فهرس الكتاب

الصفحة 6785 من 11127

4683 - (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) هو عبدُ الله بن الزُّبير بن عيسى الحميدي، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، قال (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابنُ دينار (قَالَ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما ( {أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ} ) بفتح التحتية وضم النون الأولى وفتح الأخرى، وهي القراءةُ المشهورة ( {صُدُورَهُمْ} ) بالنصب على المفعولية، وفي رواية أبي ذرٍّ بإثبات التحتية بعد النون وضم النون الأولى بالنصب أيضًا، وفي بعض الحواشي الموثوق بها وهو في اليونينية. قال الحمويي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما ثلاثة أوجه

{يَثْنُونَ} بفتح التحتية وسكون المثلثة وضم النون الأولى وفتح الثَّانية، وهي قراءة الجمهور.

و (( يثنُونُي ) )بالتحتية وضم النون الأولى وبعد الثَّانية التحتية. و (( تثنَوني ) )أي بالفوقية وفتح النون الأولى وتحتية بعد الثَّانية، ولسعيد بن منصور عن ابن عُيينة (( يثنوني ) )أوله تحتانية وزاد (( وعن حميد الأعرج عن مُجاهد كان يقرؤها كذلك ) ).

( {لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} [هود 5] . وَقَالَ غَيْرُهُ) أي غير عمرو بن دينار (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما في قوله ( {يَسْتَغْشُونَ} يُغَطُّونَ رُؤُوسَهُمْ) قال الحافظُ العسقلاني وتفسير التغشِّي بالتَّغطية متَّفق عليه، وتخصيصُ ذلك بالرأس يحتاجُ إلى توقيف وهو مقبولٌ من مثل ابن عبَّاس رضي الله عنهما يُقال منه استغشى بثوبهِ وتغشَّاه، قال الشَّاعر

~وَتَارَةً أَتَغَشَّى فَضْلَ أَطْمَارِي

وقد وصله الطَّبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

( {سِيءَ بِهِمْ} سَاءَ ظَنُّهُ بِقَوْمِهِ {وَضَاقَ بِهِمْ} [هود 77] بِأَضْيَافِهِ) أشار به إلى قوله تعالى {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} [هود 77] وهو تفسير ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وصله الطَّبري من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه، {وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ} ساء ظنًا بقومه وضاق ذرعًا بأضيافهِ، ويلزم منه اختلاف الضَّميرين، فالضَّمير في (( سيءِ بهم ) )يرجع إلى قوم لوطٍ، والذي في (( ضاقَ بهم ) )يرجعُ إلى الأضياف وهم الملائكةُ الذين أتوا لوطًا عليه السَّلام في صورة غلمان مرد، فلمَّا نظرَ إلى حسنِ وجوهِهِم، وطيبِ رائحتِهِم، أشفق عليهم من قومهِ، وضاقَ صدره،

ج 20 ص 8

وعظمَ المكروه عليه. قال الزَّجَّاج يُقال ضاقَ زيد بأمره ذرعًا إذا لم يجد من المكروه الذي أصابه مخلصًا.

( {بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} [هود 81] بِسَوَادٍ) أشار به إلى قوله تعالى {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ} [هود 81] وفسَّر القِطعَ «بسواد» ، وقد وصله ابنُ أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما. وقال أبو عُبيدة معناه ببعض من اللَّيل، وروى عبد الرَّزاق عن مَعمر عن قَتادة بطائفةٍ من اللَّيل (وَقَالَ مُجَاهِدٌ {أُنِيبُ} أَرْجِعُ) أشار به إلى قوله تعالى {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود 88] وفسَّر (أُنيب) من الإنابة بقوله «أرجع» ، كذا في رواية الأكثر، ووقع في رواية أبي ذرٍّ بدون نسبته إلى مُجاهد، فأوهم أنَّه عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما كالذي قبله، وقد وصله عبد بن حُميد من طريق ابن أبي نجيح عن مُجاهد، وسقط لفظ ، في رواية غير أبي ذرٍّ وأبي الوقت، ووقع في روايتهما بزيادته.

واعلم أنه قد وقع هنا تفسير ألفاظ قبل قوله (باب {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود 7] ) في بعض النُّسخ وهي التي نذكره ( {سِجِّيلٌ} [هود 82] الشَّدِيدُ الْكَبِيرُ) بالموحدة، وفي نسخة بالمثلثة (سِجِّيلٌ وَسِجِّينٌ، وَاللاَّمُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ، وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ وَرَجْلَةٍ يَضْرِبُونَ الْبَيْضَ ضَاحِيَةً ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الأَبْطَالُ سِجِّينَا) أشار به إلى قوله تعالى {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مَّنضُودٍ} [هود 82] ، وفسَّر بقوله «الشَّديد الكبير» ، وهو كلام أبي عُبيدة بمعناه، قال هو الشَّديد من الحجارة الصَّلبة ومن الضَّرب أيضًا.

قال ابنُ مقبل فذكره، قال وقوله (( سجيلًا ) )أي شديدًا، وبعضُهم يحول اللام نونًا، وقال في موضع آخر السجِّيل الشَّديد الكثير، وقد تعقَّبه ابن قُتيبة وابن التِّين بأنَّه لو كان معنى السجِّيل الشَّديد الكبير لما دخلت عليه «من» ، وكان يقول حجارة سجيلًا؛ لأنه لا يُقال حجارة من شديد، ويُمكن أن يُقال فيه حذف تقديره وأرسلنا عليهم حجارةً كائنة من شديد كبير؛ يعني من حجرٍ قوي شديدٍ صلبٍ.

وقوله (( سِجِّيل وسِجِّين ) )أراد به أنَّهما لغتان بمعنى واحدٍ. وقوله «واللام والنون أختان» إشارة إلى أنَّهما مثلان من حيث أنَّهما من حروف الزَّوائد، وأنَّ كلاًّ منهما يقلبُ عن الآخر، واستشهد

ج 20 ص 9

على ذلك بقول تميم بن أبي بن مقبل بن حبيب بن عوف بن قتيبة بن عجلان بن كعب بن عامر بن صَعْصعة العامري العجلاني شاعرٌ مخضرمٌ أدرك الجاهليَّة والإسلام، وكان أعرابيًا جافيًا من الشُّعراء المجيدين، والبيت المذكور من جملة قصيدته التي ذكر فيها ليلى زوج أبيه، وكان خلف عليها، فلمَّا فرَّق الإسلام بينهما، قال

~طَافَ الخَيَالُ بِنَا رَكْبًا يَمَانَيْنا وَدُوْنَ لَيْلَى عَوَادِ لُوْ تُعَدِّيْنَا

إلى أن قال ورجلة البيت.

قال الكرمانيُّ الرَّجلة بمعنى الرجالة ضدُّ الفرسان. وقال الحافظُ العسقلاني ورَجْلة _ بفتح الراء ويجوز كسرها وسكون الجيم _ على تقدير ذوي رجلة.

وقال العيني ردًا على الكرمانيِّ وليس بمعنى الرِّجالة إلَّا الرجل بدون التاء، وهو جمع راجل خلاف الفارس، مثل صحب جمع صاحب، والظَّاهر أنه بضم الراء والتَّقدير وذوي رُجلة أي رجولية، يُقال رجل جيِّد الرُّجلة _ بالضم _؛ أي كامل في الرُّجوليَّة. وقال الكرمانيُّ أيضًا وهو بالجرِّ، وقيل بالنَّصب عطفًا على ما قبله وهو قوله فإن فينا صبوحًا، ولم يبين وجه الجرِّ.

قال العيني إنَّ الواو فيه واو ربَّ؛ أي رب ذوي رجلة، وحكى ابن التِّين بالحاء المهملة، ولم يُبيِّن وجهه، فإن صحَّ ذلك فوجهه أن يُقال تقديره وذوي رُحلة _ بالضم _؛ أي قوَّة وشدَّة، يُقال ناقة ذات رحلة؛ أي ذات شدَّة وقوَّة على السَّير، حكي هذا عن أبي عَمرو.

وقوله «البِيض» ، روي بكسر الباء على أنَّه جمع أبيض وهو السَّيف، وروي بفتح الباء أيضًا فيكون جمع بَيْضة الحديد، فعلى الثَّاني المراد مواضع البيض وهي الرُّؤوس، وعلى الأوَّل المراد أنَّهم يضربون بالبيض على نزع الخافضِ.

قال الحافظُ العسقلاني والثَّاني أوجه. وقوله «ضاحية» ؛ أي في وقت الضَّحوة أو ظاهرة. وقوله «تواصى» ؛ أصله تتواصَى حُذفت إحدى التاءين، وروي (( تواصت ) )بالتَّاء في آخره. وقوله «الأبطال» ، جمع بطل، وهو الشُّجاع. وقوله «سِجِّينًا» _ بكسر المهملة وتشديد الجيم _ صفة ضربًا؛ أي ضربًا شديدًا.

قال الحسنُ بن المظفَّر النَّيسابوري هو فعيل من السَّجن كأنَّه سجن وثَبَّت من وقع فيه فلا يبرحُ مكانه. وعن ابنِ الأعرابي أنَّه رواه بالخاء المعجمة؛ أي ضربًا سخيًا حارًا، وأمَّا السِّجيل فقال ابنُ قتيبة السِّجيل بالفارسية سنك وكِل؛ أي حجارة وطين.

ج 20 ص 10

وسَنْك _ بفتح السين المهملة وسكون النون وبالكاف الصمَّاء _ هو الحجرُ بالفارسيَّة، وكِلْ _ بكسر الكاف الصماء وسكون اللام _ الطِّين فلمَّا عُرب كسرت السين؛ لأنَّ العرب إذا استعملت لفظًا أعجميًا يتصرَّفون فيه بتغيير الحركات وقلب بعض الحروف بعضًا، وقد ذكروا أقوالًا في لفظ سجِّيل، فقيل هو عربي، وقيل مُعرب كما تقدَّم، وقيل هو الحجارة كالمدرِ، وقيل حجارة من سجِّيل طبخت بنار جهنَّم مكتوبٌ عليه أسماء القوم.

وقال الحسن أصله طين شويت، وقال الضَّحَّاك يعني الآجر، وقال ابنُ زيد طبخ حتَّى صار كالآجر، وقيل هو اسم للسَّماء الدُّنيا. وقال عكرمة سجيل بحرٌ معلَّق في الهواء بين السَّماء والأرض منها نزلت الحجارة، وقيل هي جبال في السَّماء وهي التي أشارَ الله عزَّ وجلَّ إليها بقوله {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ} [النور 43] .

وقال الثَّعلبي قيل هو فعيل من قول العرب أسجلته إذا أرسلتْه، فكأنَّها مرسلة عليهم، وقيل هو من سجلت له سجلًا إذا أعطيته، كأنَّهم أعطوا ذلك البلاء والعذاب، وقال القزَّاز سجِّيل عال.

( {اسْتَعْمَرَكُمْ} جَعَلَكُمْ عُمَّارًا، أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهْيَ عُمْرَى جَعَلْتُهَا لَهُ) أشار به إلى قوله تعالى {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود 61] وفسَّره بقوله «جعلكم عُمَّارًا» ، وهذا تفسير أبي عُبيدة، وهكذا روي عن مُجاهد. وقوله «أعمرته الدَّار. .. » إلى آخره مرَّ في «كتاب الهبة» [خ¦5625 قبل] . وقوله «جعلتها له» ؛ أي ملكًا له مدَّة عمره، وقيل معنى (استعمركُم فيها) أقدركم على عمارتها وأمركُم بها، وهذا لم يثبت إلَّا في رواية أبي ذرٍّ.

( {نَكِرَهُمْ} وَأَنْكَرَهُمْ وَاسْتَنْكَرَهُمْ وَاحِدٌ) أشار به إلى قوله تعالى {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} [هود 70] الآية أي فلمَّا رأى أيدي الملائكة لا تصل إلى عجل حنيذٍ الذي قَدَّمه إليهم حين جاؤوه خاف منهم فقالوا (( لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ) ) [هود 70] لا تخف إنَّا أرسلنا إلى قومِ لوطٍ، وأشار إلى أنَّ معنى {نَكِرَهُمْ} الثُّلاثي المجرَّد، وأنكرهم الثُّلاثي المزيد فيه من الأفعال، واستنكرهُم من الاستفعال كلها بمعنى واحدٍ بمعنى الإنكار، وهو قول أبي عُبيدة وأنشد

~وَأَنْكَرَتْنِي وَمَا كَانَ الَّذِي نَكِرَتْ

وقال الجوهري نَكِرت الرَّجل _ بالكسر _ نكرًا ونكورًا وأنكرته واستنكرته كلُّه بمعنى.

( {حَمِيدٌ مَجِيدٌ} كَأَنَّهُ فَعِيلٌ مِنْ مَاجِدٍ، مَحْمُودٌ مِنْ حَمِدَ) أشار به إلى قوله تعالى رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ

ج 20 ص 11

أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [هود 73] أي إنَّ الله هو الذي يستحقُّ الحمدَ والمجد، وهو الشَّرف والرِّفعة، يقال رجلٌ ماجد إذا كان سخيًّا واسع العطاء، والمعنى هنا يفعل ما يستحقُّ به الحمد، ويوصل العبد إلى مراده فلا يبعد أن يرزقَه الولد في إبَّان الكبر.

وقوله «كأنَّه فعيل» ، ليس محل الشَّك حتَّى يُقال «كأنَّه فعيل» ؛ أي كأنَّ وزنه فعيل بل هو على وزن فعيل من صيغة ماجد وحميد أيضًا فعيل بمعنى محمود. وقوله «من حمد» ؛ أي أخذ حميد من حمد على البناء للمفعول.

وقال الطِّيبيِ المجيد مبالغة الماجد من المجدِ وهو سعةُ الكرم من قولهم مجدت الماشية إذا صادفت روضة أُنُفًا وأمجدها الرَّاعي، وقيل المجيد بمعنى العظيم الرَّفيع القدر.

وقال الحافظُ العسقلاني والحميد فعيل من حَمِد فهو حامد؛ أي يحمد من يُطيعه، أو هو حميد بمعنى محمود من حمد على البناء للمفعول. والمجيدُ فعيل من مَجُد _ بضم الجيم _ يَمْجُد كشرف يشرفُ، وأصله الرِّفعة. وقال أيضًا كذا وقع هنا، والذي في كلام أبي عُبيدة حميد مجيد؛ أي محمود ماجد، وهذا هو الصَّواب، انتهى.

( {إِجْرَامِي} هُوَ مَصْدَرٌ مِنْ أَجْرَمْتُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ جَرَمْتُ) أشار به إلى قوله عزَّ وجلَّ {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ} [هود 35] . قال الزَّمخشري وإجرامي بلفظ المصدر والجمع كقوله {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} [محمَّد 26] وينصر الجمع أن فسَّروه بآثامي. والمعنى إن صح وثبت أني افتريته فعلي عقوبة إجرامِي؛ أي افترائي، وحيث لم يصحَّ فأنا بريءٌ من نسبةِ الافتراء إليَّ، ويُقال الإجرامُ اكتساب السَّيئة يُقال أجرم فهو مجرم.

وقوله «وبعضهم يقول جَرَمتُ» ؛ يعني من الثلاثي المجرَّد، وهو من قول أبي عُبيدة، وجَرَمت بمعنى كسبت، و (( أم ) )في قوله (( أم يُقُولُونَ ) )منقطعة تفيد الإضراب عن النُّصح، فيكون نسبة الافتراء إلى نوح عليه السَّلام. وذهب بعضهم إلى أنَّه اعتراض خوطب به النَّبي صلى الله عليه وسلم. وقد سقط لفظ في رواية أبي ذرٍّ.

( {الفُلْكِ} وَالفَلَكُ وَاحِدٌ، وَهِيَ السَّفِينَةُ وَالسُّفُنُ) أشار به إلى قوله تعالى {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} [هود 37] وأشار بأنَّ الفلك يطلقُ على الواحد، وعلى الجمع بلفظ واحد، فلذلك قال وهي السَّفينة والسُّفن؛ أي الفُلك إذا أُطلق على الواحد يكون المعنى السَّفينة والفاء فيهما مضمومة، فضمَّة المفرد مثل ضمَّة قُفل، وضمة الجمع مثل ضمة أُسد جمع أسد.

وقال الحافظُ العسقلاني كذا وقع لبعضهم

ج 20 ص 12

بضم الفاء فيهما وسكون اللام في الأولى وفتحها في الثَّانية، ولآخرين بفتحتين في الأولى وبضم ثم سكون في الثَّانية، ورجَّحه ابن التِّين، وقال الأوَّل واحد، والثَّاني جمع مثل أَسَد وأُسْد.

وقال القاضي عياض ولبعضهم بضم ثم سكون فيهما جميعًا، وهو الصَّواب، والمراد أن الجمعَ والواحد بلفظ واحد، وقد وردَ ذلك في القرآن، فقال تعالى في الواحد {فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [الشعراء 119] وقال في الجمع {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} [يونس 22] والذي في كلام أبي عُبيدة الفُلْك واحد وجمع وهي السَّفينة والسُّفن، وهذا أوضح في المراد.

( {مُجْرَاهَا} مَدْفَعُهَا، وَهُوَ مَصْدَرُ أَجْرَيتُ، وَأَرْسَيتُ حَبَسْتُ) أشار به إلى قوله تعالى {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [هود 41] وفسَّر (( مُجراها ) )بضم الميم بقوله «مدفعها» ، وأراد به مسيرها. وقال أبو عُبيدة موقفها بواو وقاف وفاء.

قال الحافظُ العسقلاني وهو تصحيفٌ لم أره في شيء من النُّسخ، ثمَّ وجدت ابن التِّين حكاها عن رواية الشَّيخ أبي الحسن القابسي، قال وليس بصحيحٍ؛ لأنَّه فاسد المعنى، والصَّواب ما في الأصل بدال ثمَّ فاء ثمَّ عين. وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( مجراها ) )حيث تجري (( ومرساها ) )حيث ترسي، وقوله «وهو مصدرٌ أجريتْ» أراد به المصدر الميمي، والمصدر على بابه من أجريتُ إجراء، وقوله «وأرسيتُ حبستُ» ؛ أي معنى أرسيت حبست.

(وَيُقْرَأُ) بالتحتية، وفي نسخة بالفوقية (((مَرْسَاهَا ) )) بفتح الميم (مِنْ رَسَتْ هِيَ) أي السَّفينة إذا ركدت واستقرَّت، وهذه القراءة مَرْوية عن ابن مسعود رضي الله عنه، رواه سعيد بن منصور بإسنادٍ حسنٍ ( {وَمَجْرِيهَا} ) يعني بفتح الميم أيضًا لكن بإمالة الراء، وهي قراءة حمزة والكسائي وحفص من رواية عاصم (مِنْ جَرَتْ هِيَ.(( وَمُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا ) )) أي ويقرأ أيضًا بضم الميم فيهما والراء والسين؛ أي الله فاعل ذلك، وهي قراءة الحسن ويحيى بن وثَّاب.

(مِنْ فُعِلَ بِهَا) قد ضبط هذا في النُّسخة المقروءة على الحافظ العسقلاني بكسر ميم مِنْ، وضم فاء فُعل على البناء للمفعول، وبفتح ميم مَن وفتح فاء فَعل على البناء للفاعل، فالظَّاهر أن الثَّاني على القراءة الأخيرة، والأوَّل على القراءتين الأوليين، والضَّمير

ج 20 ص 13

في بها للسَّفينة.

( {رَاسِيَاتٍ} ثَابِتَاتٍ) أشار به إلى قوله تعالى في سورة سبأ {وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سبأ 13] وفسَّره بقوله «ثابتات» . قال أبو عُبيدة في قوله تعالى {وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} أي ثقال ثابتات عظام، وكأنَّ البخاري ذكره هنا استطرادًا لذكر مرساها.

( {عَنِيدٍ} [هود 59] وَعَنُودٌ وَعَانِدٌ وَاحِدٌ، هُوَ تَأْكِيدُ التَّجَبُّرِ) أشار به إلى قوله تعالى {وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [هود 59] وأشار بأنَّ هذه الألفاظ الثَّلاثة معناها واحدٌ وهو تأكيد التجبُّر، وهو قول أبي عُبيدة لكن بمعناه قال وهو العادل عن الحقِّ. وقال ابنُ قتيبة المعارض المخالف، وقيل من عَنَد عَنْدًا وعُنُودًا إذا طغى، والمعنى عصوا من دعاهم إلى الإيمان وأطاعوا من دعاهم إلى الكفران.

(وَيَقُولُ وَاحِدُ الأَشْهَادِ) وفي نسخة (شَاهِدٌ، مِثْلُ صَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ) أشار به إلى قوله تعالى {وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ} [هود 18] وإلى أنَّ الأشهاد جمع واحده شاهد مثل أصحاب واحده صاحب. وقال زيدُ بن أسلم الأشهادُ الأنبياء والملائكةُ والمؤمنون.

وقال الضَّحَّاك الأنبياء والرُّسل عليهم السَّلام، وعن مُجاهد الملائكة، أخرجه عبد بن حميد عنه، وعن قَتادة الخلائق رواه ابن أبي حاتم عنه، وهذا أعمُّ من الجميع، وهذا ثابت هنا في رواية أبي ذرٍّ فقط، وسيأتي عن قريب ترجمة [خ¦4685 قبل] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت