فهرس الكتاب

الصفحة 6899 من 11127

4736 - (حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح الصاد المهملة وسكون اللام وبالمثناة الفوقية، هو ابن عبد الرَّحمن الخَارِكي _ بالخاء المعجمة والراء _، البصري وهو من أفراده، قال (حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزدي المِعْوَلي _ بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح الواو _، البصري، قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاري البصري (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ الْتَقَى آدَمُ وَمُوسَى) عليهما السَّلام، قال القابسي التقت أرواحهما في السَّماء، ويجوز أن يكون ذلك يوم القيامة.

وقال القاضي عياض يجوز أن يُحمل على ظاهره، وأنَّهما اجتمعا بأشخاصهما، وقد ثبت في حديث الإسراء أنَّه صلى الله عليه وسلم اجتمع بالأنبياء عليهم السَّلام في السَّموات وفي بيت المقدس، وصلَّى بهم، فلا يبعد أن الله عزَّ وجلَّ أحياهما كما أحيى الشُّهداء، ويُحتمل أن يكون جرى ذلك في حياة موسى عليه السَّلام لحديث عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه كما سيأتي [خ¦4736] .

وقال ابنُ الجوزي يجوز أن يكون المراد شرح حال بضرب مثل لو اجتمعا لقالا، فإن قيل ما وجه اختصاص موسى عليه السَّلام بهذا دون غيره من الأنبياء عليهم السَّلام.

ج 20 ص 260

فالجواب أنَّه أول من جاء بالتَّكاليف.

(قَالَ مُوسَى لآدَمَ) عليهما السَّلام، وفي لفظ ابن مردويه (( فلقيه موسى فقال له ) )، وفي لفظ للبخاري [خ¦3409] (( احتجَّ آدم وموسى ) ) (أَنْتَ الَّذِي) وفي «أحاديث الأنبياء» [خ¦3409] من طريق حُميد بن عبد الرَّحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( أنت آدم الذي ) ) (أَشْقَيْتَ النَّاسَ) من الشَّقاوة، وهي ضدُّ السعادة، وفي لفظ لمسلم (( يا آدم أنت أبونا خيَّبتنا ) )أي أوقعتنا في الخيبة وهي الحرمان والخسران، وقد خاب يخيب ويخوب، معناه كنت سبب خيبتنا، وفيه جواز إطلاق نسبة الشَّيء على من تسبب فيه (وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) أي بتناولك من الشَّجرة، والمراد بالجنَّة التي أخرج منها آدم عليه السَّلام جنَّة الخلد، وجنَّة الفردوس التي هي دار الجزاء في الآخرة، وجنَّة الفردوس وغيرها التي هي دار البقاء كانت موجودة قبل آدم عليه السَّلام، وهو مذهب أهل الحقِّ.

(قَالَ لَهُ) وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله (آدَمُ أَنْتَ الَّذِي) وفي نسخة (اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ) أي خصَّك بذلك، وقيل جعلك صافيًا خالصًا عن شائبة ما لا يليق بك (وَاصْطَفَاكَ لِنَفْسِهِ) وهذا هو موضع التَّرجمة، وفيه تلميح إلى قوله تعالى {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء 164] (وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ) فيها تبيان كل شيء من الإخبار بالغيوب والقصص والمواعظ، وغير ذلك من قوله تعالى {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [الأعراف 145] .

(قَالَ نَعَمْ، فَوَجَدْتَهَا) ويُروى الضمير بالتأنيث يرجع إلى التَّوراة باعتبار اللفظ، وبالتذكير يرجع إليه باعتبار المعنى وهو الكتاب، ويُقال بالتأنيث يرجع إلى الخطيئة، وبالتذكير إلى الذَّنب (كُتِبَت) أي الخطيئة كتبت فيها أو فيه، كذا في رواية الكشميهني، وفي رواية الحمويي والمستملي ؛ أي الذَّنب فيه (عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي) وعند ابن أبي حاتم من طريق يزيد بن هرمز، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال آدم فهل وجدت فيها يعني في التَّوراة (( وعصى آدم ربَّه فغوى ) ) [طه 121] ، وليس المراد أنه ألزمه إيَّاه وأوجبه عليه، فلم يكن له في تناول الشَّجرة كسب واختيار،

ج 20 ص 261

وإنَّما المعنى أن الله أثبته في أمِّ الكتاب قبل كونه، وحكم بأنَّ ذلك كائن لا محالة لعلمه السَّابق، فهل يمكن أن يصدر عنِّي خلاف علم الله؟ فكيف تغفل عن العلم السَّابق، وتذكر الكسب الذي هو السَّبب، وتنسى الأصل الذي هو القدر.

(قَالَ نَعَمْ، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى) هكذا الرِّواية برفع آدم على الفاعلية في جميع كتب الحديث باتِّفاق النَّاقلين والرُّواة والشُّراح؛ أي غلبه بالحجَّة وظهر عليه بها، وموسى عليه السَّلام مال في لومه إلى الكسب، وآدم عليه السَّلام مال إلى القدر، وكلاهما حقٌّ لا يبطل أحدهما صاحبه، ومتى قضي للقدر على الكسب أخرج إلى مذهب القدريَّة، أو للكسب على القدر، أخرج إلى مذهب الجبريَّة، وإنَّما وقعت الغلبة لآدم عليه السَّلام من وجهين

أحدهما أنَّه ليس لمخلوق أن يلوم مخلوقًا فيما مضى عليه إلا أن يأذن الشَّرع بلومه، فيكون الشَّرع هو اللائم.

الثَّاني أن الفعل اجتمع فيه القدر والكسب، والتَّوبة تمحو أثر الكسب، فلما تيب عليه لم يبق إلا القدر، والقدر لا يتوجَّه إليه لوم، وفي حديث عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن موسى عليه السَّلام قال يا ربِّ؛ أرنا أبانا الذي أخرجنا ونفسه من الجنَّة، فأراه آدم عليه السَّلام فقال أنت أبونا؟ قال نعم، قال أنت الذي نفخ الله فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته؟ قال نعم، قال فما حملك على أن أخرجتنا من الجنَّة؟ فقال له آدم عليه السَّلام من أنت؟ قال موسى قال نبي بني إسرائيل الذي كلَّمك الله من غير رسول من خلقه؟ قال نعم، قال أما وجدت أنَّ ذلك كان في كتاب الله قبل أن أُخلق؟ قال نعم قال ففيم تلومني في شيء سبق من الله فيه القضاء قبل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك فحجَّ آدم موسى ) ).

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله «واصطفاك لنفسه» كما تقدَّم، والحديث من أفراده من الوجه المذكور، وقد مضى في كتاب «الأنبياء» في باب «وفاة موسى عليه السَّلام» [خ¦3409] ، وسيأتي أيضًا من حديث أبي سلمة بن عبد الرَّحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه [خ¦4738] ، وأخرجه أيضًا من حديث أبي سعيد رضي الله عنه [1] ،

ج 20 ص 262

وأخرجه مسلم بألفاظ

منها فقال موسى يا آدم! أنت أبونا أخرجتنا من الجنَّة، ومنها قبل أن يخلقني بأربعين سنة، ومنها أنت الذي أغويت النَّاس وأخرجتهم من الجنَّة، ومنها فهل وجدت فيها يعني في التَّوراة، (( وعصى آدم ربَّه فغوى ) )قال نعم.

(الْيَمُّ الْبَحْرُ) أشار به إلى قوله تعالى {فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ} [طه 39] وفسَّر (( اليم ) )بالبحر، وقد وصله ابن أبي حاتم من طريق أسباط بن نصر عن السُّدي، وقال الثَّعلبي اليم نهر النِّيل، قيل وموضع ذكر هذا في الباب الآتي، وذكره هنا ليس بموجه، وقال العيني المراد باليم في الباب الآتي هو بحر القلزم، والذي ذكره هنا هو النِّيل أطلق عليه البحر لتبحُّره أيَّام الزيادة انتهى، إلا أن المناسب أن يذكره قبيل باب قوله (( واصطنعتك لنفسي ) )، فافهم.

[1] كذا في العمدة، ولم أقف عليه من رواية ابي سعيد في الصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت