّنَهُ فِيهِ، ثُمَّ قَامَ) صلى الله عليه وسلم (يُصَلِّي عَلَيْهِ، فَأَخَذَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِثَوْبِهِ، فَقَالَ تُصَلِّي عَلَيْهِ) استفهام حذفت منه الأداة (وَهْوَ مُنَافِقٌ) أي والحال أنَّه منافقٌ (وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُمْ) أي للمنافقين، ومن لوازم النَّهي عن الاستغفار عدم الصَّلاة عليه، وقد ظهر بهذه الرِّواية أنَّ في قوله في طريق أبي أسامة عن عبيد الله (( وقد نهاك ربُّك أن تُصلِّي عليه ) )تجوُّزًا كما تقدَّم [خ¦4670] ، وحينئذٍ فلا منافاة بين قوله «وقد نهاك ربك أن تُصلِّي عليه» ، وبين إخباره بأنَّ آية النَّهي عن الصَّلاة على كلِّ مشرك، والقيام على قبرهِ نزلت بعد ذلك.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ) بين الاستغفار وعدمهِ (أَوْ أَخْبَرَنِي اللَّه) بالموحدة بدل التحتية وزيادة همزة في أوِّله من الإخبار، وقد سقط لفظة الجلالة في قوله في رواية أبي ذرٍّ، كذا وقع بالشَّك، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن أبي ضمرة الذي أخرجه البخاري من طريقه بلفظ (( إنَّما خيَّرني الله ) )بغير شكٍّ، وكذا في أكثر الرِّوايات بلفظ التَّخيير بين الاستغفار وعدمه من غير شكٍّ كما تقدَّم.
(فَقَالَ {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة 80] ) وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله (( فلن يغفر الله لهم ) ) (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (سَأَزِيدُهُ) بضمير المفعول (عَلَى سَبْعِينَ) وفي نسخة (قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ) وفيه أنَّ عمر رضي الله عنه ترك رأي نفسه، وتابع النَّبي صلى الله عليه وسلم (ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْه) وفي رواية أبي ذرٍّ على البناء للمفعول ( {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} ) للدَّفن أو الزيارة ( {إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة 84] ) تعليل للنَّهي، والتَّعليل بالفسق مع أنَّ الكفر أعظم، قيل للإشعار بأنَّه كان عندهم موصوفًا بالفسق أيضًا، فإنَّ الكافرَ قد يكون عدلًا عند أهله،
ج 19 ص 554
وإنَّما نهي عن الصَّلاة دون التَّكفين؛ لأنَّ البخل به مخلٌّ بكرمه صلى الله عليه وسلم، أو لإلباسه العبَّاس قميصه حين أُسر ببدر، فكافأه صلى الله عليه وسلم؛ لئلا يكون للمنافق منَّة عليه، أو لأنَّه صلى الله عليه وسلم ما كان يردُّ سائلًا، وتكفينه فيه وإن علم صلى الله عليه وسلم أنَّه لا يرد عنه العذاب؛ لأنَّ ابنه قال لا تشمِّت بي الأعداء.
وروى أحمدُ من حديث قتادة (( قال ابنه يا رسول الله، إن لم تأته نُعيَّر بهذا ) )، أو رجاء إسلام غيره كما مرَّ، قد سقط في رواية أبي ذرٍّ قوله (( ولا تقم على قبره ) ). .. إلى آخره.
تكميل قال الزَّين ابن المنير ليس عند أهل البيان تردُّد في أن التَّخصيص بالعدد في هذا السِّياق غير مراد. انتهى. وأيضًا فشرطُ القول بمفهوم الصِّفة وكذا العدد عندهم مماثلة المنطوق للمسكوت عنه، وعدم فائدة أخرى، وهنا للمبالغة فائدة واضحةٌ، فأشكل قوله «سأزيدهُ على السَّبعين» مع أنَّ حكم ما زاد عليها حكمها. وقد أجاب بعض المتأخِّرين عن ذلك بأنه صلى الله عليه وسلم إنَّما قال «سأزيده على السَّبعين» استمالة لقلوب عشيرته، لا أنَّه أراد أنَّه إن زاد على السَّبعين يُغفرُ له.
ويؤيِّده تردُّده في ثاني حديثي الباب [خ¦4671] حيث قال «لو أعلم أنِّي إن زدت على السَّبعين يُغفرْ له لزدت» ، لكن قد تقدَّم أنَّ الرواية ثبتت بقوله «سأزيدُه» ووعده صادقٌ، ولاسيَّما وقد ثبت قوله (( لأزيدنَّ ) )بصيغة المبالغة في التَّأكيد. وأجاب بعضُهم باحتمال أن يكون فعل ذلك استصحابًا للحال؛ لأنَّ جواز المغفرة بالزِّيادة كان ثابتًا قبل مجيءَ الآية، فجاز أن يكون باقيًا على أصلهِ في الجواز.
وحاصله أنَّ العملَ بالبقاء على حكم الأصل مع فهم المبالغة لا يتنافيان، وكأنَّه جوَّز أنَّ المغفرةَ تحصل بالزِّيادة على السبعين، لا أنَّه جازم بذلك، ولا يخفَى ما فيه، وقيل الاستغفار يَتَنَزَّل منزلة الدُّعاء، والعبد إذا سأل ربَّه حاجة فسؤاله إيَّاه عبادة يتنزَّل منزلة الذكر، لكنَّه من حيث طلب تعجيلِ حصول المطلوب ليس بعبادة، فإذا كان كذلك فالمغفرة
ج 19 ص 555
في نفسها ممكنةٌ، وتعلق العلم بعدم نفعها لا بغير ذلك، فيكون طلبها لا لغرض حصولها، بل لتعظيم الدَّعوة، فإذا تعذَّرت المغفرة عُوِّض الدَّاعي عنها ما يليقُ به من الثَّواب، أو دفع السُّوء، كما ثبتَ في الخبر، وقد يحصلُ بذلك عن المدعو لهم تخفيف، كما في قصَّة أبي طالب هذا معنى ما قاله ابن المنير. وفيه نظر؛ لأنَّه يستلزم مشروعيَّة طلب المغفرة لمن تستحيل المغفرة له شرعًا، وقد أنكر ذلك إنكارًا في قوله تعالى {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة 113] . ووقع في أصل هذه القصَّة إشكال آخر، وذلك أنَّه صلى الله عليه وسلم أطلق أنَّه خُيِّر بين الاستغفار لهم، وعدمه بقوله تعالى {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [التوبة 80] .
وأخذ بمفهوم العدد من السَّبعين فقال سأزيدُ عليها مع أنَّه قد سبق قبل ذلك بمدَّة طويلة نزول قوله تعالى {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} [التوبة 113] فإن هذه الآية كما سيأتي في تفسير هذه السُّورة قريبًا، وهي نزلت في قصَّة أبي طالب حين قال صلى الله عليه وسلم (( لأستغفرنَّ لك ما لم أُنه عنه ) )فنزلت.
وكانت وفاةُ أبي طالب بمكَّة قبل الهجرة اتِّفاقًا، وقصَّة عبد الله بن أبيِّ هذه في السنة التَّاسعة من الهجرة كما تقدَّم، فكيف يجوزُ مع ذلك الاستغفار للمنافقين مع الجزم بكفرهم في نفس الآية.
وقد أجاب عنه بعضهم بما حاصله أنَّ المنهي عنه استغفار يُرجى إجابته حتى يكون مقصوده تحصيل المغفرة له كما في قصَّة أبي طالب، بخلافِ الاستغفار لمثل عبد الله بن أبيٍّ، فإنَّه استغفار لقصدِ تطييب قلوب من بقي منهم، ولم يرض الحافظ العسقلاني بهذا الجواب، قال ونحوه ما أجاب به الزَّمخشري، وقد تقدَّم فيما سبق [خ¦4670] .
وقد تعقَّبه ابن المنير وغيره بأنَّه لا يجوز نسبة ما قاله الزَّمخشري إلى الرسولِ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ الله أخبر أنَّه لا يغفر للكفَّار، وإذا كان لا يغفر لهم فطلب المغفرة لهم مستحيل، وطلب المستحيل لا يقعُ من النَّبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال إنَّ النَّهي عن الاستغفارِ لمن مات مشركًا لا يستلزمُ النَّهي عن
ج 19 ص 556
الاستغفار لمن مات مظهرًا للإسلام؛ لاحتمال أن يكون معتقده صحيحًا.
قال الحافظُ العسقلاني وهذا جواب جيِّد. ومن المشكل أيضًا ما وقعَ في بقيَّة الآية من التَّصريح بأنَّهم كفروا بالله ورسوله. ويجابُ عنه بأنَّه نزلَ متراخيًا عن القصَّة، ويكون الذي نزلَ، وتمسَّك به النَّبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة 80] إلى هنا خاصَّة، ولذلك اقتصرَ صلى الله عليه وسلم في جواب عمر رضي الله عنه على التَّخيير، وعلى ذكر السَّبعين، فلمَّا وقعت القصَّة المذكورة كشف الله عنهم الغطاء، وفضحهم على رؤوس الملأ، ونادى عليهم بأنَّهم كفروا بالله ورسوله.
ولعلَّ هذا هو السِّر في اقتصار البخاري في التَّرجمة من هذه الآية على هذا القدر إلى قوله {فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} ولم يقع في شيء من نسخ كتابه تكميل الآية كما جرت به العادة من اختلاف الرُّواة عنه في ذلك، وإذا تأمَّل المتأمِّل الصَّادق وجد الحامل على ردِّ من رد الحديث أو تعسَّف في التَّأويل ظنه بأن قوله {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} نزل مع قوله {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لهم} وإلَّا فإذا فُرض أنَّ هذا القدر نزلَ متراخيًا عن صدر الآية ارتفع الإشكال.
وأمَّا لو فرض نزولها كاملة؛ لاقترنت بالنَّهي العلة، وهي صريحةٌ في أنَّ قليل الاستغفار وكثيره لا يجدي، فإذا كان الأمر كذلك فحجَّة المتمسِّك من القصَّة بمفهوم العدد صحيح، وكون ذلك وقع من النَّبي صلى الله عليه وسلم تمسُّكًا بالظَّاهر على ما هو المشروع في الأحكام إلى أن يقوم الدَّليل الصَّارف عن ذلك، والله تعالى أعلم.