فهرس الكتاب

الصفحة 6881 من 11127

4728 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بموحدة فمعجمة مشددة، الملقَّب ببُنْدَار، قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الهذلي البصري، المعروف بغُنْدر، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، وفي رواية أبي ذرٍّ زيادة بضم الميم وتشديد الراء، ابن عبد الله المرادي الأعمى، الكوفي (عَنْ مُصْعَبٍ) بضم الميم وفتح العين المهملة بينهما مهملة ساكنة، وفي رواية أبي ذرٍّ زيادة بسكون العين؛ أي ابن أبي وقَّاص، مات سنة ثلاث ومائة، ووقع في رواية يزيد بن هارون عن شعبة بهذا الإسناد عند النَّسائي (( سأل رجل ) )فكأن الرَّاوي نسي اسم السَّائل فأبهمه، وقد تبيَّن من رواية غيره أنَّه مصعب راوي الحديث.

(قَالَ سَأَلْتُ أَبِي) سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنهما عن قوله تعالى ( {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} هُمُ الْحَرُوْرِيَّةُ) بفتح الحاء المهملة وضم الراء الأولى وكسر الثَّانية بينهما

ج 20 ص 229

واو ساكنة، نسبة إلى حروراء قرية بقرب الكوفة، كان ابتداء خروج الخوارج على عليٍّ رضي الله عنه منها.

وروى ابن مَرْدويه من طريق حصين عن مصعب لما خرجتِ الحرورية قلت لأبي أهؤلاء الذين أنزل الله فيهم. وروى الحاكم على شرطهما عن مصعب بن سعد لما خرجت الحرورية قلت لأبي هؤلاء الذين أنزل الله فيهم {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قال أولئك أهل الصَّوامع، وهؤلاء زاغوا فأزاغ الله قلوبهم، انتهى.

وروى ابن مَرْدويه من طريق القاسم بن أبي بَزَّة، عن أبي الطُّفيل، عن عليٍّ في الآية قال أظنُّ أنَّ بعضَهم الحرورية، وللحاكم من وجه آخر عن أبي الطُّفيل قال قال علي رضي الله عنه منهم أصحاب النَّهروان وذلك قبل أن يخرجوا. وروى عبد الرَّزَّاق بلفظ قام ابنُ الكوَّاْ إلى عليٍّ رضي الله عنه فقال ما الأخسرين أعمالًا؟ قال ويلك منهم أهل حروراءَ، ولعلَّ ذلك هو السَّبب في سؤالِ مصعب أباه عن ذلك، وليس ما قاله عليٌّ رضي الله عنه ببعيدٍ؛ لأنَّ اللَّفظ يتناوله، وإن كان السَّبب مخصوصًا.

(قَالَ) أي سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه (لاَ) أي ليس هم الحرورية (هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى) وللحاكم (( قال لا أولئك أصحاب الصَّوامع ) )، ولابنِ أبي حاتم من طريق أبي خَميصة _ بفتح المعجمة وبالصاد المهملة _، واسمه عُبيد الله بن قيس، قال هم الرُّهبان الذين حبسوا أنفسهم في السَّواري (أَمَّا الْيَهُودُ فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا النَّصَارَى كَفَرُوا) وفي رواية أبي ذرٍّ (بِالْجَنَّةِ وَقَالُوا لاَ طَعَامَ فِيهَا وَلاَ شَرَابَ) وفي رواية عمرو بن مرَّة عن مصعب قال (( هم عُبَّاد النَّصارى قالوا ليس في الجنَّة طعام ولا شراب ) ) (وَالْحَرُورِيَّةُ(( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ) )) وفي رواية النَّسائي (( والحرورية الذين قال الله تعالى {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} إلى {الْفَاسِقِينَ} ) )قال يزيد هكذا حفظت، وهو غلطٌ منه أو ممَّن حفظ عنه، وكذا وقع عند ابن مَرْدويه (( أولئك هم الفاسقون ) )والصَّواب

ج 20 ص 230

{الخَاسِرُونَ} [البقرة 27] ، ووقع على الصَّواب كذلك في رواية الحاكم.

(وَكَانَ سَعْدٌ) أي ابن أبي وقَّاص رضي الله عنه (يُسَمِّيهِمُ الْفَاسِقِينَ) فلعلَّ هذا هو السَّبب في الغلط المذكور، وفي رواية الحاكم (( الخوارجُ قومٌ زاغوا فأزاغَ الله قُلوبهم ) )وهذه الآية هي التي آخرها {الْفَاسِقِينَ} فلعلَّ الاختصار اقتضَى ذلك الغلط، وكأن سعدًا ذكر الآيتين معًا التي في البقرة والتي في الصَّف. وقد روى ابن مَرْدويه من طريق أبي عَون عن مصعب قال نظرَ رجل من الخوارج إلى سعد فقال هذا من أئمة الكفر فقال له سعد كذبتَ أنا قاتلت أئمَّة الكفر، فقال له آخر هذا من الأخسرين أعمالًا، فقال له سعد كذبت {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ} الآية.

وقال ابنُ الجوزي وجه خسرانهم أنَّهم تعبَّدوا على غير أصل فابتدعوا فخسروا الأعمال والأعمار. والحرورية لما خالفوا ما عهد الله إليهم في القرآن من طاعة أولي الأمر بعد إقرارهم به كان ذلك نقضًا منهم له، ويُقال الحرورية هم الخاسرون؛ لأنَّهم ليسوا كفرة بل هم فسقة، قال تعالى {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ} إلى قوله {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة 27] والكافرون هم الأخسرون، قال تعالى فيهم {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ} [الكهف 105] .

وعن عليٍّ رضي الله عنه أنَّهم كفرةُ أهل الكتاب كان أوائلُهم على حقٍّ فأشركوا بربِّهم وابتدعوا في دينهم، وقيل هم الصَّابئون، وقيل المنافقون بأعمالهم المخالفونَ باعتقادهِم، وهذه الأقوالُ كلها تقتضي التَّخصيص من غير مخصِّص، والذي يقتضيه التَّحقيق أنَّها عامة، فأمَّا قول علي رضي الله عنه أنهم الحرورية فمعناه أنَّ الآية تشملهم كما تشملُ أهل الكتابين وغيرهم لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص، بل أعمُّ من ذلك؛ لأنها مكيَّة قبل خطاب أهل الكتاب ووجود الحرورية، وإنَّما هي عامَّة في كلِّ من دان بدين غير الإسلام، وكلُّ من راءى بعمله أو أقام على بدعة، فكل من ذلك من الأخسرين، وقد قال ابنُ عطيَّة ويضعف قول من قال إنَّ المراد أهل الأهواء والحرورية

ج 20 ص 231

قوله تعالى بعد ذلك {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ} [الكهف 105] وليس في هذه الطَّوائف من يكفر بآيات الله، وإنَّما هذه صفة المشركين عبدة الأوثان، انتهى، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت