فهرس الكتاب

الصفحة 6919 من 11127

4745 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) ذكره غير منسوب، ولم ينسبه الكلاباذي أيضًا، قال الحافظُ العسقلاني وعندي أنَّه إسحاق بن منصور؛ يعني ابن بهرام، أبا يعقوب الكوسج المروزي، وجزم الغسَّاني بأنَّه ابن منصور، قال (أَخْبَرَنَا) ويُروى (مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) هو أبو عبد الله الفريابي، وهو من مشايخ البخاري، وروى عنه هنا بالواسطة، قال (حَدَّثَنَا) ويُروى (الأَوْزَاعِيُّ) هو عبد الرَّحمن بن عَمرو (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بن مالك السَّاعدي الأنصاري رضي الله عنه (أَنَّ عُوَيْمِرًا) بضم العين المهملة وفتح الواو، مصغر عامر، هو ابن الحارث بن زيد بن الجَدِّ _ بفتح الجيم وتشديد الدال _ ابن عجلان، وفي رواية عن مالك ، وكذا أخرجه أبو داود وأبو عَوَانة، وفي «الاستيعاب» عويمرُ بن أبيض.

قال الحافظ ُالعسقلاني فلعلَّ أباهُ كان يُلقَّب أشقر أو أبيض، وفي الصَّحابة عويمر بن أشقر آخر، وهو مازني أخرج له ابنُ ماجه.

(أَتَى عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ) بن الجدِّ بن العجلان بن حارثة العجلاني، وهو أخو معن بن عدي، ووالد أبي البدَّاح بن عاصم، وعاش عاصم عشرين ومائة سنة، ومات في سنة خمس وأربعين، وذكر موسى بن عقبة

ج 20 ص 304

أنَّه وأخاه معنًا شهدا بدرًا، ومعن قُتل باليمامة رضي الله عنهما (وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي عَجْلاَنَ، فَقَالَ) أي له (كَيْفَ تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ) بهمزة الاستفهام الاستخباري؛ أي أيقتل الرَّجل (فَتَقْتُلُونَهُ) قصاصًا لقوله تعالى {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة 45] .

وفي قصَّة العجلاني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما المروي في «صحيح مسلم» فقال أرأيتَ إن وجدَ مع امرأته رجلًا فإن تكلَّم به تكلَّم بأمرٍ عظيمٍ، وإن سكتَ سكتَ على مثل ذلك، وفي حديث ابنِ مسعود رضي الله عنه عنده أيضًا إن تكلَّم جلدتموهُ، وإن قتلَ قتلتموهُ، وإن سكت سكتَ على غيظٍ. وفي رواية عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما لمَّا نزل {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور 4] الآية قال عاصم بن عديٍّ إذا دخل رجل منَّا بيته فرأى رجلًا على بطن امرأته، فإن جاء بأربعة رجالٍ يشهدون بذلك فقد قضى الرَّجل حاجته وذهبَ، وإن قتل قُتل به، وإن قال وجدت فلانًا معها ضرب، وإن سكت سكتَ على غيظٍ.

(أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ) أم يحتمل أن تكون متَّصلة؛ يعني إذا رأى الرَّجل هذا المنكر الشَّنيع والأمر الفظيع، وثارت عليه الحمية أيقتله فتقتلونه، أم يصبرُ على ذلك الشَّنآن والعار، ويُحتمل أن تكون منقطعة، فسأل أولًا عن القتل مع القصاص، ثمَّ أضرب عنه إلى سؤاله؛ لأنَّ أم المنقطعة متضمِّنة لبل، والهمزة قبل تضربُ الكلام السَّابق، والهمزة تستأنفُ كلامًا آخر، والمعنى كيف يصنعُ أيصبر على العار، أم يحدث الله أمرًا آخر، فلذا قال (سَلْ) أصله اسأل (لِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ. فَأَتَى عَاصِمٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) حذف المقول لدَلالة السَّابق عليه؛ أي كيف تقول في رجلٍ وجدَ مع امرأته رجلًا أيقتلُه فتقتلونه أم كيف يصنعُ؟

(فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَائِلَ) أي المذكورة لما فيها من الشَّناعة والإشاعة على المسلمين

ج 20 ص 305

والمسلمات، وتسليط اليهود والمنافقين في الكلام في عرضِ المسلمين، والخوض في طعن الدِّين، ولأنَّ سؤاله عن قضيَّة لم تقع بعد ولم يحتج إليها، وزاد في «اللِّعان» [خ¦5308] و «الطَّلاق» [خ¦5259] من طريق مالك عن ابن شهابٍ و «عابها حتَّى كَبُر على عاصم ما سمعَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا رجعَ عاصم إلى أهلهِ» ، وفي رواية مسلم فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكرهَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائلَ وعابها، حتَّى كَبُرَ على عاصم ما سمعَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا رجعَ عاصم إلى أهلهِ جاءه عويمر، فقال يا عاصم! ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عاصم لعويمر لم تأتني بخيرٍ، قد كرهَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألةَ التي سألته عنها، قال عويمرُ والله لا أنتهي حتَّى أسألَه عنها، فأقبلَ عويمر حتَّى أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وسط النَّاس، فقال يا رسول الله! أرأيت ... إلى آخره.

(فَسَأَلَهُ عُوَيْمِرٌ) قال ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ (فَقَالَ) أي عاصم لم تأتني بخير (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهَ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا) ثبت لفظ هنا وسقطَ من الأولى (قَالَ عُوَيْمِرٌ وَاللَّهِ لاَ أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، فَجَاءَ عُوَيْمِرٌ) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا) أي يزني بها (أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ) هي زوجتُه خولة بنت قيس فيما ذكره مقاتل، وذكر ابنُ الكلبي أنَّها بنت عاصم المذكور واسمها خولة، والمشهور أنَّها بنت قيس.

وأخرج ابنُ مَرْدويه من طريق الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنَّ عاصم بن عديٍّ لمَّا نزلت {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} قال يا رسول الله! أين لأحدنا أربعة شهداء؟ فابتلي به في بنت أخيه، وفي سنده مع إرساله ضعفٌ، وأخرج ابنُ أبي حاتم في «التَّفسير» عن مقاتل بن حيَّان قال لما سألَ عاصم عن ذلك ابتلي به في أهل بيته، فأتاه ابن عمِّه تحته ابنة عمِّه رماها بابن عمِّه، والزَّوج والخليل والمرأة ثلاثتهم بنو عم عاصم.

وعند

ج 20 ص 306

ابن مَرْدويه من مرسل ابن أبي ليلى أنَّ الرَّجل الذي رمى عويمر امرأته به هو شريكُ بن سحماء، وهو يشهدُ لصحَّة هذه الرِّواية؛ لأنَّه ابن عم عويمر؛ لأنَّه شريك بن عبدة بن مغيث بن الجد بن العجلان، وفي مرسل مقاتل بن حيَّان عند ابن أبي حاتم، فقال الزَّوج لعاصم يا ابن عم! أقسم بالله لقد رأيتُ شريك بن سحماء يلي بطنها، وإنَّها لحبلى، وما قربتها منذ أربعة أشهر.

وفي حديث عبد الله بن أبي جعفر عند الدَّارقطني لاعن بين عويمر العجلاني وامرأته، فأنكر حملها الذي في بطنها، وقال هو لابن سحماء، وإذا جاء الخبر من طرق متعدِّدة فإن بعضها يعضدُ بعضًا، وظاهر السِّياق يقتضي أنَّه كان تقدم من عويمر إشارة إلى خصوص ما وقعَ له مع امرأته، والظَّاهر أنَّ في هذا السِّياق اختصارًا، ويوضِّحه ما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في قصَّة العجلاني بعد قوله إن تكلَّم تكلَّم بأمرٍ عظيم، وإن سكت سكتَ عن مثل ذلك، فسكت عنه النَّبي صلى الله عليه وسلم، فلمَّا كان بعد ذلك أتاه فقال إن الذي سألتك عنه قد ابتُليت به، فدلَّ على أنَّه لم يذكر امرأته إلَّا بعد أن انصرفَ ثمَّ عاد.

(فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُلاَعَنَةِ) بضم الميم؛ أي بملاعنة الرَّجل المرأة، قال في «المغرب» لعنه لعنًا ولاعنه مُلاعنة ولِعانًا، وتلاعنوا لعن بعضُهم بعضًا، وهو الطَّرد والإبعاد، وشرعًا كلمات معلومات جُعلت حجَّة للمضطر إلى قذف من لطخ فراشه وألحق العار به، أو إلى نفي ولد، ولذا قال النَّووي إنَّما سُمِّي لعانًا؛ لأنَّ كلاًّ من الزَّوجين يبعدُ عن صاحبه، ويحرم النِّكاح بينهما على التَّأبيد بخلاف المطلق وغيره، وقيل سُمِّي بذلك لقول الزَّوج وعليَّ لعنة الله إن كنت من الكاذبين، واختير لفظ اللَّعن على لفظ الغضب، وإن كانا موجودين في الآية الكريمة، وفي صورة اللِّعان لأنَّ لفظ اللَّعن متقدِّم في الآية، ولأنَّ جانب الرَّجل فيه أقوى من جانبها؛ لأنَّه قادر على الابتداء باللِّعان دونها، ولأنَّه قد ينفكُّ لعانه عن لعانها ولا ينعكسُ.

(بِمَا سَمَّى اللَّهُ) تعالى (فِي كِتَابِهِ) في هذه الآية بأن يقول الزَّوج أربع مرَّات أشهد بالله إنِّي لمن الصَّادقين فيما رميتُ به هذه من الزِّنا {وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور 7]

ج 20 ص 307

فيما رماها به من الزِّنا، ويُشير إليها في الحضور، ويميزها في الغيبة، ويأتي بدل ضمائر الغائب بضمائر المتكلِّم، فيقول لعنة الله عليَّ إن كنت. .. إلى آخره وإن كان ولد نيفيه ذكره في الكلمات الخمس لينتفي عنه، فيقول إنَّ هذا الولد الذي ولدته، أو هذا الولد من زنا ليس منِّي (فَلاَعَنَهَا) أي لاعنَ عُويمر زوجتَه خولة؛ أي بعد أن قذفَها وأتتْ عندَهُ صلى الله عليه وسلم وسألَهَا وأنكرتْ، وأصرَّ كلُّ واحدٍ منهما على كلامه، وكان ذلك في السَّنة الأخيرة من زمانه صلى الله عليه وسلم، وجزم الطَّبري وأبو حاتم وابن حبَّان بأنها كانت في شعبان سنة تسع، وعند الدَّارقطني من حديث عبد الله بن جعفر أنَّها كانت منصرف النَّبي صلى الله عليه وسلم من تبوك، ورجَّح بعضُهم أنها كانت في شعبان سنة عشر لا تسع، وفي حديث ابنِ مسعود رضي الله عنه عند مسلم أنَّها كانت ليلة جمعة.

(ثُمَّ قَالَ) أي عويمر (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ حَبَسْتُهَا فَقَدْ ظَلَمْتُهَا، فَطَلَّقَهَا) زاد في باب «من أجاز طلاق الثَّلاث» من طريق مالك عن ابن شهاب [خ¦5259] (( ثلاثًا ) )يُفهمُ من ذلك أن بمجرَّد اللِّعان لا تقعُ الفرقة، وسيأتي تفصيلُه في استنباطِ الأحكام (فَكَانَتْ) أي الفرقة بينهما (سُنَّةً لِمَنْ كَانَ بَعْدَهُمَا فِي الْمُتَلاَعِنَيْنِ) وفي نسخة فلا يجتمعان بعد الملاعنة، وقال ابنُ عبد البر أبدى له بعضُ أصحابنا فائدة، وهي أن لا يجتمعُ ملعون مع غيرِ ملعون، لأنَّ أحدهما ملعونٌ في الجملة بخلاف ما إذا تزوَّجت المرأة غير الملاعن، فإنَّه لا يتحقَّق، وعورض بأنَّه لو كان كذلك لامتنعَ عليهما معًا التزوُّج؛ لأنَّه تحقَّق أن أحدَهما ملعونٌ، ويُمكن أن يُجابَ بأن في هذه الصُّورة افتراقًا في الجملة، فافهم، وفي رواية الباب الآتي [خ¦4746] من طريق فُلَيح عن الزُّهري فكانت سُنَّةً أن يُفرَّق بين المتلاعنين، وكانت حاملًا فأنكرَ حملها.

(ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْظُرُوا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ) أي بالولد (أَسْحَمَ) بفتح الهمزة والحاء المهملة بينهما مهملة ساكنة آخره ميم؛ أي أسود شديد السَّواد (أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ) بالعين المهملة والجيم؛ أي شديدَ سواد الحدقةِ، والدَّعَج في العين شدَّة سَوادها، وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما الآتي [خ¦4748] (( أكحلَ العينين ) ) (عَظِيمَ الأَلْيَتَيْنِ) الأَلية _ بفتح الهمزة _

ج 20 ص 308

العجز، يُقال رجلٌ ألي [1] وامرأة عجزاءَ، وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما [خ¦4748] (( سابغ الأَلْيتين ) ) (خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ) الخَدَلَّج _ بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة واللام المشددة وبالجيم _، العظيم، وساق خدلجة مملوءة (فَلاَ أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلاَّ قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ) بضم الهمزة وفتح الحاء المهملة مصغر، أحمر، وقال ابنُ التِّين الأحيمر الشَّديد الشُّقرة، وقال صاحب «التَّنقيح» إنَّ الصَّواب صرف أُحيمر وهو الأبيضُ.

وتعقَّبه صاحب «المصابيح» فقال عدم الصَّرف كما في المتن هو الصَّواب، وما ادَّعاه هو عينُ الخطأ.

(كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ) بفتح الواو والحاء المهملة والراء، دُوَيبة حمراء تلزقُ بالأرض كالعظاءة تقعُ على الطَّعام واللَّحم فتفسدُهُ، وهي من أنواع الوزعِ وشبههً بها لحمرتهَا وقصرهَا (فَلاَ أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلاَّ قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا. فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ رَسُولُ اللَّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَصْدِيقِ عُوَيْمِرٍ) وفي باب «التَّلاعن في المسجد» [خ¦5309] من طريق ابن جريج عن الزُّهري فجاءتْ به على المكروه من ذلك (فَكَانَ) أي الولد (بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ) واستنبطَ من الحديث أحكام، منها الاستعداد للوقائعِ قبل وقوعها ليعلم أحكامها. ومنها الرُّجوع إلى من له الأمر، ومنها إجراء الأحكام على الظَّاهر، والله يتولَّى السَّرائر. ومنها كراهة المسائل التي لا يُحتاجُ إليها، لا سيَّما ما كان فيه هتك سَترة مسلم أو مسلمة، أو إشاعة فاحشةٍ على مسلم أو مسلمة، ومنها أنَّ العالم يُقصدُ في منزله للسُّؤال، ولا ينتظرُ به عند تصادفه في المسجدِ أو الطَّريق، ومنها أنَّه اختلف العلماء فيمَن قتل رجلًا، وزعم أنَّه وجدَه قد زنا بامرأتهِ، فقال جمهورهُم لا يقل بل يلزمه القصاص إلَّا أن يقومَ بذلك بينة أو يعترف به ورثةُ القتيل، والبيِّنة أربعة من عدول الرِّجال يشهدون على نفس الزِّنا، ويكون القتيل محصنًا، وأمَّا فيما بينه وبين الله تعالى فإن كان صادقًا فلا شيءَ عليه.

وقال بعض الشَّافعية يجبُ على كلِّ من قتل زانيًا محصنًا القصاص، ومنها مشروعيَّة اللِّعان وهو مقتبس من قوله تعالى

ج 20 ص 309

{وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور 7] ، وقال أصحابنا اللِّعان شهادات مُؤكدة بالأيمان مقرونة باللَّعن والغضب، وأنَّه في جانب الزَّوج قائم مقام حدِّ القذف، وفي جانبها قائم مقام حدِّ الزِّنا، وقال الشَّافعي اللِّعان إنما كان بلفظ الشَّهادة مقرونة بالغضبِ أو اللَّعن، فكلُّ من كان من أهل الشَّهادة واليمين كان من أهل اللِّعان ومن لا فلا عندنا، وكل من كان من أهل اليمين فهو من أهل اللِّعان عنده سواء كان من أهل الشَّهادة أو لم يكن، ومن لم يكن من أهل الشَّهادة ولا من أهل اليمين لا يكون من أهل اللِّعان بالإجماع.

ومنها أن اللِّعان يكون بحضرةِ الإمام أو القاضي وبمجمع من النَّاس، وهو أحدُ أنواع تغليظ اللِّعان، وقال النُّووي يغلظ اللِّعان بالزَّمان والمكان والمجمع، فأمَّا الزَّمان فبعد العصر، والمكان في أشرفِ موضع في ذلك البلد، والمجمع طائفة من النَّاس وأقلهم أربعة، وهل هذه التَّغليظات واجبةٌ أم مستحبَّة، فيه خلاف عندنا الأصح الاستحباب. ومنها أنَّ بمجرَّد اللِّعان لا تقع الفرقة بل بحكم الحاكم عند أبي حنيفة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( فطلقها ) )، ولما في حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما أخرجه مسلم (( ثمَّ فرَّق بينهما ) )، وبه قال الثَّوري وأحمد في رواية، وفي مذهب مالك أربعة أقوال

أحدها أنَّ الفرقة لا تقعُ إلَّا بإلتعانهما جميعًا، والثَّاني وهو ظاهر قول مالك في «الموطَّأ» أنها تقعُ بإلتعان الزَّوج وهو روايةُ أصبغ، الثَّالث قول سُحنون يتمُّ بلعان الزَّوج مع نكول المرأة، الرَّابع قول ابنِ القاسم يتم بإلتعان الزَّوج إن إلتعنت.

فحاصل مذهب مالك أنَّها تقعُ بينهما بغير حكم الحاكمِ ولا تطليق، وبه قال اللَّيث والأوزاعي وأبو عُبيد وزفر بن الهذيل، وعند الشَّافعي تقعُ بإلتعان الزَّوج قال لأنَّ إلتعان المرأة إنَّما شُرع لدفع الحدِّ عنها بخلاف الرَّجل، فإنَّه يزيد على ذلك في حقِّه بنفي النَّسب ولحاقِ الولد، وزوال الفراش، وفائدةُ الخلاف بين هذا وبين أحد مذاهب مالك من أنَّ الفرقة إنَّما تقعُ بإلتعانهما جميعًا تظهر في التَّوارث لو مات أحدهما عقب فراغ الرَّجل، وفيما إذا علَّق طلاق امرأته بفراقِ آخر، ثمَّ لاعن، فافهم.

ج 20 ص 310

واتَّفق أبو حنيفة والثَّوري والأوزاعي واللَّيث والشَّافعي ومالك وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور أنَّ اللِّعان حكمُه وسنَّته الفرقة بين المتلاعنين إمَّا باللِّعان أو بتفريقِ الحاكم، كما ذكر من مَذاهبهم، وهو مذهبُ أهل المدينة ومكَّة وكوفة والشَّام ومصر.

وقال عثمان البتِّي وطائفة من أهل البصرة إذا تلاعنا لم ينقص اللِّعان شيئًا [من العصمة] حتَّى يطلق الزوج، قال وأحب إليَّ أن يُطلِّق، واحتجَّ بأنَّ الفرقة لم تذكر في القرآن، وأنَّ ظاهرَ الأحاديث أنَّ الزَّوج هو الذي طلَّق ابتداء، وقال الإشبيليُّ هذا قول لم يتقدَّمه أحد إليه، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه حكى ابن جرير هذا القول عن أبي الشَّعثاء جابر بن زيد أيضًا، وقال الخطَّابي لفظ «فطلَّقها» يدلُّ على وقوع الفرقة باللِّعان، ولولا ذلك لصارت في حكم المطلَّقات، وأجمعوا على أنها ليستْ في حكمهنَّ فلا يكون له مراجعتها إن كان الطَّلاق رجعيًا، ولا يحلُّ له وطئها إن كان بائنًا، وإنَّما اللِّعان فرقة فسخ، انتهى. وقد اختلفوا أنَّ الفرقة بين المتلاعنين فسخٌ أو تطليقة، فعند أبي حنيفة ومحمَّد وإبراهيم النَّخعي وسعيد بن المسيَّب هي طلقةٌ واحدةٌ.

وقال مالك والشَّافعي هي فسخٌ. ومنها أنهما لا يجتمعان أبدًا لقوله فكانت سنة لمن كان بعدهما، ومنها الاعتبار بالشَّبه لأنَّه صلى الله عليه وسلم اعتبر الشَّبه، ولكن لم يحكم به لأجلِ ما هو أقوى من الشَّبه، وهو الفراش، فلذلك قال في ولد وليدة زَمَعة لما رأى الشَّبه بعينه (( احتجبي منه يا سودةُ ) )، وقضى بالولد للفراش، وحكم بالشبه في حكم القافة إذ لم يكن هناك شيءٌ أقوى من الشبه. ومنها إثبات التَّوارث بينها وبين ولدها، يفهم ذلك من قوله فكان بعدُ يُنسبُ إلى أمِّه.

وجاء في حديث يأتي أصرحُ منه وهو قوله ثمَّ جرت السنة في الميراث أن يرثهَا وترث منه ما فرضَ الله لها، وهذا إجماعٌ فيما بينه وبين الأم، وكذا بينَه وبين أصحابِ الفروض من جهة أمِّه، وبه قال الزُّهري ومالك وأبو ثور. وقال أحمدُ إذا انفردتِ الأم أخذتْ جميع ماله بالعصوبة، وقال أبو حنيفة إذا انفردتْ أخذت الجميع لكن الثُّلث فرضًا، والباقي ردًّا على قاعدتهِ في إثبات الرَّد، ومنها أنَّ شرط اللِّعان أن يكون بين الزَّوجين؛ لأنَّ الله تعالى خصَّه بالأزواج بقوله {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور 6] فعلى هذا

ج 20 ص 311

إذا تزوَّج امرأة نكاحًا فاسدًا، ثمَّ قذفها لم يلاعنا لعدم الزَّوجية.

وقال الشَّافعي يلاعنها إذا كان القذف ينفِي الولد، وكذا لو طلَّق امرأته طلاقًا بائنًا أو ثلاثًا، ثمَّ قذفها بالزِّنا لا يجبُ اللِّعان، ولو طلَّقها طلاقًا رجعيًا ثمَّ قذفها يجب اللِّعان، ولو قذفها بزنا كان قبل الزَّوجية فعليه اللِّعان عندنا لعموم الآية خلافًا للشَّافعي، ولو قذف امرأته بعد موتها لم يلاعن عندنا، وعند الشَّافعي يلاعنُ على قبرها، ومنها سقوط الحدِّ عن الرَّجل، وذلك لأجلِ أيمانه سقطَ الحد، ومنها شرط وجوب اللِّعان عدم إقامة البيِّنة لقوله تعالى {وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ} [النور 6] حتَّى لو أقامهم الزَّوج عليها بالزِّنا لا يجبُ اللِّعان ويُقام عليها الحدَّ، ومنها أنَّ شرط وجوب اللِّعان إنكار المرأة وجود الزِّنا حتى لو أقرَّت بذلك لا يجبُ اللِّعان، ويلزمها حدُّ الزِّنا الجلد إن كانت غير محصنة، والرَّجم إذا كانت محصنة.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه المؤلِّف في «الطَّلاق» [خ¦5259] ، و «التفسير» [خ¦4746] ، و «الاعتصام» [خ¦7304] ، و «الأحكام» [خ¦7165] ، و «المحاربين» أيضًا [خ¦6854] ، وأخرجه مسلم في اللِّعان، وأبو داود في الطَّلاق، وكذا النَّسائي وابن ماجه فيه.

[1] كذا في العمدة، وفي كتب اللغة (آلى) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت