4726 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) هو ابنُ إسحاق الفرَّاء الرَّازي المعروف بالصَّغير، قال (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) اليماني قاضيها (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يَعْلَى) بفتح التحتية وسكون العين المهملة وفتح اللام وبالقصر (ابْنُ مُسْلِمٍ) بلفظ الفاعل، ابن هرمز المكِّي البصري الأصل (وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ) أي أحد المذكورين وهما يعلى بن مسلم وعَمرو بن دينار.
قال الحافظُ العسقلاني يُستفاد بيان زيادة أحدهما على الآخر من الإسناد الذي قبله، فإنَّ الأوَّل من رواية سفيان عن عمرو بن دينار فقط، وهو أحد شيخي ابن جُريج فيه.
(وَغَيْرُهُمَا) هذا من كلام ابن جُريج؛ أي وغير يعلى وعمرو (قَدْ سَمِعْتُهُ) حال كونه (يُحَدِّثُهُ) أي الحديث المذكور (عَنْ سَعِيدٍ) ويُروى وكذا في رواية أبي ذرٍّ، وكأن الأصل أن يُقال يحدِّث به، لكنَّه عداه بغير الباء، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشمِيهني بحذف الضمير المنصوب، وقد عيَّن ابن جُريج بعض من أبهمه في قوله «وغيرهما» كعثمان بن أبي سليمان، وروى شيئًا من هذه القصَّة عن سعيد بن جُبير من مشايخ ابن جُريج عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، وعبد الله بن هُرمز، وعبد الله بن عبيد بن عُمير، وممَّن روى هذا الحديث عن سعيد بن جبير أبو إسحاق السَّبيعي، وروايته عند مسلم وأبي داود وغيرهما، والحكم بن عتيبة روايته في «السِّيرة الكبرى» لابن إسحاق،
ج 20 ص 198
وسيأتي بيان ما في روايتهم من فائدة إن شاء الله تعالى.
(قَالَ إِنَّا لَعِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما حال كونه (فِي بَيْتِهِ) واللام في «لعند» للتَّأكيد (إِذْ قَالَ سَلُونِي) فيه جواز قول العالم ذلك، ومحلُّه إذا أمن العجب، أو دعت الضَّرورة إليه كخشية نسيان العلم (قُلْتُ أَيْ أَبَا عَبَّاسٍ) هي كنية عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما (جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ) فيه حجَّة لمن أجاز ذلك خلافًا لمن منعه، وسيأتي البحث فيه في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى [خ¦6186 قبل] (بِالْكُوفَةِ رَجُلٌ قَاصٌّ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بزيادة إن، في أوَّله. والقاصُّ _ بتشديد الصاد المهملة _ الذي يَقُصُّ على النَّاس الأخبار من المواعظ وغيرها.
(يُقَالُ لَهُ نَوْفٌ) بفتح النون وسكون الواو وآخره فاء منونًا منصرفًا في الفصحى، بطن من العرب، وعلى تقدير كونه أعجميًا فمنصرف أيضًا كنوْح لسكون وسطه، وفي رواية سفيان (( إن نوفًا البِكالي ) )بكسر الموحدة مخففًا، ووقع عند بعض رواة مسلم بفتح أوله وبالتشديد، والأوَّل هو الصَّواب، واسم أبيه فَضالة _ بفتح الفاء وتخفيف المعجمة _ وهو منسوب إلى بني بِكال بن دُعْمي بن سعد بن عوف بطن من حِمْير، ويُقال إنَّه ابن امرأة كعب الأحبار، وقيل ابن أخيه، وهو تابعي صدوق.
وفي التَّابعين جَبْر _ بفتح الجيم وسكون الموحدة _ ابن نوف البَكِيلي _ بفتح الموحدة وكسر الكاف مخففًا بعدها تحتانية وبعدها لام _ منسوب إلى بَكِيل بطن من همدان، ويُكنَّى أبا الودَّاك _ بالتشديد _ وهو مشهورٌ بكنيته، ومن زعم أنَّه ولد نوف البكالي فقد وهم.
(يَزْعُمُ أَنَّهُ) أي موسى صاحب الخضر (لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) المرسل إليهم، والباء زائدة للتأكيد، وأضيف إلى بني إسرائيل مع العلميَّة؛ لأنه نكر بأن أُوِّل بأحد من المسمى بموسى ثمَّ أضيف إليه. وفي رواية سفيان [خ¦4725] «يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل» ، ووقع في رواية أبي إسحاق عن سعيد بن جُبير،
ج 20 ص 199
عند النَّسائي قال كنتُ عند ابن عبَّاس رضي الله عنهما وعنده قوم من أهل الكتاب فقال بعضُهم يا أبا عبَّاس إنَّ نوفًا يزعم عن كعب الأحبار أنَّ موسى الذي طلب العلم إنَّما هو موسى بن ميشا؛ أي ابن أفرائيم بن يوسف عليه السَّلام فقال ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما أسمعت ذلك منه يا سعيد؟ قلت نعم قال كذب نوف، وليس بين الرِّوايتين تعارض؛ لأنَّه يُحمل على أنَّ سعيدًا أبهمَ نفسه في هذه الرِّواية، ويكون قوله فقال بعضُهم؛ أي بعض الحاضرين لا أهل الكتاب، ووقع عند مسلم من هذا الوجه قيل لابن عبَّاس رضي الله عنهما بدل قوله فقال بعضُهم.
(أَمَّا عَمْرٌو) أي ابن دينار (فَقَالَ لِي) أي في تحديثه لي عن سعيد (قَالَ) أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما (قَدْ كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ) أي نوف، أراد ابن جُريج أنَّ هذه الكلمة لم تقعْ في رواية يعلى، وإنَّما وقعت في رواية عَمرو، ولهذا قال (وَأَمَّا يَعْلَى فَقَالَ لِي قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، وهو كما قال، فإنَّ سفيان رواه أيضًا عن عَمرو بن دينار كما مضى [خ¦4725] ، وسقطَ ذلك في رواية يعلى بن مسلم، ثمَّ قوله (( كذب ) )وقوله (( عدو الله ) )محمولان على إرادة المبالغة في الزَّجر والتَّنفير عن تصديق تلك المقالة، وقد كانت هذه المسألة دارت أولًا بين ابن عبَّاس والحرِّ بن قيس الفزاري، وسألا عن ذلك أبيِّ بن كعب رضي الله عنه، لكن لم يُفصحْ في تلك الرِّواية ببيان ما تنازعا فيه، وقد تقدَّم بيان ذلك في «كتاب العلم» [خ¦74] .
(حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، قَالَ قَالَ) وفي رواية سفيان [خ¦4725] (( أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ) (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوسَى رَسُولُ اللَّهِ) وفي الفرع كأصله (عَلَيْهِ السَّلام) وفي نسخة أي هو موسى رسول الله (قَالَ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (ذَكَّرَ النَّاسَ يَوْمًا) بتشديد الكاف في التَّذكير؛ أي وعظهم، وفي رواية ابن إسحاق (( فَذَكَّرهم بأيَّام الله، وأيَّام الله نعماؤه ) )وفي رواية مسلم من هذا الوجه (( يُذَكِّرهم بأيَّام الله، وأيَّام الله نعماؤه وبلاؤه ) )وقد تقدَّمت الإشارة إلى ذلك في سورة إبراهيم [خ¦4698 قبل] ، وفي رواية سفيان (( قام خطيبًا
ج 20 ص 200
في بني إسرائيل )) (حَتَّى إِذَا فَاضَتِ الْعُيُونُ وَرَقَّتِ الْقُلُوبُ) لتأثير وعظهِ في قلوبهم (وَلَّى) أي رجع إلى حاله تخفيفًا لئلا يملُّوا.
قال الحافظُ العسقلاني ويظهرُ لي أن هذا القدرَ من زيادة يعلى بن مسلم على عَمرو بن دينار؛ لأنَّ ذلك لم يقعْ في رواية سفيان عن عَمرو، وهو أثبتُ النَّاس فيه، وفيه أنَّ الواعظَ إذا أثَّر وعظه في السَّامعين فخشعوا وبكوا ينبغي أن يخفف لئلا يملُّوا. وقال العوفي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما فيما ذكره ابن كثير لمَّا ظهر موسى وقومه على مصر أمره الله تعالى أن يذكرهُم بأيَّام الله، فذكَّرهم إذ أنجاهم الله من آل فرعون، وذكرهم هلاك عدوهم، وقال كلَّم الله نبيَّكم تكليمًا واصطفاهُ لنفسه، وأنزلَ عليه محبَّة منه، وآتاكُم من كلِّ ما سألتموهُ فنبيُّكم أفضلُ أهل الأرض.
(فَأَدْرَكَهُ رَجُلٌ) قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على اسمه، وهو يقتضي أنَّ السُّؤال عن ذلك وقع بعد أن فرغَ من الخطبة وتوجَّه، ورواية سفيان توهم أنَّ ذلك وقع في الخطبة، لكن يُمكنُ حملها على هذه الرِّواية، فإن لفظة (( قامَ خطيبًا في بني إسرائيل فسُئل ) )فيُحملُ على أنَّ فيه حذفًا تقديره قام خطيبًا فخطبَ ففرغَ فتوجَّه فسُئل [والذي يظهر أن السؤال وقع وموسى بعد لم يُفارق المجلس، ويؤيده أن في منازعة ابن عباس والحر بن قيس بينما] [1] موسى في ملأ بني إسرائيل جاءهُ رجل، فقال هل تعلم أحدًا أعلم منك. الحديث.
(فَقَالَ أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ فِي الأَرْضِ أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنْكَ؟ قَالَ لاَ) وفي رواية سفيان (( فسُئل أي النَّاس أعلم؟ فقال أنا ) )وبين الرِّوايتين فرق؛ لأنَّ رواية سفيان تقتضي الجزم بالأعلميَّة له، ورواية الباب تنفي الأعلميَّة عن غيره عليه، فيبقى احتمال المساواة، ويُؤيِّد رواية الباب أنَّ في قصَّة الحُرّ بن قيس [خ¦74] (( فقال هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ فقال لا ) )، وفي رواية أبي إسحاق عند مسلم (( فقال ما أعلمُ في الأرض رجلًا خيرًا وأعلم منِّي ) ) (فَعَتَبَ) بفتح العين (عَلَيْهِ) وفي «كتاب العلم» [خ¦122] (( فعتب الله عليه ) ) (إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَى اللَّهِ) وفي الرِّواية السَّابقة (قِيلَ بَلَى) وفي رواية سفيان (( فأوحى الله إليه إن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلمُ منك ) )وفي قصَّة الحُرّ بن قيس (( فأوحى الله إلى موسى بل عبدنا خضر ) )
ج 20 ص 201
وفي رواية أبي إسحاق عند مسلم (( إنَّ في الأرض رجلًا هو أعلم منك ) )، وعند عبد بن حميد من طريق هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عبَّاس رضي الله عنه (( إنَّ موسى قال يا رب أي عبادك أعلم؟ قال الذي يبتغي علم النَّاس إلى علمه، قال من هو وأين هو؟ قال الخضرُ تلقاه عند الصَّخرة، وذكر له حليته ) ). وفي هذه القصَّة وكان موسى حدَّث نفسه بشيءٍ من فضل علمه، أو ذكره على منبره.
وقد تقدَّم في «كتاب العلم» شرح هذه اللَّفظة، وبيان ما فيها من الإشكال، والجواب عنه مستوفى [خ¦122] ، ووقع في رواية أبي إسحاق عند النَّسائي (( إنَّ من عبادي من آتيته من العلم ما لم أوتك ) )وهو يُبيِّن المراد أيضًا. وعند عبد بن حُميد من طريق أبي العالية ما يدلُّ على أنَّ الجواب وقع في نفس موسى قبل أن يُسألَ، ولفظه (( لمَّا أُوتي موسى التَّوراة وكلَّمه الله وجد في نفسه أن قال من أعلم منِّي ) ). ونحوه عند النَّسائي من وجه آخر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وأنَّ ذلك وقع في حال الخُطبة ولفظه (( قامَ موسى خطيبًا في بني إسرائيل، فأبلغَ في الخطبة فعرض في نفسه أن أحدًا لم يؤت من العلم ما أوتي ) ).
(قَالَ) أي موسى عليه السَّلام (أَيْ رَبِّ، فَأَيْنَ) أي فأين هو؟ أو فأين أجدُه؛ أي في أي مكان، وفي رواية أبي ذرٍّ ، وفي رواية سفيان (( يا رب فكيف لي به ) ). وفي رواية النَّسائي (( فادلُلني على هذا الرجل حتى أتعلَّم منه ) ) (قَالَ بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ) بحر فارس والرُّوم، أو بحر المشرق والمغرب المحيطين بالأرض، أو العذب والملح (قَالَ) أي موسى عليه السَّلام (أَيْ رَبِّ، اجْعَلْ لِي عَلَمًا) بفتح العين واللام؛ أي علامة، وفي قصَّة الحُرّ بن قيس (( فجعل الله له الحوت آية ) )وفي رواية سفيان (( فكيف لي به ) )وفي قصَّة الحُرّ بن قيس (( فسأل موسى السَّبيل إلى لُقِيِّه ) ).
(أَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ) وفي نسخة أي أعلم المكان الذي أطلبه فيه بذلك العلم (فَقَالَ) وفي نسخة وهو رواية أبي ذرٍّ، أي ابن جُريج (قَالَ لِي عَمْرٌو) هو ابنُ دينار (قَالَ حَيْثُ يُفَارِقُكَ الْحُوتُ) أي العلم على ذلك المكان الذي يفارقك الحوت عنده فهو ثمَّة فتلقاه، ووقع ذلك مفسَّرًا في رواية سفيان عن عَمرو قال تأخذ معك
ج 20 ص 202
حوتًا فتجعله في مِكتل فحيث ما فقدت الحوت فارجع فإنَّك ستلقاهُ (وَقَالَ لِي يَعْلَى) هو ابنُ مسلم، القائل هو ابنُ جُريج أيضًا؛ أي قال لي يعلى في روايته (قَالَ خُذْ حُوْتًا) وفي رواية الكُشميهني وفي رواية أبي إسحاق عند مسلم (( فقيل له تزوَّد حوتًا مالحًا، فإنَّه حيث تفقد الحوت ) ).
(مَيِّتًا، حَيْثُ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ) هو بيان لقوله في الرِّوايات الأخرى (( حيث تفقدُه ) )يعني في المكان الذي يحيى الحوت (فَأَخَذَ حُوتًا) أي فأخذَ موسى عليه السَّلام حوتًا ميتًا مملوحًا، وقيل شق حوت مملَّح، وفي رواية . ووقع في رواية ابن أبي حاتم عن الرَّبيع بن أنس أنَّهما اصطاداه؛ يعني موسى وفتاه يوشع (فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ، فَقَالَ لِفَتَاهُ) في رواية سفيان (( ثمَّ انطلق وانطلق معه بفتاه ) ) (لاَ أُكَلِّفُكَ إِلاَّ أَنْ تُخْبِرَنِي بِحَيْثُ يُفَارِقُكَ الْحُوتُ، قَالَ) أي فتاه (مَا كَلَّفْتَ) بالخطاب (كَثِيرًا) بالمثلثة للأكثر، وفي رواية الكُشميهني بالموحدة (فَذَلِكَ قَوْلُهُ) وفي رواية زيادة (((وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ ) )يُوشَعَ بْنِ نُونٍ) بالصرف (لَيْسَتْ) أي قال ابنُ جُريج ليست (عَنْ سَعِيدٍ) أراد بذلك أن تسمية الفتى ليست عن رواية سعيد بن جُبير.
قال الحافظُ العسقلاني ويُحتمل أن يكون الذي نفاه صورة السِّياق لا التَّسمية، فإنَّها وقعت في رواية سفيان عن عَمرو بن دينار عن سعيد بن جُبير، ولفظه (( ثمَّ انطلق وانطلق معه بفتاهُ يوشع بن نون ) )، وقد تقدَّم بيان نسب يُوشع في «أحاديث الأنبياء» [خ¦3401] ، وأنَّه الذي قام في بني إسرائيل بعد موسى عليه السَّلام. ونقل ابن العربي أنَّه كان ابن أخت موسى عليه السَّلام، وعلى القول الذي نقله نوف بن فَضالة من أنَّ موسى صاحب هذه القصَّة ليس هو ابنُ عمران، فلا يكون فتاه يُوشع بن نون، وقد روى الطَّبري من طريق عكرمة قال قيل لابن عبَّاس رضي الله عنهما لم نسمع لفتى موسى بذكر من حين لقي الخضر فقال ابن عباس إنَّ الفتى شرب من الماء الذي شرب منه الحوت فَخُلِّد، فأخذَه العالم وطابق به بين لوحين، ثمَّ أرسله في البحر، فإنَّه ليموج به إلى يوم القيامة، وذلك أنَّه لم يكن له أن يشربَ منه.
ج 20 ص 203
قال أبو نصر القشيري إن ثبتَ هذا فليس هو يوشع.
وقال الحافظُ العسقلاني لم يثبت، فإنَّ إسناده ضعيفٌ، وزعم ابنُ العربي أنَّ ظاهر القرآن يقتضي أنَّ الفتى ليس هو يُوشع، وكأنَّه أخذه من لفظ الفتى، أو أنَّه خاصٌّ بالرَّقيق وليس بجيدٍ؛ لأنَّ الفتى مأخوذٌ من الفتيِّ وهو الشَّباب، وأُطلقَ ذلك على من يخدمُ المرء سواء كان شابًا أو شيخًا؛ لأنَّ الأغلب أن الخدمَ يكونون شبابًا.
(قَالَ فَبَيْنَمَا) بالميم (هُوَ) أي موسى عليه السَّلام وفتاه تابع له، وفي نسخة (فِي ظِلِّ صَخْرَةٍ) وفي رواية سفيان (( حتَّى إذا أتيا الصَّخرة وضعا رؤوسهما فناما ) ) (فِي مَكَانٍ) أي حال كونهما في مكان (ثَرْيَانَ) بمثلثة مفتوحة وراء ساكنة فتحتية مفتوحة وبعد الألف نون، صفة لمكان مجرور بالفتحة لأنَّه غير منصرفٍ من باب فعلان فعلى، أو منصوب حال من الضَّمير المستتر في الجار والمجرور كذا قيل، وفيه نظرٌ، وفي بعض الأصول بالجرِّ منونًا صفة لمكان، وهو من الثرى الذي فيه نداوة وبلل. قال في «النهاية» يُقال مكان ثريان وأرض ثريا إذا كان في ترابهما بللٍ وندى.
(إِذْ تَضَرَّبَ الْحُوتُ) بضاد معجمة وراء مشددة، وهو تفعل من الضَّرب في الأرض، وهو السَّير، وفي رواية سفيان (( واضطرب الحوتُ في المكتل فخرجَ منه فسقطَ في البحر ) )، وفي رواية أبي إسحاق عند مسلم (( واضطرب الحوتُ في الماء ) )ولا مغايرة بينهما؛ لأنَّه اضطرب أولًا في المِكتل، فلمَّا سقط في الماء اضطرب أيضًا، فاضطرابه الأول في مبدأ ما حيي، والثَّاني في سيره في البحر حيث اتَّخذ فيه مَسلكًا، وفي رواية قتيبة عن سفيان في الباب الذي يليه من الزِّيادة [خ¦4727] قال سفيان وفي غير حديث عَمرو وفي أصل الصَّخرة عين يُقال لها الحياة، لا يُصيبُ من مائها شيءٌ إلَّا حَيِيَ، فأصاب الحوتُ من ماء تلك العين فتحرَّك وانسلَّ من المِكتل فدخلَ البحر.
وحكى ابنُ الجوزي أنَّ في روايته في البخاري (( الحيا ) )بغير هاء، قال وهو ما يحيى به النَّاس، وهذه الزِّيادة التي ذكرها سفيان
ج 20 ص 204
أنَّها في حديث غير عَمرو، قد أخرجها ابن مَرْدويه من رواية إبراهيم بن يسار عن سفيان مدرجة في حديث عَمرو ولفظه (( حتَّى انتهيا إلى الصَّخرة، فقال موسى عندها _ أي نام _ قال فكان عند الصَّخرة عين ماءٍ يُقال لها عينُ الحياة، لا يُصيب من ذلك الماء ميِّت إلَّا عاش، فقُطِرت من ذلك الماء على الحوتِ قطرة، فعاش وخرج من المِكتل فسقطَ في البحر ) ).
وقال الحافظُ العسقلاني وأظنُّ أن ابن عُيينة أخذَ ذلك عن قَتادة، فقد أخرج ابنُ أبي حاتم من طريقه قال يأتي على عين في البحر، يُقال لها عين الحياة، فلمَّا أصاب تلك العين ردَّ الله روح الحوتِ إليه. وقد أنكر الدَّاودي فيما حكاه ابن التِّين هذه الزِّيادة فقال لا أرى هذا يثبت، فإن كان محفوظًا فهو من خلق الله وقدرته، قال لكن في دخول الحوت العين دَلالة على أنَّه كان حيي قبل دخوله، فلو كان كما في هذا الخبر لم يحتج إلى العين، قال والله قادر على أن يحييه بغير العين، انتهى.
ولا يخفى ضعف كلامه دعوى واستدلالًا، وكأنَّه ظنَّ أنَّ الماء الذي دخل فيه الحوت هو ماء العين، وليس كذلك، بل الأخبار الصَّريحة في أنَّ العين عند الصَّخرة وهي غير البحر، وكأن الذي أصاب الحوت من الماء كان شيئًا من رشاش، ولعلَّ هذا العين إن ثبت النَّقل فيها مستند من زعم أنَّ الخضرَ شرب من عين فخُلِّد، وذلك مذكور عن وهب بن منبِّه وغيره ممن كان ينقلُ من الإسرائيليات، وقد صنَّف أبو جعفر بن المنادي كتابًا، وقرَّر أنه لا يوثق بالنَّقل فيما يوجدُ من الإسرائيليات.
(وَمُوسَى) أي والحال أنَّ موسى عليه السَّلام (نَائِمٌ) أي عند الصَّخرة (فَقَالَ فَتَاهُ) يوشع (لاَ أُوقِظُهُ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْقَظَ فَنَسِيَ) بالفاء، وفي الكلام حذفٌ تقديره حتَّى إذا استيقظَ سارَ فنسي، وفي رواية غير أبي ذرٍّ بدون الفاء (أَنْ يُخْبِرَهُ) أي موسى عليه السَّلام بحياة الحوت، وسقوطه في البحر، وأمَّا قوله تعالى {نَسِيَا حُوتَهُمَا} فقيل نسب النِّسيان إليهما تغليبًا، والنَّاسي هو الفتى نسي أن يُخبرَ موسى
ج 20 ص 205
عليه السَّلام بقصَّة الحوت، ونسيَ موسى عليه السَّلام أن يستخبرهُ عن شأنِ الحوت بعد أن استيقظَ؛ لأنَّه لم يكن حينئذٍ معه، فكان بصددِ أن يسألَه أين هو فنسيَ ذلك، وقيل المراد بقوله نسيا أخَّرَا مأخوذ من النِّسي _ بكسر النون _ وهو التَّأخير، والمعنى أنهما أخَّرا افتقاده لعدمِ الاحتياج إليه، فلمَّا احتاجا إليه ذكراه، وهذا بعيد، بل صريح الآية يدلُّ على صحَّة صريح الخبر، وأنَّ الفتى اطَّلع على ما جرى للحوت، ونسيَ أن يُخبر موسى عليه السَّلام بذلك، ووقع عند مسلم في رواية أبي إسحاق أنَّ موسى عليه السَّلام تقدَّم فتاه لما استيقظَ فسار، فقال فتاه ألا ألحق نبيَّ الله فأخبره، قال فنسي أن يُخبرَه.
(وَتَضَرَّبَ الْحُوتُ حَتَّى دَخَلَ الْبَحْرَ) وفي نسخة (فَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُ) أي عن الحوت (جِرْيَةَ الْبَحْرِ، حَتَّى كَأَنَّ أَثَرَهُ) نصب بكأنَّ، ويُروى برفع أثره على أنَّه اسم كان (فِي حَجَرٍ) بفتح الحاء المهملة والجيم، ويُروى بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، وهي أوضحُ (قَالَ لِي) أي قال ابنُ جُريج قال لي (عَمْرٌو) أي ابن دينار (هَكَذَا كَأَنَّ أَثَرَهُ فِي حَجَرٍ وَحَلَّقَ بَيْنَ إِبْهَامَيْهِ وَاللَّتَيْنِ تَلِيانِهِمَا) يعني السَّبابتين، كذا رواية الكُشميهني، وفي رواية غيره ، وفي رواية أخرى ، وفي رواية سفيان عن عَمرو (( فصار عليه مثل الطَّاق ) )وهو تفسير ما أشار إليه من الصِّفة، وفي رواية أبي إسحاق عند مسلم (( فاضطربَ الحوتُ في الماء، فجعلَ لا يلتئمُ عليه صار مثل الكُوَّة ) ) (لَقَدْ لَقِينَا) فيه حذف اختصرهُ، وقد وقع مبينًا في رواية سفيان [خ¦4725] (( فانطلقا بقيَّة يومهما وليلتهما حتَّى إذا كان من الغد، قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا ) ) (مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا) أي تعبًا.
قال الدَّاودي هذه الرِّواية وهم، وكأنَّه فهم أنَّ الفتى لم يُخبر موسى إلَّا بعد يوم وليلة، وليس ذلك المراد بل إن ابتداءها من يوم خرجا لطلبهِ، ويوضِّح ذلك ما في رواية أبي إسحاق عند مسلم (( فلمَّا تجاوزا قال لفتاهُ آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا، قال ولم يُصبْه نَصَب حتَّى تجاوزا ) )، وفي رواية
ج 20 ص 206
سفيان المذكورة (( قال ولم يجدْ موسى النَّصب حتَّى جاوزا المكان الذي أمرَ الله به ) )كذا قال الحافظُ العسقلاني، فليتأمَّل.
(قَالَ) أي فتى موسى عليه السَّلام له (قَدْ قَطَعَ اللَّهُ عَنْكَ النَّصَبَ) وقوله (لَيْسَتْ هَذِهِ عَنْ سَعِيدٍ) من قول ابن جُريج؛ أي ليست هذه اللَّفظة في الإسناد الذي ساقَه عن سعيد بن جُبير (أَخْبَرَهُ) بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة ثمَّ موحدة، من الإخبار؛ أي أخبرَ الفتى موسى عليه السَّلام بالقصَّة، هكذا قال الحافظُ العسقلاني.
وتعقَّبه العيني وقال ما أظنُّ أنَّ هذا المعنى صحيحٌ، والَّذي يظهرُ لي أنَّ المعنى نفى الإخبار عن سعيد بهذه اللَّفظة لمن روى عنه، ووقع في رواية سفيان فقال له فتاه أرأيتَ إذ أوينا إلى الصَّخرة، فساقَ الآية إلى عجبًا، قال فكان للحوتِ سَرَبًا، ولموسى ولفتاه عجبًا، ولابنِ أبي حاتم من طريق قَتادة قال عجبَ موسى أن يسرب حوت مملَّح في مِكتل، وفي رواية أبي ذرٍّ بهمزة ومعجمة وراء وهاء، ثم في نسخة منه بمد الهمزة وكسر الخاء وفتح الراء بعدها هاء ضمير؛ أي إلى آخر الكلام، وأحال ذلك على سياق الآية، وفي أخرى بفتحات وتاء تأنيث منوَّنة منصوبة.
(فَرَجَعَا) أي في الطَّريق الذي جاءا فيه يقصَّان آثارهما قصصًا حتَّى انتهيا إلى الصَّخرة التي حييَ الحوت عندها، وفي رواية النَّسائي (( حتَّى انتهيا إلى الصَّخرة التي فعلَ الحوت ما فعل ) )، وهذا يدلُّ على أنَّ الفتى لم يُخبرْ موسى عليه السَّلام حتى سارا زمانًا إذ لو أخبره به أوَّل ما استيقظَ ما احتاجا إلى اقتصاص آثارهما (فَوَجَدَا خَضِرًا) وفي رواية سفيان (( فقال موسى عليه السَّلام ذلك ما كنَّا نبغي ) )أي نطلبُ، وفي رواية النَّسائي (( هذه حاجتنا ) )وذكر موسى عليه السَّلام ما كانَ الله عهدَ إليه يعني في أمر الحوتِ، وفي رواية سفيان أيضًا (( حتَّى انتهيا إلى الصَّخرة فإذا رجل ) ). وزعمَ الدَّاودي أنَّ هذه الرِّواية وهم، وأنَّهما إنَّما وجداهُ في جزيرة في البحر.
وقال الحافظُ العسقلاني ولا مغايرة بين الرِّوايتين، فإنَّ المراد أنَّهما لما انتهيا إلى الصَّخرة تتبعاه إلى أن وجداهُ في الجزيرة، ووقع في رواية أبي إسحاق عند مسلم (( فأراه مكان الحوت ) )وقال هاهنا وُصِف لي فذهب يلتمسُ فإذا هو بالخضر. وروى ابنُ أبي حاتم من طريق الرَّبيع بن أنس قال انجابَ الماء عن مسلك الحوت فصارتْ كوة فدخلها موسى على أثرِ الحوت، فإذا هو بالخضرِ. وروى ابن أبي حاتم أيضًا من طريق العوفي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال فرجعَ موسى حتَّى أتى الصَّخرة
ج 20 ص 207
فوجدَ الحوت، فجعل موسى يُقدِّم عصاه يُفَرِّج بها عنه الماء، ويتَّبع الحوت، وجعلَ الحوت لا يمسُّ شيئًا من البحر إلَّا يبس حتَّى يصير صخرةً، فجعل موسى يعجبُ من ذلك حتَّى انتهى إلى جزيرة في البحر، فلقي الخضر. ولابن أبي حاتم من طريق السُّدي، قال بلغنا عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ موسى دعا ربَّه ومعه ماء في سقاء يصبُّ منه في البحر فيصيرُ حجرًا، فتأخذ فيه حتَّى انتهى إلى صَخرة فصعدها وهو يتشوَّف هل يرى الرَّجل ثمَّ رآه.
(قَالَ لِي) أي قال ابنُ جُريج قال لي (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) أي ابن جبير بن مُطعم وهو ممَّن أخذ هذا الحديث عن سعيد بن جُبير (عَلَى طِنْفِسَةٍ خَضْرَاءَ عَلَى كَبِدِ البحر) أي وسطه، وروى عبد بن حُميد من طريق ابنِ المبارك عن ابن جُريج عن عثمان بن أبي سليمان قال رأى موسى الخضر على طنفسةٍ خضراء على وجه الماء، انتهى.
والطِّنْفِسة بكسر الطاء المهملة والفاء بينهما نون ساكنة، وفي رواية أبي ذرٍّ بفتح الفاء ويجوز ضم الطاء والفاء وكسر الطاء وفتح الفاء، وكلها لغاتٌ، وهي بساطٌ صغير، وقيل بساط له خملٌ، قيل وهذه الرِّواية القائلة بأنَّه كان في وسط البحر غريبة.
(قَالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ بالفاء (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بالإسناد السَّابق (مُسَجًّى بِثَوْبِهِ) بضم الميم وفتح المهملة وتشديد الجيم منونة؛ أي مغطَّى كله (قَدْ جَعَلَ طَرَفَهُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ وَطَرَفَهُ) أي الآخر (تَحْتَ رَأْسِهِ) وفي رواية مسلم (( مسجَّى ثوبًا مستلقيًا على القفا ) )، وفي رواية عبد بن حميد من طريق أبي العالية (( فوجدَه نائمًا في جزيرة من جزائر البحرِ ملتفًّا بكساء ) )، وفي رواية ابنِ أبي حاتم من وجه آخر عن السُّدي فرأى الخضرُ وعليه جبَّة من صوفٍ وكساءٍ من صوف ومعه عصا قد ألقى عليها طعامَه، قال وإنَّما سُمِّي الخضر؛ لأنَّه جلس على فَرْوة بيضاء، فإذا هي تهتزُّ تحتَه خضراء، والمراد بالفروة وجه الأرض (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى فَكَشَفَ) أي الثَّوب (عَنْ وَجْهِهِ)
ج 20 ص 208
وفي رواية أبي إسحاق عند مسلم (( فقال السَّلام عليكم، فكشف الثَّوب عن وجهه، قال وعليكم السَّلام ) ) (وَقَالَ هَلْ بِأَرْضِي مِنْ سَلاَمٍ) وفي رواية الكُشميهني بالتنوين، وفي رواية سفيان قال (( وأنَّى بأرضك السَّلام ) )وأنى بمعنى من أين وكيف، ويجمع بين الرِّوايتين بأنَّه استفهمه بعد أن ردَّ عليه السَّلام، وإنَّما قال ذلك لأنهم كانوا كفَّارًا، أو كانت تحيتهم غير السَّلام (مَنْ أَنْتَ) أي ثمَّ قال الخضرُ من أنت (قَالَ أَنَا مُوسَى، قَالَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ نَعَمْ) وسقط من رواية سفيان قوله (( من أنت ) )، وفي رواية (( قال موسى قال من موسى؟ قال موسى بني إسرائيل ) )ويُجمعُ بينهما بأنَّ الخضر أعادَ ذلك تأكيدًا، وأمَّا ما أخرجه عبد بن حُميد من طريق الرَّبيع بن أنس في هذه القصَّة، فقال موسى السَّلام عليك يا خضرُ فقال السَّلام عليك يا موسى، قال وما يدريك أنِّي موسى، قال أدراني بك الذي أدراك بي، فهذا إن ثبتَ من الحجج على أنَّ الخضر نبيٌّ.
(قَالَ فَمَا شَأْنُكَ؟) أي ما الذي تطلبُ ولما جئت، وفي رواية أبي إسحاق (( قال ما جاء بك ) ) (قَالَ جِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) أي علمًا ذا رشدٍ، قرأ أبو عَمرو بفتحتين، والباقون بضم أوله وسكون ثانيه، والجمهور على أنَّهما بمعنى كالبُخْل والبَخَل، وقيل بفتحتين الدِّين، وبضم ثم سكون صلاح النَّظر، وهو منصوبٌ على أنَّه مفعول ثان لتعلِّمني، وأبعد من قال إنَّه لقوله {مِمَّا عُلِّمْتَ} (قَالَ أَمَا يَكْفِيكَ أَنَّ التَّوْرَاةَ بِيَدَيْكَ) بالتثنية (وَأَنَّ الْوَحْيَ يَأْتِيكَ) من الله تعالى بلسان جبريل عليه السَّلام، وهذه الزِّيادة ليست في رواية سفيان، والذي يظهرُ أنَّها من رواية يعلى بن مسلم (يَا مُوسَى، إِنَّ لِي عِلْمًا لاَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْلَمَهُ) أي جميعه (وَإِنَّ لَكَ عِلْمًا لاَ يَنْبَغِي لِي أَنْ أَعْلَمَهُ) أي جميعه، وتقدير ذلك ونحوه متعيِّن؛ لأنَّ الخضرَ كان يعرف من الحكم الظَّاهر ما لا غنى للمكلَّف عنه، وموسى عليه السَّلام كان يعرفُ من الحكم الباطن ما يأتيه بطريقِ الوحي.
وقال الكرمانيُّ والبرماويُّ وإنَّما قال لا ينبغي أن أعلمَه لأنَّه إن كان
ج 20 ص 209
نبيًا فلا يجبُ عليه تعلُّم شريعة نبيٍّ آخر، وإن كان وليًا فلعلَّه مأمور بمتابعة نبي غيره، ثمَّ قوله (( يا موسى ) )ثابت في رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي ساقط في رواية غيره، ووقع في رواية سفيان (( إنِّي على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت ) )وهو بمعنى الذي قبله، وقال في رواية سفيان (( قال إنَّك لن تستطيع معي صبرًا ) )أُطْلِق بالصيغة الدَّالة على استمرار النَّفي لما أطلعه الله عليه من أنَّ موسى عليه السَّلام لا يصبرُ على ترك الإنكار إذا رأى ما يخالفُ الشَّرع؛ لأنَّ ذلك يُنافي عصمته، ولذلك لم يسأله موسى عليه السَّلام عن شيءٍ من أمور الدِّيانة بل مشى معه ليشاهد منه ما يطَّلع به على منزلتهِ في العلم الذي اختصَّ به، وقوله و (( كيف تصبر ) )استفهام عن سؤال تقديره لم قلت إنِّي لا أصبر وأنا سأصبرُ فقال كيف تصبر. .. إلى آخره.
وقوله {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} [الكهف 69] قيل استثنى في الصَّبر فصبر، ولم يستثن في العصيان فعصى، وفيه نظرٌ، وكأنَّ المراد بالصَّبر أنَّه صبرٌ على اتباعه والمشي معه وغير ذلك، لا الإنكار عليه فيما يُخالف ظاهر الشَّرع. وقوله (( فلا تسألني عن شيء حتَّى أحدثَ لك منه ذكرًا ) )في رواية العوفي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما حتَّى أُبيِّن لك شأنه.
(فَأَخَذَ طَائِرٌ) أي عصفور (بِمِنْقَارِهِ مِنَ الْبَحْرِ) أي ماء (فَقَالَ) كذا في رواية أبي ذرٍّ بالفاء، وفي رواية غيره بالواو؛ أي قال الخضر (وَاللَّهِ) وقد سقط القسم في نسخة (مَا عِلْمِي وَمَا عِلْمُكَ فِي جَنْبِ عِلْمِ اللَّهِ، إِلاَّ كَمَا أَخَذَ هَذَا الطَّائِرُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ الْبَحْرِ) وظاهر هذه الرِّواية أنَّ الطَّائر نقرَ في البحر عقب قول الخضر لموسى عليه السَّلام ما يتعلَّق بعلمهما، ورواية سفيان تقتضي أنَّ ذلك وقع بعد ما خرق السَّفينة ولفظه (( كانت الأولى من موسى نسيانًا، قال وجاءَ عصفورٌ فوقع على حرف السَّفينة، فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر ... ) )إلى آخره، فيُجمع بأنَّ قوله (( فأخذَ طائرٌ بمنقارهِ ) )مُعَقَّب بمحذوف وهو ركوبهما السَّفينة لتصريح سفيان بذكر السَّفينة. وروى النَّسائي
ج 20 ص 210
من وجه آخر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ الخضر قال لموسى عليه السَّلام أتدري ما يقول هذا الطَّائر؟ قال لا، قال يقول ما علمكما الذي تعلمان في علم الله إلَّا مثل ما أَنْقُصُ بمنقاري من جميع هذا البحر.
وفي رواية هارون بن عنترة عند عبد بن حميد في هذه القصَّة قال (( أرسلَ ربُّك الخطَّاف فجعل يأخذُ بمنقارهِ من الماء ) )، وفي رواية ابنِ أبي حاتم من طريق السُّدي قال الخطَّاف، ولعبد بن حميد من طريق أبي العالية قال رأى هذا الطَّير الذي يُقال له النمر، ثمَّ إنَّ لفظ النَّقص في بعض الرِّوايات ليس على ظاهرهِ، وإنَّما معناه أنَّ علمِي وعلمك بالنَّسبة إلى علمِ الله تعالى كنسبةِ ما أخذَه هذا الطَّائر بمنقارِهِ إلى ماءِ البحر، وهذا على التَّقريب إلى الأفهام، وإلَّا فنسبة علمهما إلى علم الله تعالى أقلُّ من ذلك.
> (حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ وَجَدَا مَعَابِرَ) بفتح الميم والعين المهملة وبعد الألف موحدة مكسورة فراء غير منصرف، جمع معبر، وهي السُّفن الصِّغار فقوله (صِغَارًا) تأكيدٌ وتجريد. وقال الحافظُ العسقلاني قوله (( وجدا معابر ) )تفسير لقوله (( ركبا في السَّفينة ) )لا جواب إذا؛ لأنَّ وجودهما المعابر كان قبل ركوبهما السَّفينة، ووقع في رواية سفيان فانطلقَا يمشيان على ساحلِ البحر فمرَّت السَّفينة فكلَّموهم أن يحملوهُم، وفي رواية ابنِ أبي حاتم من طريق الرَّبيع بن أنس قال مرَّت بهم سفينة ذاهبة فناداهُم خضر. وقال ابنُ إسحاق بسندهِ إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما فيما ذكره ابنُ كثير في «تفسيره» فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرَّضان الناس يلتمسان من يحملهما حتَّى مرَّت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السُّفن شيء أحسن ولا أجمل ولا أوثق منها.
(تَحْمِلُ أَهْلَ هَذَا السَّاحِلِ إِلَى أَهْلِ هَذَا السَّاحِلِ الآخَرِ، عَرَفُوهُ) أي أهل السَّفينة عرفوا الخضر (فَقَالُوا عَبْدُ اللَّهِ الصَّالِحُ) أي هو عبد الله الصَّالح (قَالَ) الظَّاهر أنَّ القائل هو يعلى بن مسلم (قُلْنَا لِسَعِيدٍ) أي ابن جُبير (خَضِرٌ) أي أهو خضرٌ (قَالَ نَعَمْ) وفي رواية سفيان
ج 20 ص 211
عن عَمرو بن دينار (( فكلَّموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوا ) ) (لاَ نَحْمِلُهُ بِأَجْرٍ) أي بأجرة، وفي رواية سفيان (( فحملوا بغير نَوْل ) )بفتح النون وسكون الواو، وهو الأجرة، وفي رواية ابن أبي حاتم من طريق الرَّبيع بن أنس فناداهُم خضر وبيَّن لهم أن يُعطيَ عن كلِّ واحدٍ ضعف ما حملوا بها غيرهم، فقالوا لصاحبهم إنَّا نرى رجالًا في مكان مخوف نخشى أن يكونوا لصوصًا، فقال لأحملنَّهم فإنِّي أرى على وجوههم النُّور، فحملهم بغير أُجرة، وذكر النقَّاش في «تفسيره» أنَّ أصحاب السَّفينة كانوا سبعة بكلِّ واحد زمانة ليست في الآخر.
(فَخَرَقَهَا) بأن قلعَ لوحًا من ألواحها بالقدُّوم، وفي رواية سفيان (( فلمَّا ركبوا في السَّفينة لم يفجأهُم إلَّا والخضر قد قلعَ لوحًا من ألواح السفينة بالقُدُّوم ) ) (وَوَتَّدَ) بفتح الواو وتشديد المثناة الفوقية، وفي رواية أبي ذرٍّ بدون الواو الأولى (فِيهَا وَتِدًا) بكسر الفوقية؛ أي جعل فيها وتدًا مكان اللَّوح الذي قلعَه للإصلاح ودفعَ نفوذ الماء. وعند عبد بن حميد من رواية ابنِ المبارك عن ابن جُريج عن يعلى بن مسلم جاء بوَدٍّ حين خرقها، والوَدُّ _ بفتح الواو وتشديد الدال _ لغة في الوتد، وفي رواية أبي العالية فخرق السَّفينة فلم يره أحد إلَّا موسى عليه السَّلام، ولو رآه القوم لحالوا بينه وبين ذلك.
(قَالَ مُوسَى) أي للخضر ( {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} ) اللام لام العاقبة ( {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} قَالَ مُجَاهِدٌ مُنْكَرًا) هو من رواية ابن جُريج عن مجاهد، وقيل لم يسمع منه، وقد أخرجه عبد بن حميد من طريق ابنِ أبي نَجيح، عن مجاهد مثله، وروى ابن أبي حاتم من طريق خالد بن قيس، عن قتادة في قوله {إِمْرًا} قال عجبًا، ومن طريق أبي صخر في قوله {إِمْرًا} قال عظيمًا، وفي رواية الرَّبيع بن أنس عند ابنِ أبي حاتم أنَّ موسى عليه السَّلام لمَّا رأى ذلك امتلأَ غضبًا وشدَّ ثيابه، وقال أردت هلاكهُم، ستعلم أنَّك أوَّل هالك، فقال له يُوشع ألا تذكر العهد، فأقبلَ عليه الخضر، فقال ألم أقلْ لك إنَّك. .. إلى آخره فأدرك موسى الحِلْم فقال لا تؤاخذني، وإنَّ الخضر لمَّا خلصوا، قال لصاحب السَّفينة
ج 20 ص 212
إنَّما أردتُ الخير، فحمدوا رأيه وأصلحهَا الله على يدِهِ.
( {قَالَ} ) أي الخضر ( {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا} ) أي لما ترى مني من الأفعال المخالفة لشريعتك لأنِّي على علمٍ من علم الله ما علَّمكه الله، وأنت على علمٍ من علم الله ما علَّمنيه الله، فكل منَّا مكلف بأمور من الله دون صاحبه، قاله ابنُ كثير (كَانَتِ الأُولَى نِسْيَانًا) أي من موسى عليه السَّلام حيث قال {لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} وفي رواية سفيان (( قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت ) )بإثبات الواو (وَالْوُسْطَى شَرْطًا) حيث قال (( إن سألتُك عن شيء بعدها ) ) (وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا) حيث قال {لو شئت لاتَّخذت عليه أجرًا} ، وفي رواية سفيان (( وكانت الأولى من موسى نسيانًا ) )ولم يذكر الباقي، وروى ابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما مرفوعًا قال (( الأولى نسيان، والثَّانية عذر، والثَّالثة فِراق ) ).
وعند ابن أبي حاتم من طريق الرَّبيع بن أنس قال قال الخضر لموسى إن عجلت عليَّ في ثلاث فذلك حين أفارقك. وروى الفرَّاء من وجه آخر عن أبيِّ بن كعب رضي الله عنه قال لم ينس موسى، ولكنه من معاريض الكلام. وإسناده ضعيف، والأوَّل هو المعتمد، ولو كان هذا ثابتًا لاعتذر موسى عن الثَّانية، وعن الثَّالثة بنحو ذلك.
( {قَالَ} ) أي موسى عليه السَّلام ( {لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} ) أي تركت من وصيتك ( {وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} ) أي لا تُشدد عليَّ (لَقِيَا غُلاَمًا) وفي رواية سفيان (( فبينما هما يمشيان على السَّاحل إذ أبصرَ الخضر غلامًا ) ) (فَقَتَلَهُ) الفاء عاطفة على «لقيا» وجزاء الشرط قال أقتلت، والقتل من جملة الشرط إشارة إلى أنَّ قتل الغلام يعقب لقاءه من غير مهلةٍ واستكشاف حالٍ، وهو بخلاف قوله {حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا} فإنَّ الخرق وقع جواب الشَّرط؛ لأنَّه تراخى عن الرُّكوب (قَالَ يَعْلَى) وهو ابنُ مسلم الرَّاوي، وهو بالإسناد المذكور (قَالَ سَعِيدٌ) هو ابنُ جُبير (وَجَدَ) أي الخضر (غِلْمَانًا يَلْعَبُونَ، فَأَخَذَ غُلاَمًا) أي منهم (كَافِرًا ظَرِيفًا) بالظاء
ج 20 ص 213
المعجمة، وفي رواية أخرى عن ابن جُريج عند عبد بن حميد (( غلامًا وضئ الوجه ) ) (فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ) بكسر المهملة، وفي رواية سفيان (( فأخذ الخضرُ برأسه فاقتلعَه بيده فقتلَهُ ) )، وفي روايته في الباب الذي يليه (( فقطعَه ) )ويجمع بينهما بأنَّه ذبحه، ثمَّ اقتلع رأسه، وفي رواية أخرى عند الطَّبري (( فأخذَ صخرةً فثلغَ رأسه ) )وهي بمثلثة ثمَّ معجمة، والأوَّل أصحُّ، ويمكن أن يكون ضرب رأسه بالصَّخرة ثمَّ ذبحه وقطعَ رأسه.
(قَالَ) أي موسى عليه السَّلام منكرًا عليه أشدَّ من الأولى (((أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً ) )) بحذف الألف والتشديد، وهي قراءة ابن عامر والكوفيين، وقرأه الباقون (( زاكية ) )بالألف والتخفيف (بِغَيْرِ نَفْسٍ) وقد سقط في نسخة قوله (لَمْ تَعْمَلْ الْحِنْثِ) بكسر المهملة وسكون النون وآخره مثلثة، وفي رواية أبي ذرٍّ بفتح المعجمة والموحدة، ويُروى ، وقوله (( لم تعمل الحنث ) )تفسير لقوله (( زكية ) )والتَّقدير أقتلت نفسًا زكيَّة لم تعمل الحنث بغير نفس (وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأَهَا) وفي رواية أبي ذرٍّ وابن عبَّاس ( {زَكِيَّةً} ) بالتشديد وهي أبلغ؛ لأنَّ فعيلة من صيغ المبالغة (((زَاكِيَةً ) )) بالمد والتخفيف (مُسْلِمَةً) بضم الميم وسكون المهملة وكسر اللام في رواية الأكثرين، ولبعضهم بفتح المهملة وتشديد اللام. قال السَّفاقسي وهو أشبه لأنَّه كان كافرًا (كَقَوْلِكَ غُلاَمًا زَكِيًّا) بالتشديد، ويُروى بالتخفيف، وهو تفسير من الرَّاوي، ويشير إلى القراءتين؛ أي إن قراءة ابن عبَّاس رضي الله عنهما بصيغة المبالغة، والقراءة الأخرى بصيغة اسم الفاعل، وإنَّما أطلق ذلك موسى عليه السَّلام على حسب ظاهر هذا الغلام، وزاد سفيان في روايته هنا (( (( قال ألم أقل لك إنَّك لن تستطيع معي صبرًا ) )قال وهذه أشدُّ من الأولى )) ، وزاد مسلم من رواية أبي إسحاق عن سعيد بن جبير في هذه القصَّة فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( رحمة الله علينا وعلى موسى لولا أنَّه عَجَّل لرأى العجبَ، ولكنَّه أخذته ذَمَامةٌ من صاحبه، فقال {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي} [الكهف 76] ) ).
ج 20 ص 214
ولابن مردويه من طريق عبد الله بن عبيد بن عُمير عن سعيد بن جبير فاستحيا عند ذلك موسى، وقال {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ} ، وهذه الزِّيادة وقع مثلها في رواية عَمرو بن دينار من رواية سفيان في آخر الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( وددنا أنَّ موسى صبر حتَّى يقصَّ الله علينا من أمرهما ) )، وزاد الإسماعيلي من طريق عثمان بن أبي شيبة عن سفيان أكثر ممَّا قصَّ.
(فَانْطَلَقَا) أي موسى والخضر (فَوَجَدَا جِدَارًا) وفي رواية سفيان (( فانطلقا حتَّى إذا أتيا أهل قرية ) )، وفي رواية أبي إسحاق عند مسلم (( أهل قريةٍ لئامًا، فطافا في المجالس فاستطعما أهلها ) )قيل هي أُبلة، وقيل أنطاكية، وقيل أذربيجان، وقيل بُرْقة، وقيل ناصرة، وقيل جزيرة الأندلس، وقد مرَّ [خ¦4725] أن هذا الاختلاف قريب من الاختلاف في المراد بمجمع البحرين، وشدَّة التَّباين في ذلك تقتضي أن لا يُوثق بشيءٍ من ذلك، والله تعالى أعلم.
(يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) أي يسقط، والإرادة هنا على سبيل المجاز (فَأَقَامَهُ قَالَ سَعِيدٌ) أي ابن جبير من رواية ابن جُريج عن عَمرو بن دينار، عنه، ولهذا قال بعده قال يعلى. .. إلى آخره (بِيَدِهِ) أي أقامه الخضر بيده (هَكَذَا، وَرَفَعَ يَدَهُ، فَاسْتَقَامَ قَالَ يَعْلَى) هو ابنُ مسلم (حَسِبْتُ أَنَّ سَعِيدًا قَالَ فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ) بالإفراد أيضًا، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بالتثنية (فَاسْتَقَامَ) وقيل دعمه بدعامة تمنعه من السُّقوط، أو هدمه وأخذ في بنائه إلى أن كَمُل وعاد كما كان، وكلها حكايات حالٍ لا تثبت إلَّا بنقل صحيحٍ، والذي دلَّ عليه القرآن الإقامة لا الكيفية، وأحسن هذه الأقوال أنَّه مسحه أو دفعه بيده فاعتدلَ؛ لأنَّ ذلك أليقُ بحال الأنبياء وكرامات الأولياء إلَّا أن يصحَّ عن الشَّارع أنَّه هدمه وبناه فيُصار إليه، وفي رواية سفيان (( فوجدا جدارًا يريد أن ينقضَّ ) )قال مائل فقال الخضر بيدِهِ فأقامه، وذكر الثَّعلبي أن عرض ذلك الجدار كان خمسين ذراعًا في مائة ذراع بذراعهم.
(لَوْ شِئْتَ) أي قال موسى عليه السَّلام للخضر لو شئت (لاَتَّخَذْتَ) بتشديد التاء بعد وصل الهمزة (عَلَيْهِ) أي على تسويةِ
ج 20 ص 215
الجدار (أَجْرًا _ قَالَ سَعِيدٌ أَجْرًا نَأْكُلُهُ_) وإنَّما قال موسى ذلك لأنه كان حصل له جهدٌ كثير من فقد الطَّعام، وخشيَ أن يختلَّ قوامُ البنية البشريَّة، وزاد سفيان في روايته فقال موسى قوم أتيناهُم فلم يُطعمونا ولم يُضيفونا، لو شئتَ لاتَّخذت عليه أجرًا، وفي رواية أبي إسحاق قال هذا فراق بيني وبينك فأخذَ موسى بطرف ثوبهِ، فقال حدِّثني.
وذكر الثَّعلبي أنَّ الخضر قال لموسى أتلومني على خرق السَّفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، ونسيت نفسك حين أُلقيتَ في البحر، وحين قتلت القبطيَّ، وحين سقيتَ أغنام ابنتي شعيب احتسابًا.
( {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك} وَكَانَ أَمَامَهُمْ، قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ(( أَمَامَهُمْ مَلِكٌ ) )) وفي رواية سفيان (( وكان ابن عبَّاس رضي الله عنهما يقرأ (( وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا ) ))) وهي قراءة شاذَّة مخالفة للمصحف لكنَّها مفسِّرة كقوله {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ} [إبراهيم 16] وقال لبيد
~أَليسَ وَرَائي إِنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتي لزُومُ العَصَا تُحنَى عَلَيْهَا الأَصَابِعُ
قال أبو علي إنَّما جاز استعمال وراء بمعنى أمام على الاتِّساع؛ لأنَّها جهة مقابلة لجهة، فكانت كلُّ واحدةٍ من الجهتين وراء الأخرى إذا لم يرد معنى المواجهة، والآية دالَّة على أنَّ معنى وراء أمام؛ لأنَّه لو كان بمعنى خلف كانوا قد جاوزوه فلا تؤخذ سفينتهم.
(يَزْعُمُونَ) أي قال ابنُ جريح يزعمون (عَنْ غَيْرِ سَعِيدٍ) أي ابن جبير؛ يعني أن تسمية ذلك الملك لم تقع في رواية سعيد (أَنَّهُ) أي الملك الذي كان يأخذُ كلَّ سفينةٍ غصبًا اسمه (هُدَدُ بْنُ بُدَدٍ) بضم الهاء وفتح الدال الأولى، وبُدَد بضم الموحدة وفتح الدال الأولى أيضًا مصروف، وفي رواية أبي ذرٍّ غير مصروف، وحكى ابن الأثير فتح هاء «هَدد» وباء «بَدد» ، ووقع عند ابن مردويه بالميم بدل الهاء. وقال الحافظُ ابن كثير وهو مذكور في التَّوراة. وقال ابنُ إسحاق وهو من الملوك المنصوص عليهم في التَّوراة هذا وقد عزاه؛ أي عزا هذا الزَّعم ابن خالويه في كتاب (( ليس ) )لمجاهد، قال وزعم ابن دريد أنَّ هدد اسم ملك من ملوك حِمير زوَّجه سليمان بن داود عليهما السَّلام بلقيسَ.
قال الحافظُ العسقلاني إن ثبتَ هذا
ج 20 ص 216
حُمل على التَّعدد والاشتراك في الاسم لبُعد ما بين مدة موسى وسليمان عليهما السَّلام، وجاء في تفسير مقاتل أنَّ اسمه منولة بن الجلندي بن سعيد الأزدي، وقيل هو الجلندِي، وكان بجزيرة الأندلس.
(الْغُلاَمُ) بغير واو، وفي اليونينية بالواو؛ أي قال ابنُ جُريج الغلام (الْمَقْتُولُ اسْمُهُ يَزْعُمُونَ جَيْسُورٌ) بفتح الجيم وسكون المثناة التحتية وضم السين المهملة وبالراء، كذا هو في رواية عن أبي ذرٍّ، وفي رواية أخرى له عن الكُشميهني بفتح المهملة بدل الجيم، وكذا في رواية ابن السَّكن، وفي رواية القابسي بنون بدل الياء، وعند عبدوس بنون بدل الراء، وذكر السُّهيلي أنَّه رآه في نسخة بفتح المهملة والموحدة ونونين الأولى مضمومة بينهما الواو الساكنة. وعند الطَّبري من طريق شعيب الجُبَّائي كالقابسي، وفي «تفسير» الضَّحَّاك بن مزاحم اسمه حشرد، ووقع في «تفسير» الكلبي اسم الغلام شمعون.
(مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) وفي رواية النَّسائي (( وكان أبيِّ يقرأ (( يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا ) ))) ، وفي رواية إبراهيم بن يسار عن سفيان (( وكان ابن مسعود يقرأ (( كل سفينة صحيحة غصبًا ) ))) (فَأَرَدْتُ إِذَا هِيَ مَرَّتْ بِهِ أَنْ يَدَعَهَا لِعَيْبِهَا) أي يتركها لأجل عيبها، وفي رواية النَّسائي (( فأردت أن أعيبها حتَّى لا يأخذها ) ) (فَإِذَا جَاوَزُوا) أي إذا عدوا عن الملك (أَصْلَحُوهَا فَانْتَفَعُوا بِهَا) وفي رواية النَّسائي (( فإذا جاوزوه رقعوها فانتفعوا بها وبقيت لهم ) ) (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ سَدُّوهَا بِقَارُورَةٍ) بالقاف وهو الزُّجاج (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِالْقَارِ) بالقاف أيضًا وهو الزِّفت، ثمَّ إنَّ القارورة ضُبطت في الرِّوايات بالقاف، لكن في رواية ابن مردويه ما يدلُّ على أنَّها بالفاء؛ لأنَّه وقع في روايته (( ثارورة ) )بالمثلثة، والمثلثة تقع في موضع الفاء في كثير من الأسماء، ولا تقع بدل القاف.
قال الجوهري يُقال فار فورة، مثل ثار ثورة، فإن كان محفوظًا فلعلَّه فاعولة من فوران القدر التي يغلي فيها
ج 20 ص 217
القار أو غيره. وقال الكرمانيُّ كيفية السد بالقارورة غير معلومة، ثمَّ وجهه بوجهين أحدهما أن تكون قارورة بقدر الموضع المخروق فتوضع فيه. والآخر أن يسحقَ الزُّجاج ويخلط بشيءٍ كالَّدقيق فيسد به.
وقال الحافظُ العسقلاني في الوجه الثاني ولا يخفى بعده، ووجهه بأنَّها فاعولة من القار، وتعقَّبه العيني بأنَّه لا بعد فيه؛ لأنَّه غير متعذِّر ولا متعسِّر، والبعد في الذي قاله فتأمَّل، ووقع في رواية مسلم (( وأصلحوها بخشبة ) )ولا إشكالَ فيها.
(كَانَ أَبَوَاهُ) وفي نسخة بالواو؛ أي أبو الغلام المقتول (مُؤْمِنَيْنِ) بالتثني?