4701 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هو ابنُ المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابنُ دينار (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس رضي الله عنهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ولم يقل صريحًا سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحتمال الواسطة، أو نسي كيفيَّة البلاغ والتحمُّل (قَالَ) أي أنَّه قالَ (إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ) أي إذا حكم الله عزَّ وجلَّ بأمر من الأمور، في نسخة (فِي السَّمَاءِ) وقد يجيء القضاءُ بمعنى الخلق؛ أي لما خلقه (ضَرَبَتِ المَلاَئِكَةُ) أي ملائكة السَّماء (بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا) بضم الخاء وسكون الضاد المعجمتين، مصدر خضع، نحو غفر غفرانًا، ويُقال خَضَع يَخْضَع خُضُوعًا وخُضْعانًا، وهو الانقيادُ والطَّاعة، ويُروى بكسر الخاء، كالوجدان، ويجوز أن يكون جمع خاضع. وقال الكرمانيُّ أي خاضعين يعني مُنقادين طَائعين.
وقال الطِّيبي إذا كان خضعانًا جمعًا كان حالًا، وإذا كان مصدرًا يجوز أن يكون مفعولًا مطلقًا لما في ضرب الأجنحة من معنى الخضوع أو مفعولًا له، وذلك لأنَّ الطَّائر إذا استشعر خوفًا أرخى جناحيه مرتعدًا.
(لِقَوْلِهِ) أي لقول الله عزَّ وجلَّ
ج 20 ص 95
(كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ) وهو الحجرُ الأملس، وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت والأصيلي وابن عساكر أي القول المسموع يُشبه صوت وقع السِّلسلة على صفوان، وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا عند ابن مردويه (( إذا تكلَّم الله بالوحي يسمع أهل السَّموات صلصلة كصلصلة السِّلسلة على الصَّفوان فيفزعون، ويرون أنَّه من أمر السَّاعة، وقرأ {حتَّى إذا فُزِّعَ} الآية [سبأ 23] ) ). وأصل الحديث عند أبي داود، وهذا التَّشبيه كالتَّشبيه في بدء الوحي بقوله (( كصلصلة الجرس ) )، وهو صوتُ المَلَك بالوحي. وقال الخطَّابي الصَّلصلة صوت الحديد إذا تحرَّك وتداخل، وكأن الرِّواية وقعت له هنا بالصَّاد، أو أراد أنَّ التَّشبيه في الموضعين بمعنى واحد.
(قَالَ عَلِيٌّ) هو ابنُ المديني شيخ البخاري (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي غير سفيان بن عُيينة (يَنْفُذُهُمْ) بفتح التحتية وضم الفاء بعدها ذال معجمة (ذَلِكَ) أي القول، والضَّمير في «ينفذهُم» للملائكة؛ أي ينفذ الله القول إليهم (فَإِذَا فُزِّعَ) أي فإذا أُزيل الخوف وذهب الفزع (عَنْ قُلُوبِهِمْ) وزوال الفزع هنا بعد سماعهم القول كالفصم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سماع الوحي (قَالُوا) أي الملائكة (مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ) أي أي شيء قال ربكم (قَالُوا) أي المقرَّبون من الملائكة كجبريل وميكائيل وغيرهما مجيبين (لِلَّذِي قَالَ) تعالى؛ أي لأجل ما قاله الله عزَّ وجلَّ، والمعنى أنَّهم عبَّروا عن قول الله وما قضاه وقدَّره بلفظ الحقَّ، وقوله (الْحَقَّ) منصوب على أنَّه صفة مصدر محذوف تقديره قال الله القول الحقَّ، ويحتمل الرفع على تقدير قال المجيبون قوله الحق، هكذا قدر الزَّمخشري في سورة سبأ في قوله تعالى {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقُّ} [سبأ 23] بالرفع، والقول يجوز أن يكون المراد به كلمة «كن» ، وأن يُراد بالحقِّ ما يُقابل الباطل، ويجوز أن يُرادَ به القول المسطور في اللَّوح المحفوظ، فالحق بمعنى الثَّابت في اللَّوح المحفوظ.
(وَهْوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) وقد روى أبو داود من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قالَ «إذا تكلَّم الله عزَّ وجلَّ
ج 20 ص 96
بالوحي سمع أهل السَّماء صلصلة كجرِّ السِّلسلة على الصَّفا، فيُصعقون، فلا يزالون كذلك حتَّى يأتيهم جبرئيل عليه السَّلام، فإذا جاء جبرئيل فُزِّع عن قلوبهم، فيقولون يا جبرئيل ماذا قال ربكم؟ فيقول الحق، فيقولون الحق الحق».
وفي حديث النَّواس بن سمعان عند الطَّبراني مرفوعًا (( إذا تكلَّم الله بالوحي أخذت السَّماء رجفةً شديدة من خوف الله تعالى، فإذا سمع ذلك أهل السَّماء صعقوا وخرُّوا سجَّدًا، فيكون أوَّلهم يرفع رأسه جبرئيل فيكلِّمه الله من وحيه بما أرادَ، فينتهي به على الملائكة كلما مرَّ بسماء سأله أهلها، ماذا قال ربنا؟ قال الحق، فينتهي به حيث أمر ) ).
(فَيَسْمَعُهَا) أي يسمع تلك الكلمة، وهي القول الذي قاله الله عزَّ وجلَّ (مُسْتَرِقُو السَّمْعِ) بحذف النون للإضافة، وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد، و (( مسترقو السَّمع ) )مبتدأ خبره قوله (هَكَذَا) ثمَّ فسَّره بقوله (وَاحِدٌ فَوْقَ آخَرَ، وَوَصَفَ سُفْيَانُ) أي ابن عيينة كيفية المستمعين بركوب بعضهم على بعض، وقال الكرمانيُّ وصفَّ _ بتشديد الفاء _، ويُروى ووصفَ (بِيَدِهِ) ويُروى (وَفَرَّجَ) وفي رواية أبي ذرٍّ بالفاء بدل الواو (بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى) أي بَيَّن ركوب بعضهم فوق بعض بأصابعه (نَصَبَهَا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ) توضيح أو بدل، وفيه معنى التشبيه؛ أي مسترقو السَّمع بعضهم راكب بعض مردفين، ركوب أصابعي هذه بعضها فوق بعض، وقوله (( ووصف ) )إلى قوله (( فوق بعض ) )اعتراض بين قوله (( فوق آخر ) )وبين قوله (فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ) أي النَّار، وقيل كواكب تُضيء، قال تعالى {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ*وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ} [الصافات 7] وسُمِّي شهابًا لبريقه، وشبّهه بالنَّار، واختلفوا في أنَّه يقتل أم لا، فعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه يحرق ولا يقتل، وقال الحسن وغيره يقتل (الْمُسْتَمِعَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ بِهَا) أي بالكلمة (إِلَى صَاحِبِهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ على البناء للمفعول به بالتَّذكير
ج 20 ص 97
(فَيُحْرِقَهُ، وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْهُ) الشِّهاب (حَتَّى يَرْمِيَ بِهَا إِلَى الَّذِي يَلِيهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ على البناء للمفعول (إِلَى الَّذِي هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ) بدل من قوله (( إلى الذي يليه ) )وقوله (( أسفل ) )مرفوع، وفي رواية أبي ذرٍّ بالنصب على الظرفية.
(حَتَّى يُلْقُوهَا) وفي نسخة (إِلَى الأَرْضِ، وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ) أي ابن عُيينة (حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الأَرْضِ فَتُلْقَى) على البناء للمفعول؛ أي الكلمة (عَلَى فَمِ السَّاحِرِ) أي المنجِّم، وفي الحديث (( المنجم ساحر ) )، وفي رواية سورة سبأ (( على لسان السَّاحر أو الكاهن ) )وفي رواية سعيد بن منصور عن سفيان (( على السَّاحر والكاهن ) ) (فَيَكْذِبُ مَعَهَا) أي فيكذب بالسَّاحر مع تلك الكلمة الملقاة على فمه (مِائَةَ كَذِبَةٍ) بفتح الكاف وكسر الذال (فَيُصَدَّقُ) على البناء للمفعول من التَّصديق، ويُروى على البناء للفاعل من الثلاثي؛ أي تُصَدَّق السَّاحر في كذباته.
(فَيَقُولُونَ) أي السَّامعون منه (أَلَمْ يُخْبِرْنَا) أي السَّاحر، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني أي السَّحرة، فيكون لفظ المفرد في الأوَّل للجنس (يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يكون كَذَا وَكَذَا) قوله (( كذا وكذا ) )كناية عن الخرافات التي يذكرها السَّاحر (فَوَجَدْنَاهُ) أي الخبر الذي أخبر به (حَقًّا لِلْكَلِمَةِ) أي لأجل الكلمة (الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ) على البناء للمفعول، والمعنى لأجل الكلمة التي سُمعت من السَّماء جعلوا كلَّ أخباره حقًّا.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة. وقد أخرجه البخاري في «التفسير» [خ¦4800] ، وفي «التوحيد» أيضًا [خ¦7481] ، وأخرجه أبو داود في الحروف، والتِّرمذي في التفسير، وابن ماجه في السنة.
(وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي ابن عيينة، قال (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابنُ دينار (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس رضي الله عنهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنَّه قال (إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ. وَزَادَ) على قوله (( فم السَّاحر ) )قوله (وَالكَاهِنِ) وسقط في رواية غير أبي ذرٍّ الواو من قوله (( والكاهن ) )،
ج 20 ص 98
وهذا الإسناد بعينه هو الإسناد السَّابق، لكنَّه موقوف في معنى المرفوع (وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ) وفي رواية أبي ذرٍّ (فَقَالَ) أي في حديثه (قَالَ عَمْرٌو) هو ابنُ دينار (سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ) يقول (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ، وَقَالَ عَلَى فَمِ السَّاحِرِ) كالرِّواية السَّابقة، لكنَّه في هذه صرَّح بالتَّحديث والسَّماع (قُلْتُ) أي قال علي بن عبد الله قلت (لِسُفْيَانَ) أي ابن عيينة (أَأَنْتَ سَمِعْتَ عَمْرًا) ثبت قوله في رواية أبي ذرٍّ، وسقط في رواية غيره.
(قَالَ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ نَعَمْ، قُلْتُ) أي قال علي بن عبد الله قلت (لِسُفْيَانَ إِنَّ إِنْسَانًا) لم يُعرف اسمه (رَوَى عَنْكَ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (وَيَرْفَعُهُ) أي ويرفع أبو هريرة رضي الله عنه الحديث إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم (أَنَّهُ قَرَأَ(( فُزِّعَ ) )) بالزاي والعين المهملة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بالراء والغين المعجمة، من قولهم فرغ الزَّاد إذا لم يبق منه شيءٌ (قَالَ سُفْيَانُ هَكَذَا) بالراء والمعجمة أو بالعكس، والظاهر هو الأوَّل. وهذه القراءة رُويت أيضًا عن الحسن وقَتادة ومجاهد، والقراءة المشهورة بالزاي والعين المهملة، وقرأ ابن عامر بفتح الفاء والزاي وبالعين المهملة.
(قَرَأَ عَمْرٌو) أي ابن دينار (فَلاَ أَدْرِي سَمِعَهُ هَكَذَا أَمْ لاَ. قَالَ سُفْيَانُ وَهْيَ) أي بالراء والغين المعجمة (قِرَاءَتُنَا) قال الكرمانيُّ كيف جازت القراءة إذا لم تكن مسموعة، وأجاب بأنه لعلَّ مذهبه جواز القراءة بدون السَّماع إذا كان المعنى صحيحًا، فافهم.