4725 - (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) هو عبد الله بن الزُّبير بن عيسى، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة قال (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (إِنَّ نَوْفًا) بفتح النون وسكون الواو وبالفاء (الْبِكَالِيَّ) بكسر الموحدة وتخفيف الكاف، ويُقال أيضًا بفتح الموحدة وتشديد الكاف، قاله الكرمانيُّ ونظر فيه العيني، وهو ابنُ فَضَالة بفتح الفاء والمعجمة، ابن امرأة كعب (يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) وإنَّما هو موسى بن ميشا بن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب.
(فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ) يريد به نَوفًا، وقد خرج منه ذلك مخرجَ الزَّجر والتَّحذير لا القدح في نوف، وإلَّا فهو مؤمنٌ مسلم حسن الإيمان والإسلام، وقد قال ذلك ابن عبَّاس رضي الله عنهما في حالِ غضبه، وألفاظ الغضبِ تقعُ على غير الحقيقة غالبًا، وتكذيبه له لكونه قال غير الواقع، ولا يلزم منه تعمُّده (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) الأنصاري رضي الله عنه (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ) وهذا نصٌّ في أنَّ موسى هو صاحبُ
ج 20 ص 187
بني إسرائيل، ففيه ردٌّ على نَوف البِكالي (فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ أَنَا) أي أعلم النَّاس، قاله بحسبِ اعتقاده؛ لأنَّه نبي ذلك الزَّمان، ولا أحدَ في زمانه أعلم منه فهو خبر صادق على المذهبين على قول من قال صِدْق الخبرِ مطابقته لاعتقادِ المخبر، ولو كان غلطًا في نفس الأمر، وعلى قول من قال صدق الخبر مطابقتُه للواقع، فهو إخبارٌ عن ظنِّه الواقع له، إذ معناه أنا أعلمُ في ظنِّي واعتقادِي، وهو كان يظنُّ ذلك قطعًا، فهو مطابقٌ للواقع، وهذا الذي ذكره هنا أبلغُ من قوله في باب «الخروج في طلبِ العلم» [خ¦78] هل تعلم أنَّ أحدًا أعلمُ منك، فقال لا، فإنَّه نفى هناك علمه، وهنا نفي على البت.
(فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ) بسكون الذال للتَّعليل (لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ) فيقول الله أعلم ونحوه، كما قالت الملائكةُ {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة 32] وعتبَ الله تعالى عليه لئلا يقتدي به فيه، من لم يبلغْ كماله في تزكيةِ نفسه، وعلوِّ درجته في أمَّته، فيهلك لما تضمَّنه من مدح الإنسان نفسه، ويورثُه ذلك الكبر والعجب وإلَّا فالأنبياء عليهم السَّلام منزَّهون عن أمثال هذه الرَّذائل (فَأَوْحَى اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (إِلَيْهِ) أي إلى موسى عليه السَّلام (إِنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ) وهو الخضرُ عليه السَّلام، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي (هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ) أي بشيءٍ مخصوصٍ لا يقتضي أفضليته به على موسى عليه السَّلام كيف وهو عليه السَّلام جمع له بين الرِّسالة والتَّكليم والتَّوراة وأنبياء بني إسرائيل كلهم داخلون تحت شريعتهِ، وغاية الخضر أن يكون واحدًا منهم.
(قَالَ مُوسَى يَا رَبِّ فَكَيْفَ لِي بِهِ) أي كيف يتهيَّأ ويتيسَّر لي أن أظفرَ به (قَالَ تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا) من السَّمك (فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ) بكسر الميم وفتح الفوقية، وهو الزَّنبيل الكبير، ويُجمع على مكاتل (فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ) بفتح القاف؛ أي تغيب عن عينيك (فَهْوَ) أي الخضر
ج 20 ص 188
(ثَمَّة) بفتح المثلثة وتشديد الميم؛ أي هناك (فَأَخَذَ) أي موسى عليه السَّلام (حُوْتًا فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ) كما وقع الأمر به (ثُمَّ انْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ بِفَتَاهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (يُوشَعَ بْنِ نُونٍ) بالصَّرف كنوح (حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ) وهي الصَّخرة التي عند مجمع البحرين، وقيل وهي التي دون نهر الزَّيت، قاله مَعْقل بن زياد، وكان أتياها ليلًا (وَضَعَا رُؤُوسَهُمَا فَنَامَا) بالفاء، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بالواو.
(وَاضْطَرَبَ الْحُوتُ) أي تحرَّك (فِي الْمِكْتَلِ) لأنَّه أصابه من ماء عين الحياة الكائنةِ في أصل الصَّخرة، فقد رُوي أنَّه كان في أصل الصَّخرة عين، يُقال لها عينُ الحياة لا يُصيبُ شيء من مائها إلَّا حيي، فأصابَ الحوت من ماء تلك العين، فتحرَّك وانسلَّ من المكتل فدخلَ البحر. وروى ابن مَرْدويه هذا وفي لفظه (( فقطرت من ذلك الماء على الحوتِ قطرة فعاش وخرجَ من المكتلِ فسقطَ في البحر ) )وقيل وكان الحوتُ مالحًا (فَخَرَجَ مِنْهُ فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا) أي مسلكًا ومذهبًا يسرب ويذهب فيه.
قال الثَّعلبي روى أبيُّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( انجاب الماءُ عن مسلك الحوتِ، فصارت كوة لم يلتئمْ فدخل موسى عليه السَّلام الكوةَ على أثرِ الحوت، فإذا هو بالخضرِ عليه السَّلام ) ).
(وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الْحُوتِ جِرْيَةَ الْمَاءِ) أي جريانه (فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلَ الطَّاقِ) أي مثل عقد البناء، وعن الكلبي توضَّأ يوشعُ من عين الحياة، فانتضحَ على الحوت المالح في المكتلِ من ذلك الماء فعاش، ثمَّ وثبَ في الماء فجعلَ يضرب بذنبه، فلا يضربُ بذنبه شيئًا في الماء وهو ذاهب إلَّا يبس (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ) أي موسى عليه السَّلام (نَسِيَ صَاحِبُهُ) يوشع (أَنْ يُخْبِرَهُ بِالْحُوتِ) أي ما كان من أمره (فَانْطَلَقَا) سائرين (بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتهمَا) بنصب الفوقية (حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا) بفتح الغين ممدودًا؛ أي طعامنا وزادنا الذي نأكله أوَّل النَّهار (لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا) أي تعبًا وشدَّة، ومراده السَّير بقيَّة اليوم والذي يليه، وفي الإشارة بهذا إشعار بأنَّ هذا المسير كان أتعب لهما ممَّا سبق، وذلك أنَّه ألقى على موسى عليه السَّلام الجوع بعد ما جاوز الصَّخرة ليتذكَّر الحوت ويرجعَ
ج 20 ص 189
إلى موضع مطلبه.
(قَالَ وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ) فألقى عليه الجوع والنَّصب، وذلك لأنَّ رجاء المطلوب يُقرِّب البعيد، والخيبة تبعدُ القريب (فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ} ) أي فإني نسيتُ أن أُخبرك بخبرِ الحوت، ونسب النِّسيان لنفسه؛ لأنَّ موسى عليه السَّلام كان نائمًا إذ ذاك، وكرهَ يوشع أن يوقظَه، ونسيَ أن يُعلمه بعد لما قدَّره الله تعالى عليهما من الخطى، ومن كُتبت عليه خُطًا مشاها.
( {وَمَا أَنْسَانِيهِ} ) أي وما أنساني ذكره ( {إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} ) نسبه للشَّيطان تأدبًا مع الباري تعالى إذ نسبة النَّقص للنفس والشَّيطان أليق بمقام الأدب ( {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} ) يجوز كون «عجبًا» مفعولًا ثانيًا لاتَّخذ؛ أي فاتَّخذ سبيله في البحر سبيلًا عجبًا، وهو كونه كالسِّرب، والجار والمجرور يتعلَّق باتخذ، وفاعل اتخذ قيل الحوت، وقيل موسى عليه السَّلام؛ أي اتخذ موسى عليه السَّلام سبيل الحوت في البحر عجبًا (قَالَ فَكَانَ) أي مدخل الحوت في الماء (لِلْحُوتِ سَرَبًا) مسلكًا (وَلِمُوسَى وَلِفَتَاهُ عَجَبًا) وهو أن أثره بقي إلى حيث سار وجمد الماء تحته، أو صار صخرًا، أو ضرب بذنبه فصار المكان يبسًا. وعند ابنِ أبي حاتم من طريق قتادة عجبَ موسى أن يسرب حوتٌ مملح في مكتل.
(فَقَالَ مُوسَى) عليه السَّلام ليوشع ( {ذَلِكَ} ) أي الذي ذكرته من حياة الحوت، ودخوله في البحر ( {مَا كُنَّا نَبْغِي} ) أي الذي كنَّا نطلبُ إذ هو آية على المطلوب ( {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} ، قَالَ رَجَعَا) أي في الطَّريق الذي جاءا فيه (يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا) أي يتَّبعان آثار مسيرهما اتباعًا. قال صاحب «الكشف» فيما حكاه الطِّيبي عنه (( قصصًا ) )مصدر لفعل مضمر يدلُّ عليه {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا} أذ معنى {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا} واقتصَّا الأثر واحدٌ (حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ) أي التي فعل فيها الحوت ما فعل كما عند النَّسائي في روايته (( فذهبا يلتمسان
ج 20 ص 190
الخضر )) .
(فَإِذَا رَجُلٌ) أي نائم (مُسَجًّى ثَوْبًا) بضم الميم وفتح المهملة وتشديد الجيم، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني أي مغطَّى كله به، وفي رواية مسلم (( مسجى ثوبًا، مُستلقيًا على القفا ) )، وفي رواية عبد بن حُميد من طريق أبي العالية (( فوجدَه نائمًا في جزيرة من جزائر البحر ملتفًا بكساء ) ) (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى) عليه السَّلام (فَقَالَ الْخَضِرُ) بفتح الخاء وكسر الضاد وسكونها، ولقد مرَّ في «أحاديث الأنبياء» [خ¦3402] سببُ تسميته بالخضر، واسمه بَلْيا _ بفتح الموحدة وسكون اللام وتخفيف المثناة التحتية مقصورًا _؛ أي قال بعد أن كشفَ وجهه، كما في الرِّواية الآتية إن شاء الله تعالى [خ¦4726] .
(وَأَنَّى) بفتح الهمزة وتشديد النون؛ أي وكيف (بِأَرْضِكَ السَّلام) أو ومن أين، وفي الرِّواية الآتية [خ¦4726] (( وهل بأرضي من سلام ) )وفيه دلالة على أنَّ أهل تلك الأرض لم يكونوا مسلمين، أو كانت تحيتهم غيره (قَالَ أَنَا مُوسَى) وفي الآتية (( قال من أنت؟ قال أنا موسى ) ) (قَالَ) أي الخضر أنت (مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ نَعَمْ، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي) وفي الآتية (( قال ما شأنك؟ قال جئت لتعلِّمني ) ) (مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا) أي علمًا ذا رشد أرشدُ به في ديني. وقال الزَّمخشري {رَشَدًا} قُرئ في القرآن بفتحتين، وبضمة وسكون، وقال أبو البقاء {رَشَدًا} مفعول تعلِّمني، ولا يجوز أن يكون مفعول {عُلِّمْتَ} ؛ لأنه لا عائد إذًا للموصول.
(قَالَ) أي الخضر لموسى عليه السَّلام ( {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا} ) أي لن تصبر على صنعي فتجترئ على السُّؤال والإنكار، نفى عنه استطاعة الصَّبر معه على وجوه من التَّأكيد، وهو علة لمنعه من اتباعه، فإنَّ موسى عليه السَّلام لمَّا قال هل أتَّبعك على أن تُعلِّمني، كأنَّه قال لا لأنك لا تستطيع معيَ صبرًا، وعبَّر بالصِّيغة الدَّالة على استمرار النَّفي لما أطلعه الله عليه من أن موسى عليه السَّلام لا يصبرُ على ترك الإنكار إذا رأى ما يُخالف ظاهر الشَّرع لمكان عصمته (يَا مُوسَى)
ج 20 ص 191
أي قال الخضر يا موسى (إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لاَ تَعْلَمُهُ أَنْتَ) وسقط في رواية لفظ (وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَ اللَّهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (لاَ أَعْلَمُهُ) والمعنى لا تعلمه جميعه، ولا أعلم جميعه.
وقال الإمام القسطلاني وهذا التَّقدير أو نحوه لا بدَّ منه، وقد غفل بعضُهم عن ذلك فقال في مجموع له لطيف في الخصائص النبويَّة إنَّ من خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم أنَّه جُمعت له الشَّريعة والحقيقة، ولم يكن للأنبياء إلَّا أحدهما بدليل قصَّة موسى عليه السَّلام مع الخضر. وقوله (( إنِّي على علم لا ينبغي لك أن تعلمَه، وأنت على علمٍ لا ينبغي لي أن أعلمَه ) )وهذا الذي قاله يلزم منه خلو أولي العزم عليهم السَّلام غير نبيِّنا صلى الله عليه وسلم من علم الحقيقة الذي لا ينبغِي خلو بعض آحاد الأولياء عنه، وإخلاء الخضر عليه السَّلام عن علم الشَّريعة الذي لا يجوز لآحاد المكلَّفين الخلو عنه، وهذا لا يخفى ما فيه من الخطر العظيم.
(فَقَالَ مُوسَى) عليه السَّلام ( {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا} ) أي على ما أرى منك غير منكر عليك، وعلَّق الوعد بالمشيئة للتيمُّن، أو علمًا منه بشدَّة الأمر وصعوبته، فإنَّ مشاهدة الفساد ظاهرًا شيءٌ لا يُطاق ( {وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} ) أي ولا أُخالفك في شيءٍ (فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ(( فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ ) )) أعلمه وتُنكره منِّي، ولم تعلم وجه صحَّته ( {حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} ) أي حتَّى أبتدئ بذكره لك، وأبين لك شأنه قبل أن تسألني (فَانْطَلَقَا) لما توافقا، واشترط عليه أن لا يسأله عن شيءٍ أنكره عليه حتَّى يبدأ به.
(يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهُمْ) أي موسى والخضر ويوشع كلَّموا أصحاب السَّفينة (أن يحملوهم، فعرفوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُ) أي الخضر ومن معه، وفي رواية أبي ذرٍّ وفي رواية أخرى له أي الثَّلاثة، وهو مبني لما لم يُسمَّ فاعله (بِغَيْرِ نَوْلٍ) بفتح النون بغير أجرٍ إكرامًا للخضرِ (فَلَمَّا رَكِبَا) أي موسى والخضر (فِي السَّفِينَةِ) لم يذكر يوشع؛ لأنَّه تابع
ج 20 ص 192
غير مقصود بالأصالة (لَمْ يَفْجَأْهُ) أي موسى عليه السَّلام؛ أي لم يفجأ، كما في رواية يُقال فجأهُ الأمرُ فُجاءة _ بضم الفاء وبالمد _ إذا أتاه بغتة من غير توقُّع، والمعنى بعد أن صارت السَّفينة في لجَّة البحر (إِلاَّ وَالْخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالْقَدُومِ) بفتح القاف وضم الدال المهملة المخففة، فانخرقت (فَقَالَ لَهُ مُوسَى) عليه السَّلام منكرًا عليه بلسان الشَّريعة (قَوْمٌ) أي هؤلاء قوم (حَمَلُونَا) وفي رواية أبي ذرٍّ .
(بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ) بفتح الميم (إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) بضم التاء وكسر الراء، من الإغراق ونصب أهلها، وقد قرئ (( ليَغْرَق أهلُها ) )بفتح التحتية والراء، من الغرق، ورفع أهلها، واللام في لتغرق للعاقبة، كما في قوله
~لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ
( {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} ) بكسر الهمزة؛ أي منكرًا، وعن القتبي عجيبًا، والأمر في كلام العرب الدَّاهية (قَالَ) أي الخضر مذكرًا لما مرّ من الشَّرط ( {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا} ) أي تحقَّق ما قلت لك (قَالَ) أي موسى عليه السَّلام للخضر ( {لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} ) من وصيتك، وفي هذا النِّسيان أقوال
أحدها أنَّه على حقيقته لما رأى فعله المؤدِّي إلى هلاك الأموال والأنفس، فلشدَّة غضبه لله نسي، ويؤيِّده قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث (( وكانت الأولى من موسى نسيانًا ) ).
الثَّاني أنه لم ينس، ولكنَّه من المعاريض، وهو مروي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما؛ لأنَّه إنَّما رأى العهد في أن يسألَ لا في إنكار هذا الفعل، فلمَّا عاتبه الخضر بقوله {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف 72] فقال {لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} [الكهف 73] أي في الماضي، ولم يقل إنِّي نسيت وصيَّتك.
الثَّالث أنَّ النِّسيان بمعنى التَّرك، وأطلقه عليه؛ لأنَّ النِّسيان سبب للترك إذ هو من ثمراته؛ أي لا تُؤاخذني بما تركته ممَّا عاهدتك عليه، فإنَّ المرة الواحدة معفوٌّ عنها ولا سيَّما إذا كان لها سبب ظاهر.
( {وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} ) أي لا تعنِّفني بما تركت من وصيَّتك ولا تطردني عنك، وقيل ولا تضيق
ج 20 ص 193
عليَّ أمري معك وصحبتي إيَّاك، أو لا تكلِّفني ما لا أقدر عليه (قَالَ) أي أبي بن كعب (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتِ الأُولَى) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشمِيهني (مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا، قَالَ وَجَاءَ عُصْفُورٌ) بضم العين (فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ نَقْرَةً، فَقَالَ لَهُ) أي لموسى عليه السَّلام (الْخَضِرُ مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ) أي من معلومه، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي (إِلاَّ مِثْلُ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ) فإن قيل نسبة القطرة إلى البحر نسبة المتناهي إلى المتناهي، ونسبة علم المخلوق إلى علم الله نسبة المتناهي إلى غير المتناهي فكيف يصحُّ التَّشبيه؟ فالجواب أنَّ المقصود من التَّشبيه بيان القلَّة والحقارة فقط، وقيل معنى نقص بمعنى أخذ يدلُّ عليه الرِّواية التي بعده.
(ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ) أي بعد أن اعتذرَ موسى عليه السلام وسأله أن لا يُرهقه من أمره عسرًا، وقيل عذره وأجاب سؤاله وأدامه على الصُّحبة (فَبَيْنَا) بغير ميم، وفي نسخة بميم (هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ، إِذْ أَبْصَرَ الْخَضِرُ غُلاَمًا يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ) قيل اسمه جيسور، وقيل حيسور، وقيل شمعون، وقيل غير ذلك ممَّا لم يثبت، واسم أبيه ملاس، واسم أمه رحمى، وكان ظريفًا وضئ الوجه، كذا ذكره المفسِّرون، ولعلَّهم نقلوه من كتب أهل الكتاب، وسيأتي بقيَّة الكلام في ذلك في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى (فَأَخَذَ الْخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَاقْتَلَعَهُ) أي فاقتلعَ الخضر رأس الغلام (فَقَتَلَهُ) وقيل أضجعه فذبحه بالسِّكين، وعن الضَّحَّاك كان غلامًا يعملُ الفساد ويتأذَّى منه أبواه.
وعن الكلبي كان يقطعُ الطَّريق ويأخذُ المتاع ويلجأُ إلى أبويه فيحلفان دونه، فأخذه الخضر فصرعَه ونزعَ رأسه من جسده، وقيل رفسه برجلهِ. وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما كان غلامًا لم يبلغ الحنث.
ج 20 ص 194
(فَقَالَ لَهُ مُوسَى) عليه السَّلام لما شاهد ذلك منكرًا عليه أشدَّ من الأول (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً) بالألف والتخفيف، وهي قراءة الحرمين وأبي عَمرو واسم فاعل من زكا؛ أي طاهرة من الذُّنوب، ووصفها بهذا الوصف؛ لأنه لم يرها أذنبت، أو لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث لكن قوله (بِغَيْرِ نَفْسٍ) يردُّه إذ لو كان لم يحتلم لم يجبْ قتله بنفس ولا بغير نفس. وقرأة الباقون بالتشديد من غير ألف أخرجوه إلى فعيلة للمبالغة، وقيل معنى زاكية مسلمة. وعن الكسائي الزَّاكية والزكيَّة لغتان. وعن أبي عَمرو الزَّاكية التي لم تذنب، والزَّكية التي أذنبت ثمَّ تابت.
وحكى القُرطبي عن صاحب «العرس والعرائس» أن موسى عليه السَّلام لما قال للخضر {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً} غضب الخضر واقتلع كتف الصَّبي الأيسر وقشر اللَّحم عنه، وإذا في عظم كتفه كافر لا يؤمنُ بالله أبدًا.
( {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا} ) أي منكرًا تنكرهُ العقول، وتنفرُ عنه النُّفوس، وهو أبلغُ في تقبيح الشَّيء من الأمر، قال قتادة وابن كيسان النُّكر أشدُّ وأعظمُ من الأمر، وقيل بالعكس؛ لأنَّ الأمر هو الدَّاهية العظيمة (قَالَ) أي الخضر ( {أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا} ) وفي «الكشاف» فإن قلت ما معنى زيادة (( لك ) )؟ قلت زيادة المكافحة بالعتاب على رفضِ الوصيَّة، والوسم بقلَّة الصَّبر عند الكرة الثَّانية.
(قَالَ) أي سفيان بن عُيينة، كما في «كتاب العلم» [خ¦122] (وَهَذَا) وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت والأصيلي (أَشَدُّ مِنَ الأُولَى) لما فيه من زيادة (( لك ) )لما عرفت (قَالَ) أي قال موسى عليه السَّلام للخضر ( {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا} ) أي بعد هذه المرَّة، أو بعد هذه القصَّة، فأعاد الضمير عليها وإن كانت لم يتقدَّم لها ذكر صريحٌ حيث كانت في ضمن القول ( {فَلاَ تُصَاحِبْنِي} ) أي فارقني وإن طلبت صُحبتك ( {قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا} ) يعني في فراقي؛ أي قد أعذرت إليَّ مرة بعد أخرى فلم يبق موضع للاعتذار ( {فَانْطَلَقَا} ) أي بعد المرَّتين الأوليين ( {حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ} )
ج 20 ص 195
قيل هي أنطاكية، وعن ابن سيرين الأُبُلَّة، وهي أبعد أرض من الخير، وقيل أذربيجان، وقيل بُرْقة، أو ناصرة، أو جزيرة الأندلس.
قال الحافظُ العسقلاني وهذا الاختلاف قريب من الاختلاف في المراد بمجمع البحرين، وشدَّة التباين في ذلك يقتضي أن لا يُوثق بشيءٍ من ذلك. وعند مسلم من رواية أبي إسحاق (( أهل قرية لئامًا ) )أي بخلاء.
( {اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} ) أي استضافاهم ( {فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا} ) أي ينزلوهما منزلة الأضياف ( {فَوَجَدَا فِيهَا} ) أي في القرية ( {جِدَارًا} ) قال وهب كان طوله في السماء مائة ذراع، وقيل عرضه خمسون ذراعًا في مائة ذراع بذراعهم، قاله الثَّعلبي. وقال غيره سمكه مائتا ذراع، وظلُّه على وجه الأرض خمسمائة ذراع، وعرضه خمسون ( {يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} ) أي يسقط وينهدم، ومنه انقضاضُ الكواكب وزوالها عن أماكنها، وقيل ينقطعُ ويتصدَّع، وإسناد الإرادة إلى الجدار على سبيل الاستعارة؛ لأنَّ الجدار لا إرادة له حقيقة، ومعناه دنا وقرب من ذلك، وقد كان أهل القرية يخافون أن يمرُّوا تحته.
(قَالَ) أي في معنى يريد أن ينقضَّ (مَائِلٌ، فَقَامَ الْخَضِرُ فَأَقَامَهُ بِيَدِهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ ؛ أي فردَّه إلى حالة الاستقامة وهذا خارق (فَقَالَ مُوسَى) عليه السَّلام لما رأى من شدَّة الحاجة والاضطرار والافتقار إلى المطَّعم، وحرمان أصحاب الجدار لهم (قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ) فاستطعمناهم واستضفناهم (فَلَمْ يُطْعِمُونَا وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) أي أُجرة وجُعلًا نستعين به في عشائنا، وقيل قِرى وضيافة، وقوله (( {لاتَّخَذت} ) )بهمزة وصل وتشديد الفوقية وفتح الخاء، وهي قراءة غير ابن كثير وأبي عَمرو وقراءتهما (( لتَخِذْتَ ) )بفتح الفوقية وتخفيفها وكسر الخاء.
(قَالَ) أي الخضر لموسى عليه السَّلام ( {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} ) بإضافة الفراق إلى البين إضافة المصدر إلى الظَّرف على الاتساع (إِلَى قَوْلِهِ {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} ) أي ذلك التَّفسير المذكور في الآية تأويل ما ضقت به ذرعًا، ولم تصبر حتَّى أُخبرك به ابتداء(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 20 ص 196
وَدِدْنَا)بفتح الواو وكسر الدال الأولى وسكون الثَّانية (أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا) إذ لو صبر لرأى أعجب الأعاجيب.
(قَالَ) ويُروى (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) أي بالسَّند السَّابق (فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (يَقْرَأُ(( وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ ) )) بفتح الميم وكسر اللام (((يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا ) ). وَكَانَ يَقْرَأُ) أيضًا (((وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ) )) وهذه قراءة شاذَّة لمخالفتها المصاحف العثمانيَّة لكنها كالتَّفسير، وهذا الحديث قد سبق في «كتاب العلم» [خ¦74] ، وأخرجه البخاري في أكثر من عشرة مواضع من كتابه [خ¦74] [خ¦122] [خ¦2728] [خ¦3278] [خ¦3400] [خ¦3401] [خ¦4725] [خ¦4726] [خ¦4727] [خ¦6672] [خ¦7478] .
ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ.