4677 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي نسخة (مُحَمَّدٌ) واختلف في محمَّد شيخ البخاري، فقال الحاكم هو محمَّد بن النَّضر النَّيسابوري، وقد مرَّ في «تفسير سورة الأنفال» [خ¦4649] وقال مرَّة هو محمَّد بن إبراهيم البوشنجي. وقال أبو علي الغساني هو محمَّد بن يحيى الذُّهلي. وأيَّد ذلك أنَّ الحديث في علل حديث الزُّهري للذُّهلي عن أحمد بن أبي شعيب، والبخاري يستمدُّ منه كثيرًا، وهو يهملُ نسبته غالبًا.
(حَدَّثَنَا) أي قال حدَّثنا (أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ) نسبه إلى جدِّه، واسم أبيه عبد الله بن أبي شعيب الحراني، واسم أبي شعيب مسلم، وهو كنيتُه لا كنية عبد الله، وكنية أحمد أبو الحسن، وهو ثقةٌ، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين باتِّفاق، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع. قال الحافظ العسقلاني هكذا وقع في رواية الأكثر، ووقع في رواية ابن السَّكن بدون ذكر محمَّد المختلف فيه، فصار للبخاري عن أحمد بن أبي شعيب بلا واسطة، والمشهورُ هو الأول، وإن كان أحمد بن أبي شعيب من مشايخ المؤلف.
(حَدَّثَنِي) أي قال حدثني (مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ) بفتح الهمزة والياء وسكون المهملة بينهما، الجزري _ بالجيم والزاي والراء _، قال (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ) الجزري أيضًا (أَنَّ الزُّهْرِيَّ) ابن شهاب (حَدَّثَهُ قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (قَالَ سَمِعْتُ أَبِي كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، وَهْوَ) أي كعب هو (أَحَدُ الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ) بكسر الفوقية وسكون التحتية مجهول تاب توبة (أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ غَزْوَةِ الْعُسْرَةِ)
ج 19 ص 566
ضد اليسرة، وهي غزوة تبوك.
(وَغَزْوَةِ بدر قَالَ فَأَجْمَعْتُ) أي عزمت (صِدْقَ رَسُولِ اللَّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكشميهني (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي بعد أن بلغه أنَّه صلى الله عليه وسلم توجَّه قافلًا من الغزو، واهتمَّ لتخلفه من غير عذرٍ، وتفكر بما يخرجُ به من سخط الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وطفق يتذكَّر الكذب لذلك، فأزاح الله عنه الباطلَ، فأجمع على الصِّدق؛ أي جزم به، وعقد عليه قصده (ضُحًى) أي وأصبحَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قادمًا في رمضان ضحى، وسقطت هذه اللَّفظة من كثيرٍ من الأصول.
(وَكَانَ) صلى الله عليه وسلم (قَلَّمَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ سَافَرَهُ إِلاَّ ضُحًى، وَكَانَ يَبْدَأُ بِالْمَسْجِدِ، فَيَرْكَعُ) فيه (رَكْعَتَيْنِ) أي قبل أن يدخلَ منزله (وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي بعد أن اعترفَ بين يديه أنَّه تخلَّف من غير عذر، وقوله صلى الله عليه وسلم له (( قم حتَّى يقضي الله فيك ) ) (عَنْ كَلاَمِي وَكَلاَمِ صَاحِبَيَّ) وهما هلال بن أميَّة، ومرارة بن الرَّبيع؛ لكونهما تخلَّفا بغير عذر واعترفا كذلك (وَلَمْ يَنْهَ عَنْ كَلاَمِ أَحَدٍ مِنَ الْمُتَخَلِّفِينَ غَيْرِنَا) وهم الذين اعتذروا إليه، وقبل منهم علانيتهم، واستغفرَ لهم، ووكل سرائرهُم إلى الله، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا (فَاجْتَنَبَ النَّاسُ كَلاَمَنَا) أيها الثَّلاثة.
قال كعب (فَلَبِثْتُ كَذَلِكَ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ الأَمْرُ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ) من أهمَّني الأمر إذا أقلقك وأحزنك (مِنْ أَنْ أَمُوتَ فَلاَ يُصَلِّي عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ يَمُوتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكُونَ مِنَ النَّاسِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، فَلاَ يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلاَ يُصَلِّي عَلَيَّ) بكسر لام يصلِّي، وفي نسخة بفتحها، وكذا ضبطَه العيني، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكشميهني بدل يصلِّي.
وحكى القاضي عياض أنَّه وقع لبعض الرُّواة (( فلا يكلِّمني أحد منهم ولا يسلِّمني ) )واستبعده؛ لأنَّ المعروف أن السَّلام إنَّما يتعدَّى بحرف الجرِّ، وقد يوجَّه بأن يكون اتباعًا ليكلمني، أو يرجع إلى قول من فسَّر السَّلام بأن معناه أنت مسلم منِّي.
ج 19 ص 567
(فَأَنْزَلَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ) بعد مضي خمسين ليلة من النَّهي عن كلامهم (وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ) رضي الله عنها، والواو للحال، واسم أم سلمة هند على الصَّحيح (وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً فِي شَأْنِي، مَعْنِيَّةً) بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر النون وتشديد التحتية؛ أي ذات اعتناء كذا في رواية الأكثر، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكشميهني بضم الميم وكسر العين المهملة فتحتية ساكنة فنون؛ أي ذات إعانة.
قال الحافظ العسقلاني من العون. وتعقَّبه العيني بأنها ليست بمشتقَّة من العون، وليس بوارد على ما لا يخفى. قال الحافظ العسقلاني والأوَّل أنسب؛ أي أليقُ بالحديث.
(فِي أَمْرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أُمَّ سَلَمَةَ، تِيبَ عَلَى كَعْبٍ قَالَتْ) وفي نسخة بالفاء (أَفَلاَ أُرْسِلُ إِلَيْهِ) بهمزة الاستفهام (فَأَبْشُرهُ) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وضم المعجمة المخففة والراء، من البشارة، ويُروى بضم الهمزة وفتح الموحدة وكسر المعجمة المشددة (قَالَ إِذًا يَحْطِمَكُمُ النَّاسُ) من الحطم _ بالمهملتين _ وهو الدوس، وهو منصوب بإذًا، وفي رواية المستملي والكشميهني بفتح الطاء المهملة من الخطف، وهو مجاز عن الازدحام (فَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ) بإثبات النون بعد الواو، وفي رواية الأصيلي بحذفها (سَائِرَ اللَّيْلَةِ) أي باقيها (حَتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاَةَ الْفَجْرِ آذَنَ) بمد الهمزة؛ أي أعلم.
(بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا، وَكَانَ) صلى الله عليه وسلم (إِذَا اسْتَبْشَرَ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ الْقَمَرِ) شبَّه به دون الشمس؛ لأنَّه يملأُ الأرض بنورهِ، ويؤنسُ كلَّ من شاهده، ويجمعُ النُّور من غيرِ أذى، ويتمكَّن من النَّظر إليه، بخلافِ الشَّمس؛ فإنها تكل البصر، فلا يتمكَّن من النَّظر إليها، والتَّقييد بالقطعة مع كثرة ما ورد في كثير من كلام البلغاء من التَّشبيه بالقمر من غير تقييد، وقد كان كعب قائل هذا من شعراء الصَّحابة فلا بدَّ في التقييد بذلك من حكمة، وما قيل في ذلك من الاحتراز من السَّواد الذي في القمر ليس بقويٍّ؛ لأنَّ المراد بتشبيهه
ج 19 ص 568
ما في القمر من الضِّياء والاستنارة، وهو في تمامه لا يكون فيها أقل ممَّا في القطعة المجرَّدة، فكأنَّ التَّشبيه وقعَ على بعض الوجه، فناسبَ أن يشبه ببعض القمر.
(وَكُنَّا أَيُّهَا الثَّلاَثَةُ) بلفظ النداء، ومعناه الاختصاصُ (الَّذِينَ خُلِّفُوا) وفي رواية أبي ذرٍّ (عَنِ الأَمْرِ الَّذِي قُبِلَ) بضم أوله على البناء للمفعول (مِنْ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا) ووكَل سرائرهم إلى الله عزَّ وجلَّ، وليس المراد التخلُّف عن الغزو، بل التخلُّف عن حكم أمثالهم من المتخلفين عن الغزو الذين اعتذروا وقبل اعتذارهم (حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (لَنَا التَّوْبَةَ، فَلَمَّا ذُكِرَ) بضم الذال على البناء للمفعول (الَّذِينَ كَذَبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بتخفيف ذال «كذَبوا» ونصب «رسولَ الله» ؛ لأنَّ كذب يتعدى بدون الصلة.
(مِنَ الْمُتَخَلِّفِينَ) ويُروى (وَاعْتَذَرُوا) وفي نسخة بالفاء (بِالْبَاطِلِ، ذُكِرُوا بِشَرِّ مَا ذُكِرَ بِهِ أَحَدٌ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ} ) يعني المنافقين في التخلُّف ( {إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ} ) من الغزو ( {قُلْ لاَ تَعْتَذِرُوا} ) بالمعاذير الكاذبة ( {لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ} ) أي لن نصدِّقكم أن لكم عذرًا ( {قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} [التوبة 94] الآيَةَ) أي قد أخبرنا الله تعالى سرائركم وما تُخفي صُدوركم، وسيرى الله عملكُم ورسوله فيما بعد أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه، (( ثمَّ تردُّون إلى عالم الغيبِ والشَّهادة فينبِّئكم ) )؛ أي فيخبركُم (( بما كنتُم تعملون ) )في السِّر والعلانية، ويجازيكُم عليه، وذكر الرَّسول؛ لأنه شهيد عليهم، وسقط قوله في رواية أبي ذرٍّ، وهذا الحديث قطعة من حديث كعب قد ذكره البخاري تامًّا في «المغازي» [خ¦4418] .
ومطابقته للآية ظاهرة.