4727 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية غير أبي ذرٍّ بالإفراد (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفي أبو رجاء، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) أي ابن أبي عمران ميمون الهلالي الكوفي، ثمَّ المكي الإمام الحافظُ الحجَّة، تغيَّر حفظه بآخرة، وربما دلَّس عن الثِّقات، وهو أثبت النَّاس في عَمرو بن دينار (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) المكِّي الجُمحي مولاهم (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الأسدي مولاهم الكوفي، أنَّه (قَالَ قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ) بكسر الموحدة، نسبة إلى بني بِكال بطن من حِمْير، ونوفٌ بغير صرف، وصرفه أشهرُ، كما مرَّ، وفي رواية أبي ذرٍّ بفتح الموحدة.
(يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى نَبِيُّ اللَّهِ) المرسل إلى بني إسرائيل، كذا في الفرع ، والذي في اليونينية (لَيْسَ بِمُوسَى الْخَضِرِ) بل موسى آخر (فَقَالَ) أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما (كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ) يعني نوفًا
ج 20 ص 224
عبَّر بذلك للزَّجر والتَّحذير لا قدحًا فيه (حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنه (قَالَ قَامَ مُوسَى خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ) يذكرهم بنعم الله عليهم، ويذكر ما أكرمَه الله به من رسالتهِ وتكليمهِ وتفضيله (فَقِيلَ لَهُ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ قَالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ بالفاء (أَنَا فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ) كأن يقول الله أعلم (وَأَوْحَى إِلَيْهِ) بفتح الهمزة والحاء (بَلَى، عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي) أي كائن (بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ) أي بشيءٍ مخصوصٍ، فالأعلم بالعلم الخاصِّ لا يلزم أن يكون أعلم من العالم بالعلم العامِّ.
(قَالَ أَيْ رَبِّ، كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَيْهِ) أي إلى لقائه (قَالَ تَأْخُذُ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَاتَّبِعْهُ) بهمزة وصل وتشديد الفوقية وكسر الموحدة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بسكون الفوقية وفتح الموحدة؛ أي اتبع أثرَ الحوت، فإنَّك ستلقاه (قَالَ فَخَرَجَ مُوسَى وَمَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ) مجرور بالإضافة منصرف، كنوح على الفصحى (وَمَعَهُمَا الْحُوتُ) المأمور به (حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ) أي التي عند مجمع البحرين (فَنَزَلاَ عِنْدَهَا، قَالَ فَوَضَعَ مُوسَى رَأْسَهُ فَنَامَ. قَالَ سُفْيَانُ) أي ابن عيينة بالإسناد السَّابق.
(وَفِي حَدِيثِ غَيْرِ عَمْرٍو) قيل الغير المذكور قتادة ذكره ابنُ أبي حاتم من طريقه (قَالَ وَفِي أَصْلِ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا) وفي رواية أبي الوقت والأصيلي (الْحَيَاةُ) بتاء التأنيث آخره، وهي المشهورة بين النَّاس بماء الحياة وعين الحياة، وفي رواية أبي زيد بالهمزة (لاَ يُصِيبُ مِنْ مَائِهَا شَيْءٌ) من الحيوان، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بالفوقية؛ أي العين شيئًا.
(إِلاَّ حَيِيَ) وعند ابنِ إسحاق (( من شربَ منه خُلِّد، ولا يُقاربه شيءٌ ميت إلَّا حيي ) ) (فَأَصَابَ الْحُوتَ مِنْ مَاءِ) أي من رشاش ماء (تِلْكَ الْعَيْنِ، قَالَ فَتَحَرَّكَ وَانْسَلَّ مِنَ الْمِكْتَلِ فَدَخَلَ الْبَحْرَ) ولعلَّ هذه العين إن ثبت النقل فيها هي التي شرب منها الخضر فخلد كما قال به
ج 20 ص 225
جماعة كما مرَّ (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ مُوسَى قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا الآيَةَ) {لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف 62] أي بعد أن نسيَ الفتى أن يُخبرهُ بأنَّ الحوت، حيي وانطلاقهمَا سائرين بقيَّة يومهما وليلتهما حتى كانَ من الغد قالَ له إذ ذاك آتنا غداءنا.
(قَالَ وَلَمْ يَجِدِ النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ مَا أُمِرَ بِهِ) فألقى الله عليه الجوعَ والنَّصَب (قَالَ لَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ) أي أن أخبرك بخبره (الآيَةَ) إلى قوله {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} (قَالَ فَرَجَعَا يَقُصَّانِ فِي آثَارِهِمَا) حتى انتهيا إلى الصَّخرة (فَوَجَدَا فِي الْبَحْرِ كَالطَّاقِ مَمَرَّ الْحُوتِ) مفعول وجدا (فَكَانَ لِفَتَاهُ) وفي نسخة (عَجَبًا) إذ هو أمر خارق (وَلِلْحُوتِ سَرَبًا) مسلكًا، وروى ابنُ أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( فرجعَ موسى فوجدَ الحوت، فجعلَ موسى يقدِّم عصاهُ يفرج بها عنه الماء ويتبع الحوتَ، وجعل الحوت لا يمسُّ شيئًا من البحر إلَّا يبسَ حتَّى يصيرَ صخرة ) ).
(قَالَ فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، إِذْا) وفي اليونينية (هُمَا بِرَجُلٍ مُسَجًّى) أي مُغطَّى (بِثَوْبٍ) وفي رواية الرَّبيع بن أنس عند ابنِ أبي حاتم قال (( انجابَ الماء عن مسلكِ الحوتِ، فصارت كوة فدخلها موسى على أثرِ الحوت، فإذا هو بالخضرِ ) ) (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ) أي الخضر بعد أن ردَّ السَّلام عليه وكشف عن وجهه (وَأَنَّى) بفتح الهمزة والنون المشددة؛ أي وكيف، أو ومن أين (بِأَرْضِكَ السَّلام) وأهلها كفارًا، ولم يكن تحيَّتهم السَّلام (فَقَالَ) أي موسى عليه السَّلام بعد أن قال له الخضرُ من أنت (أَنَا مُوسَى، قَالَ) أي الخضر (مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ نَعَمْ، قالَ) موسى للخضر (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا) أو علمًا ذا رشدٍ أسترشد به.
(قالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ بالفاء (لَهُ الْخَضِرُ يَا مُوسَى إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لاَ أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ لاَ تَعْلَمُهُ) فكلٌّ منَّا مكلف بأمور من الله دون صاحبه (قَالَ) أي موسى عليه السَّلام (بَلْ أَتَّبِعُكَ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحموي والمستملي
ج 20 ص 226
والأولى أوضح (قَالَ) أي الخضر (فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ) تُنكره ابتداء (حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) أي حتَّى أبدأك ببيانه (فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ، فَمَرَّتْ بِهِمَا) وفي رواية أبي ذرٍّ أي بموسى وخضر ويوشع (سَفِينَةٌ) ويُروى (فَعُرِفَ الْخَضِرُ) على البناء للمفعول (فَحَمَلُوهُمْ فِي سَفِينَتِهِمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ) بفتح النون وسكون الواو.
(يَقُولُ بِغَيْرِ أَجْرٍ) أي أجرة (فَرَكِبَا السَّفِينَةَ) ولم يذكر يوشع لأنَّه تابع غير مقصود بالأصالة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي (قَالَ وَوَقَعَ عُصْفُورٌ) بضم العين (عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَغَمَسَ مِنْقَارَهُ الْبَحْرَ) بنصبهما، وفي رواية أبي ذرٍّ (فَقَالَ الْخَضِرُ لِمُوسَى) وفي رواية أبي ذرٍّ (مَا عِلْمُكَ وَعِلْمِي وَعِلْمُ الْخَلاَئِقِ فِي عِلْمِ اللَّهِ، إِلاَّ مِقْدَارُ) بالرفع (مَا غَمَسَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْقَارَهُ) وفي رواية والعلم يُطلق ويُراد به المعلوم، وعلم الله لا يدخلٌه نقصٌ، ونقص العصفور ممَّا لا تأثير له فكأنَّه لم يأخذ شيئًا.
(قَالَ فَلَمْ يَفْجَأْ) بالهمزة، ويُروى ووجهه أن الهمزة تُخفف فتصير ألفًا فتحذف بالجزم نحو لم يخش (مُوسَى إِذْ عَمَدَ) بفتح الميم (الْخَضِرُ إِلَى قَدُومٍ) بفتح القاف وتخفيف الدال؛ أي الآلة المعروفة (فَخَرَقَ السَّفِينَةَ، فَقَالَ) ويُروى بدون الفاء (لَهُ مُوسَى قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ) بفتح الميم أيضًا (إلى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا {لَقَدْ جِئْتَ} الآيَةَ) وسقط في رواية أبي ذرٍّ (فَانْطَلَقَا) أي بعد أن خرجا من السَّفينة (إِذَا) وفي رواية (هُمَا بِغُلاَمٍ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والكُشميهني بدون الموحدة (فَقَطَعَهُ، قَالَ) وفي رواية أبي الوقت (لَهُ مُوسَى أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً) بالتشديد؛ أي طاهرة (بِغَيْرِ نَفْسٍ) قيل وكان القتل في أُبُلَّة _ بضم الهمزة والموحدة وتشديد اللام المفتوحة _ مدينة قرب بصرة وعبادان (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) منكرًا.
(قَالَ) أي الخضر
ج 20 ص 227
(((أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ) )) وأتى بلفظ (( لك ) )مع (( نكرًا ) )؛ لأن النكر أبلغ على ما قيل، والضَّرر في القتل ناجزٌ بخلاف خرق السَّفينة فإنَّه يُمكن تداركه (إِلَى قَوْلِهِ(( فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ) )فَقَالَ) أي الخضر (بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَقَامَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّا دَخَلْنَا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُطْعِمُونَا، لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا، قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) في «أنوار التَّنزيل» الإشارة إلى الفراق الموعود بقوله فلا تصاحبني أو إلى الاعتراض الثَّالث أو الوقت؛ أي هذا الاعتراض سبب فراقنا، وهذا الوقت وقته (( سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ) )لكونه منكرًا من حيث الظَّاهر، وقد كانت أحكام موسى عليه السَّلام كغيره من الأنبياء مبنيَّة على الظَّواهر، ولذا أنكر خرق السَّفينة، وقتل الغلام، إذ التَّصرف في أموال النَّاس وأرواحهم بغير حقٍّ حرام في الشَّرع الذي شرعه لأنبيائه عليهم السَّلام إذ لم يُكلِّفنا الكشف عن البواطنِ لما في ذلك من الحرج، وأمَّا وقوعُ ذلك من الخضر، فالظَّاهر أنَّه قد شرعَ له أن يعملَ بما كشفَ له من بواطن الأسرار واطَّلع عليه من حقائق الأستار، فلمَّا علم الخضر علمًا يقينًا أنَّه إن لم يعب السَّفينة بالخرقِ غصبها الملك وجبَ عليه ذلك دفعًا للضَّرر عن ملاكها إذ لو تركها ولم يعبها فاتت بالكليَّة عليهم بأخذ الملك لها، وكذا قتل الغلام فإنَّه علم بالوحي أنَّه إن لم يقتله تبعَه أبواه على الكفر لمزيد محبَّتهما له، فكانت المضرَّة بقتلهِ أيسر من إبقائهِ لاسيَّما والمطبوع على الكفر الذي لا يُرجى إيمانه كان قتله في شريعتهم واجبًا؛ لأنَّ أخذَ الجزية لم يكن سائغًا لهم، وقد رزقهما الله تعالى خيرًا منه كما مرَّ، ولو ترك الجدار حتَّى يسقط ضاع مال أولئك الأيتام فكانت المصلحة التَّامة في إقامته، ولعلَّ ذلك كان واجبًا عليه.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِدْنَا) بكسر الدال الأولى وسكون الثَّانية (أَنَّ مُوسَى صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ) على البناء للمفعول
ج 20 ص 228
(عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا قَالَ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (يَقْرَأُ(( وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ ) )) أي غير معيبة ( {غَصْبًا} ، وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ كَافِرًا) وقد سبق [خ¦4726] أنَّ أمام يستعمل موضع وراء فهي مفسرة للآية كما مرَّ، وقوله تعالى {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ} [الكهف 80] فيه إشعار بأنَّ الغلام كان كافرًا، كما في هذه القراءة الشَّاذة المخالفة لمصحف عثمان رضي الله عنه.